
بقلم الكاتب الصحفي: سمير السيد *
في العقد الحالي تحديدا، وفي كل مرة أستمع فيها إلى (إبراهيم عيسى)، تنتابني مشاعر مختلطة: ليس إعجابا خالصا، ولا رفضا كاملا، بل شيء أكثر تعقيدا من ذلك.. مزيج من الانتباه والقلق، كأنك تستمع لصوت يعرف جيدا كيف يوقظك، لكنه لا يخبرك إلى أين يجب أن تذهب بعد أن تستيقظ؟
ربما لهذا السبب تحديدا، لا يبدو لي (إبراهيم عيسى) مجرد إعلامي مثير للجدل أو ذي حضور لافت، بل هو علامة على شيء أعمق يحدث في بنية الإعلام نفسه.. شيء يجعلنا نعيد طرح سؤال قديم بصيغة جديدة: هل ما زالت الصحافة تُعنى بالفهم.. أم أصبحت تُعنى بإثارة الحاجة إلى الفهم فقط؟.
في لحظة تاريخية كانت فيها الصحافة المصرية بدرجات متغيرة آلية لصناعة المعلومات والأفكار وتشكيل الخطاب العام، برز نمط جديد في سياق التحول إلى الإعلام الرقمي.. نمط لا يسعى إلى إنتاج المعرفة كغاية، بقدر ما يعمل على إنتاج (لحظة الاشتباك) معها.. نمط لا يهتم بتفسير العالم، بل يعيد شحنه بطاقة من التوتر، في بيئة (خوارزمية) تكافئ التفاعل أكثر من التحليل.
في هذا الإطار، يمكن قراءة تجربة (إبراهيم عيسى) باعتبارها التعبير الأكثر وضوحا عن صحافة (إدارة الانتباه”، ليس بوصفها (آلية تشغيل) فحسب، بل كجزء مما يبدو تحولا أوسع في قواعد إنتاج التأثير داخل المجال العام.
في بعض المراحل، كان القارئ يذهب إلى الصحافة طلبا للفهم، أو لكونه يشعر بأن هناك من يلتقط تعقيد الواقع ويعيد ترتيبه في صورة قابلة للإدراك.. كان نموذج مثل (محمد حسنين هيكل) رغم كل ما يثار حوله كصحفي سلطة، يمنحك هذه الثقة.. الثقة في أن العالم رغم تعقيده وتشابكه، قابلا للفهم.

آلية بقاء (عقلانية)
في هذا النموذج الكلاسيكي، قامت الصحافة على بديهية مفادها أن المعرفة قوة، وأن الصحفي المتمكن هو من يمتلك قدرة تفسيرية تتجاوز آنية الحدث.. لكن في حالة (إبراهيم عيسى)، نحن أمام انزياح نسبي عن هذه المسلمة.. فلم تعد المعرفة شرطا وحيدا للتأثير، بل أصبحت القدرة على توليد التوتر وإدارة الانتباه، هى العنصر الحاسم.
هل نحن أمام حالة فردية؟.. وإذا كان الأمر كذلك كيف نجحت هذه الحالة أن تستمر وتزدهر؟
لا شك أن (إبراهيم عيسى) جزء من ظاهرة أكثر تعقيدا.. ظاهرة ترتبط بتحول بنيوي في بيئة الإعلام الراهن، لكنها لا تنفصل بأي حال عن التراجع الواضح عندنا في نفوذ النخبة العلمية، والصحافة المؤسسية، التي تعمل ككوابح للانفلات، وتلعب دور الحلقة الوسيطة بين الجمهور ومراكز انتاج المعرفة.
إعلاميا، لم نعد نعيش في زمن نقص المعلومات، بل في زمن فائضها، وهنا تظهر المفارقة: المشكلة لم تعد في الإتاحة، بل في الانتباه.
ففي هذا العالم المزدحم، لم يعد بالضرورة من يشرح ويفسر هو من يفوز، ولكن من ينجح في أن يجعلك تتوقف وتلتفت وتنفعل.. هنا يتحول الاستفزاز من مجرد (انحراف مهني) إلى آلية بقاء (عقلانية) داخل سوق تنافسي للسيطرة على الوعي.. وهنا تحديدا يمكن أن نفهم جزءا من سر (إبراهيم عيسى)، فهو لا ينافس من يستطيع الإفهام أكثر، بل من يشعل اللحظة أكثر.
فبدلا من تقديم نسق فكري أو إطار تفسيري متماسك، يقوم الأداء هنا على فكرة تُقتنص بذكاء، ثم يُعاد تأطيرها بحدة خارج سياقها الأصلي، لتُلقى بعدها في ساحة مزدحمة وفضاء صدامي يضمن الانتشار.
