رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

سمير السيد يكتب: إبراهيم عيسى.. بين حدود المعرفة وإدارة الاستفزاز

سمير السيد يكتب: إبراهيم عيسى.. بين حدود المعرفة وإدارة الاستفزاز
برز نمط جديد في سياق التحول إلى الإعلام الرقمي.. نمط لا يسعى إلى إنتاج المعرفة كغاية

بقلم الكاتب الصحفي: سمير السيد *

في العقد الحالي تحديدا، وفي كل مرة أستمع فيها إلى إبراهيم عيسى تنتابني مشاعر مختلطة: ليس إعجابا خالصا، ولا رفضا كاملا، بل شيء أكثر تعقيدا من ذلك.. مزيج من الانتباه والقلق، كأنك تستمع لصوت يعرف جيدا كيف يوقظك، لكنه لا يخبرك إلى أين يجب أن تذهب بعد أن تستيقظ.

ربما لهذا السبب تحديدا، لا يبدو لي إبراهيم عيسى مجرد إعلامي مثير للجدل أو ذي حضور لافت، بل هو علامة على شيء أعمق يحدث في بنية الإعلام نفسه.

شيء يجعلنا نعيد طرح سؤال قديم بصيغة جديدة:

هل ما زالت الصحافة تُعنى بالفهم.. أم أصبحت تُعنى بإثارة الحاجة إلى الفهم فقط؟

في مراحل تاريخية كانت فيها الصحافة المصرية بشكل جزئي أداة لصناعة المعلومات وتداول الأفكار، برز نمط جديد مع التحول إلى الإعلام الرقمي.

نمط لا يسعى إلى إنتاج المعرفة كغاية، بقدر ما يعمل على إنتاج لحظة الاشتباك الانتقائي معها.. نمط لا يهتم بتفسير العالم، بل يعيد شحنه بطاقة من التوتر، في بيئة إعلامية أكثر سرعة وكثافة.

في وقت ما، كان القارئ يذهب إلى الصحافة أحيانا طلبا للفهم، أو لكونه يشعر بأن هناك من يلتقط تعقيد الواقع ويعيد ترتيبه في صورة قابلة للإدراك.

كان نموذج مثل محمد حسنين هيكل يمنحك قدرا من الثقة.. الثقة في أن العالم رغم تعقيده وتشابكه، قابلا لأن يتحول إلى معنى حتى ولو كان مسيسا.

في هذا النموذج التقليدي، قام مركز الثقل الوظيفي للصحافة على بديهية مفادها أن المعرفة قوة، وأن الصحفي المتمكن هو من يمتلك قدرة تفسيرية تتجاوز آنية الحدث.

لكن في حالة إبراهيم عيسى، نحن أمام انزياح جزئي عن هذه المسلمة.. فلم تعد المعرفة شرطا كافيا للتأثير، بل أصبحت القدرة على توليد الانتباه عنصرا حاسما.

سمير السيد يكتب: إبراهيم عيسى.. بين حدود المعرفة وإدارة الاستفزاز
في حالة (إبراهيم عيسى)، نحن أمام انزياح نسبي عن هذه المسلمة.. فلم تعد المعرفة شرطا وحيدا للتأثير

آلية بقاء عقلانية

في هذا الإطار، يمكن قراءة المحطة الحالية من تجربة إبراهيم عيسى بوصفها أحد أكثر تجليات “صحافة إدارة الانتباه”، ليس كآلية تشغيل فحسب، بل كجزء مما يبدو تحولا أوسع في قواعد إنتاج التأثير داخل الفضاء العام.

هل نحن أمام حالة فردية؟.. وإذا كان الأمر كذلك كيف استطاعت هذه الحالة أن تستمر وتزدهر؟:

لا شك أن نجاح إبراهيم عيسى جزء من ظاهرة أكثر تعقيدا.. ظاهرة لا تستبعد خصائصه المهنية: الأسلوب، الجرأة، وكسر المحرمات، لكنها تذهب في الوقت نفسه إلى ما هو أعمق.

إعلاميا، لم نعد نعيش في زمن نقص المعلومات، بل في زمن فائضها، وهنا تظهر المفارقة: المشكلة لم تعد في الإتاحة، بل في الانتباه.

ففي هذا العالم المزدحم، لم يعد بالضرورة من يشرح ويفسر هو من يفوز، ولكن من ينجح في أن يجعلك تتوقف وتلتفت وتنفعل.. وهنا يتحول الاستفزاز من مجرد انحراف مهني إلى أداة بقاء عقلانية داخل فضاء تنافسي لتوليد الاستجابات العامة.

فبدلا من تقديم نسق فكري أو إطار تفسيري متماسك، يقوم الأداء هنا على فكرة تُقتنص بذكاء. ثم يُعاد تأطيرها بحدة خارج سياقها الأصلي، لتُلقى بعدها في فضاء صدامي يضمن الانتشار.

المفارقة أن هذا الأداء يعمل.. بل يعمل بكفاءة عالية.. ومن ثم لا يعود السؤال: هل الفكرة عميقة؟، بل: هل كانت كافية لتثير رد فعل؟.

عند هذه النقطة تحديدا، يعمل الاستفزاز كآلية تنافس في “سوق انتباه” شديد الازدحام؛ حيث لا يصبح إنتاج التوتر مجرد خيار أسلوبي، بل استجابة مباشرة لمنطق اقتصادي-خوارزمي، يعيد تعريف ما يكتسب مركزية وتأثير في سياق يتنافس فيه الفاعلون على الانتباه بوصفه موردا محدودا.

