


بقلم الكاتب والسيناريست: أحمد صبحي
حين نعود إلى أفلام مثل (الزوجة الثانية) و(شيء من الخوف) و(الحرام)، قد يبدو للوهلة الأولى أن الظلم فيها نابع من شخصيات بعينها: عمدة متجبر، أو طاغية يفرض سطوته، أو شخص قاسٍ. لكن في قراءة أعمق تكشف أن الجاني الحقيقي ليس الفرد، بل المجتمع ذاته.. ليس المجتمع بوصفه كيانًا بريئًا وقع عليه الظلم، بل شريكًا أساسيًا فيه، صامتًا، خائفًا، ومتواطئًا أحيانًا.
في فيلم (الحرام)، الذي قدمت بطولته فاتن حمامة، لا تموت البطلة فقط بسبب الفقر أو القهر المباشر، بل تموت تحت وطأة الخوف.. الخوف من الناس.. ذلك الخوف المتجذر من الفضيحة، من نظرات الآخرين، من مجتمع لا يرحم ولا يسأل.
لم يسعَ أحد لمعرفة ما الذي تعرضت له، ولا من تسبب في مأساتها، بل انشغل الجميع بصورة (السمعة).. هنا يتحول المجتمع إلى قاضٍ وجلاد في آن واحد، يفرض أحكامه دون تحقيق، ويقتل ضحيته ببطء عبر العزلة النفسية والاجتماعية فى نفس الوقت.. في هذا السياق، يصبح الصمت جريمة، والتجاهل شراكة ضمنية في القتل.
أما في (شيء من الخوف)، فنجد أن شخصية (عتريس)، رغم جبروتها الظاهري، ليست قوية في ذاتها بقدر ما تستمد قوتها من خوف الآخرين.. القرية بأكملها تملك القدرة العددية والمعنوية على مواجهته، لكنها مشلولة بفعل التردد والخوف الجماعي.
الجميع ينتظر من يبدأ، والجميع يخشى العواقب. وهكذا، يتحول الخوف إلى نظام حكم غير معلن، يمنح الطاغية شرعيته.. لكن لحظة انكسار هذا الخوف، ولو تدريجيًا، تكشف هشاشة السلطة الزائفة، فيسقط عتريس دون مقاومة حقيقية.
الفيلم هنا يطرح فكرة شديدة الوضوح: الطغيان ليس أصل الشر، بل الخوف هو الذي يصنعه ويغذيه.

أكثر قسوة ووضوحًا
وفي (الزوجة الثانية)، تتجلى الصورة بشكل أكثر قسوة ووضوحًا. العمدة، رغم نفوذه، لم يكن ليستطيع فرض إرادته لولا استعداد المجتمع من حوله للانصياع.. لم يكن الأمر مجرد خضوع سلبي، بل مشاركة فعالة: تغيير في القوانين، تحريف في تفسير الدين، وتبرير مستمر للظلم، كل ذلك من أجل إرضاء صاحب السلطة.
المجتمع هنا لا يقف موقف المتفرج، بل يتحول إلى أداة تنفيذ، يضفي الشرعية على القهر، ويجعل من الظلم أمرًا اعتياديًا.. العمدة ليس سوى رأس، لكن الجسد بأكمله خاضع، بل ومتواطئ.
ما يجمع هذه الأعمال الثلاثة ليس فقط وجود شخصية طاغية، بل وجود مجتمع خائف، متردد، يفضل السلامة على المواجهة.. مجتمع لا يسعى إلى نصرة المظلوم، بل يبحث عن الأمان حتى لو كان تحت ظل ظالم.. هذا النمط من المجتمعات لا يُقهر من الخارج بقدر ما يهزم نفسه من الداخل، حين يفقد القدرة على الرفض، وعلى اتخاذ موقف أخلاقي واضح.
تطرح هذه الأفلام فكرة جوهرية تتجاوز زمنها: (أن المجتمع هو من يصنع مصيره. فإما أن يكون مجتمعًا حيًا، وإما أن يكون مجتمعًا خائفًا، يساوم ويبرر، فيسهم في صنع شقائه بيديه.. القوة الحقيقية لا تكمن في عدد الأفراد، بل في قدرتهم على اتخاذ موقف، على كسر دائرة الصمت، وعلى رفض الظلم مهما كانت كلفته).
في النهاية، لا يبدأ الظلم من العمدة، ولا من الطاغية في (الزوجة الثانية)، ولا حتى من الشخص القوي.. بل يبدأ من اللحظة التي يختار فيها المجتمع الصمت.. تلك اللحظة الصغيرة، التي تبدو بلا أثر، هي في الحقيقة الشرارة الأولى لكل ما يليها من قهر وانكسار.. وحين يصمت الجميع، يصبح الظلم هو الصوت الوحيد المسموع.