الغريب أن هذا الأداء يعمل.. بل يعمل بكفاءة عالية.. وهنا لا يعود السؤال: هل الفكرة عميقة؟، ولكن: هل كانت كافية لتثير رد فعل؟
عند هذه النقطة تحديدا يعمل الاستفزاز كآلية تنافس داخل (سوق انتباه) شديد الازدحام، حيث يصبح توليد التوتر أحد أدوات البقاء، ضمن ما يُعرف في الأدبيات الحديثة باقتصاد (الانتباه) الذي تحول إلى مورد محدود يتنافس عليه الفاعلون داخل المجال العام.
ورغم أن هذا النمط ليس حكرا على السياق المصري، بل توجد أشكال مشابهة له في الإعلام الغربي. إلا أن ثمة فروق بنيوية بين السياقين. فحتي داخل البيئات الغربية، التي تشهد بدورها تحولا نحو منطق الانتباه وتعمل تحت ضغط منصات الاستقطاب، ما تزال هناك مؤسسات إعلامية وأطر تنظيمية قادرة ولو بشكل نسبي على ضبط الإيقاع العام.

لماذا يغير (إبراهيم عيسى) مواقفه؟
بينما نعيش نحن في مساحة أكثر هشاشة، حيث يمكن للصوت العالي أن يبدو أحيانا كأنه الصوت الوحيد، وهو ما يضاعف أثره اللحظي ويُسرّع في الوقت ذاته من كشف محدوديته المعرفية، في متلازمة كاشفة عن حجم التناقض والتوتر البنيوي لهذا النمط.
واحدة من أكثر النقاط التي تُثار حول عيسى أيضا هي قدرته على تغيير مواقفه بمرونة وأريحية. لكن السؤال الذي يلح عليّ هنا ليس: لماذا يغير (إبراهيم عيسى) مواقفه؟، وهل هو نتاج (أرجوحة الولاء) أم مراجعة الأفكار؟، بل عما إذا كان هذا التغيير جزء من اللعبة، أي جزء من إدارة الصورة الذهنية والحضور العام داخل فضاء يتغير جمهوره باستمرار؟
في هذا الإطار، لا تمثل التحولات تناقضا بقدر ما تعكس غالبا (استراتيجية تكيَّف) داخل سوق إعلامي عالي التقلب، حيث تتشكل المواقف أحيانا وفق ديناميكيات التفاعل الجماهيري – حتى ولو كان سلبيا – أكثر من انبثاقها من منظومة فكرية صلبة، لتصبح معها القدرة على (إعادة التموضع) ضرورة لضمان البقاء.
فعيسى لا يخوض معاركه دائما حول مضمون الخطاب، بل حول من يملك حق إنتاج هذا الخطاب وإعادة تعريفه داخل المجال الرمزي العام.. ومن هنا تبدو معاركه أحيانا أكبر من موضوعها بكثير. وكأنها لا تدور حول ما يُقال، بل حول: من يملك أن يقول.
ورغم فاعلية هذا النمط في إيقاظ الأسئلة أو إثارة الجدل، إلا أن شرعيته تصطدم بحدود ما يملكه من معرفة حقيقية؛ إذ إن القدرة العالية على التفكيك لا يقابلها دائما مستوى موازٍ من البناء التفسيري المتماسك، كما أن إعادة التموضع المستمرة واستراتيجية استثمار الأزمات، باتتا تؤثران على (صورته الذهنية)، وخاصة في سياقات تعتمد على الاتساق كجزء من المصداقية.
في النهاية، (إبراهيم عيسى) ليس بالطبع مفكرا بالمعنى الأكاديمي، ولا هو صحفي بالمعنى التقليدي، بل يمكن النظر إليه كفاعل متخصص في إنتاج وإدارة التوتر داخل المجال العام.. أو بمعنى آخر هو تعبير عن لحظة أصبح فيها الانتباه أهم من المعرفة، والصوت أعلى من الفكرة، واللحظة أقوى من السياق.
فاعل تكمن قوته في كسر التابوهات وتحريك السكون، بينما يكمن ضعفه في العجز عن تحويل هذا التحريك إلى معرفة.. نجاحه حقيقي، لكنه ليس بسيطا.. إنه نجاح يقول شيئا مقلقا عنا بقدر ما يقول عنه.. فالنمط الذي يعيش على كسر السقوف، نادرا ما ينجح في بناء سقف يمكن للمعرفة أن تستقر تحته.
ربما لهذا السبب تحديدا، كلما استمع إليه قطاع كبير من الجمهور المصري في السنوات الأخيرة، لا يجد نفسه يسأل: هل ما يقوله صحيح؟، لكنه يسأل: لماذا يبدو هذا النوع من الخطاب هو الأكثر قدرة على الوصول إلينا؟، وهو سؤال يتجاوز الحالة إلى النمط، والفرد إلى البنية.
* كاتب مصري يعمل مديرا لتحرير جريدة (الأهرام)