غير أن الصورة لا تتشكل على نحو واحد دائما.. ففي بيئات تتسم بالكبت والانسداد، يميل خطاب التمرد والصدمة أحيانا إلى التحول إلى سلعة تعويضية قابلة للتداول، حيث لا يعود الجمهور مجرد ضحية يمكن التلاعب بها، بل طرفا فاعلا في إنتاج الطلب على هذا الخطاب.

فالجمهور في سياق اجتماعي وسياسي يُشعره بالعجز، لا يبحث دائما عن “الفهم”، بل عن استعادة الإحساس بالقوة، أو لذة المشاركة الوجدانية في فعل تمرد، فيما يمكن تسميته باقتصاد الطلب على الغضب.. وهنا ينتقل السؤال من: كيف يتم التلاعب بالجمهور؟، إلى: أي جرح جماعي يعالجه هذا النمط الإعلامي؟.

ورغم أن هذا النمط ليس حكرا على السياق المصري، بل توجد أشكال مشابهة له في الإعلام الغربي، إلا أن ثمة فروق بنيوية بين السياقين. فحتى داخل عدد من البيئات الغربية، التي تشهد بدورها تحولا نحو منطق الانتباه وتعمل تحت ضغط منصات الاستقطاب، ما تزال هناك مؤسسات إعلامية وأطر تنظيمية وتقاليد مهنية قادرة ولو بشكل نسبي على ضبط الإيقاع العام.

سمير السيد يكتب: إبراهيم عيسى.. بين حدود المعرفة وإدارة الاستفزاز
أكثر النقاط التي تُثار حول (إبراهيم عيسى) أيضا هى قدرته على تغيير مواقفه بمرونة وأريحية

لماذا يغير إبراهيم عيسى مواقفه؟

بينما نعيش نحن في مساحة أكثر هشاشة، حيث يمكن للصوت العالي أن يبدو أحيانا كأنه الصوت الوحيد، وهو ما يضاعف أثره اللحظي ويُسرّع في الوقت ذاته من انكشاف محدوديته المعرفية.

واحدة من أكثر النقاط إثارة حول إبراهيم عيسى أيضا هي قدرته على تغيير مواقفه بمرونة لافتة.

لكن السؤال الذي يلح عليّ هنا ليس: لماذا يغيّر عيسى مواقفه؟ بل: هل يمثّل هذا التغيير تعبيرا عن مراجعة للأفكار، أم أنه جزء من منطق أوسع لإدارة الصورة الذهنية والحضور العام داخل فضاء يتغير جمهوره باستمرار؟.

لذلك لا تمثل التحولات بالضرورة تناقضا بقدر ما تعكس “استراتيجية تكيّف” داخل سوق إعلامي عالي التقلب، حيث تتشكل المواقف جزئيا وفق ديناميكيات التفاعل الجماهيري حتى ولو كان سلبيا. ومن ثم لا تنبع المواقف دائما من منظومة فكرية صلبة، بل من ضرورة مستمرة لإعادة التموضع، في مسعى لضمان البقاء.

فعيسى لا يخوض معاركه دائما حول جوهر الخطاب، بل حول من يملك حق إنتاجه وإعادة تعريفه داخل المجال العام الرمزي. ولهذا تبدو معاركه أحيانا أكبر من موضوعها بكثير. وكأنها لا تدور حول ما يُقال، بل حول: من يملك أن يقول.

ورغم فاعلية هذا النمط في إيقاظ الأسئلة أو إثارة الجدل، إلا أن شرعيته تقف عند حدود ما يقدمه من معرفة؛ إذ إن القدرة العالية على التفكيك السريع لا يقابلها دائما مستوى موازٍ من البناء التفسيري المتماسك، كما أن إعادة التموضع المستمرة واستراتيجية استثمار الأزمات، تؤثران تدريجيا على “صورته الذهنية”، وخاصة في سياقات تعتمد على الاتساق كجزء من المصداقية.

في النهاية، إبراهيم عيسى ليس بالطبع مفكرا بالمعنى الأكاديمي، ولا هو صحفي بالمعنى التقليدي، بل يمكن النظر إليه كفاعل متخصص في إنتاج وإدارة التوتر داخل المجال العام.

أو بمعنى آخر هو تعبير عن لحظة أصبح فيها الانتباه أهم من المعرفة، والصوت أعلى من الفكرة، واللحظة أقوى من السياق.

فاعل تكمن قوته في كسر التابوهات وتحريك السكون، بينما يكمن ضعفه في العجز عن تحويل هذا التحريك إلى معرفة متماسكة.

نجاحه حقيقي، لكنه ليس بسيطا.

إنه نجاح يقول شيئا مقلقا عنا بقدر ما يقول عنه.

فالنمط الذي يعيش على كسر السقوف، نادرا ما ينجح في بناء سقف يمكن للمعرفة أن تستقر تحته.

ربما لهذا السبب تحديدا، كلما استمع إليه قطاع كبير من الجمهور المصري في السنوات الأخيرة، لا يجد نفسه يسأل: هل ما يقوله صحيح؟.. بل يسأل: لماذا يبدو هذا النوع من الخطاب هو الأكثر قدرة على الوصول إلينا؟.. وهو سؤال يتجاوز الحالة إلى النمط، والفرد إلى البنية.

* كاتب مصري يعمل مديرا لتحرير جريدة (الأهرام)

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.