رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

محمود عطية يكتب: فضائيات (الفسيخ).. انحدار عابر لايمكن التغاضي عنه!

محمود عطية يكتب: فضائيات (الفسيخ).. انحدار عابر لايمكن التغاضي عنه!
ليس هذا مجرد ترفيه رديء ولا حتى فشلا مهنيا عاديا بل هو عدوان صريح على الوعي العام

بقلم المستشار: محمود عطية *

لم يعد ما تبثه بعض فضائيات (الفسيخ) مجرد انحدار عابر يمكن التغاضي عنه بل صار سقوطا مدويا مكتمل الاركان يفضح خواء العقول قبل خواء الشاشات، ويعلن بلا مواربة أن الرداءة لم تعد استثناء بل صارت هي القاعدة التي يبنى عليها المشهد الاعلامي في صورته الاكثر ابتذالا ووقاحة.

حيث يجلس مذيعوا ومذيعات فضائيات (الفسيخ) بلا قدر من الحياء المهني أمام موائد الفسيخ يلوكون  ويطفشون الطعام كما يلوكون الكلمات في عرض مقزز يختلط فيه الغباء بالاستفزاز وكأنهم تعاقدوا على اهانة كل من يشاهدهم دون ادنى شعور بالمسؤولية او الخجل.

ليس هذا مجرد ترفيه رديء ولا حتى فشلا مهنيا عاديا بل هو عدوان صريح على الوعي العام وجريمة مكتملة ضد الذوق والعقل معا، حيث يتم تعمد تسطيح كل شيء وتحويل الشاشة الى مساحة للابتذال الفج الذي لا يحمل معنى ولا يقدم فكرة ولا يثير الا الاشمئزاز.

وكأن القائمين على هذه البرامج قد فقدوا تماما القدرة على التمييز بين ما يليق وما لا يليق او ربما تخلوا عنها طواعية في سبيل دقائق من حضور فارغ لا يسمن ولا يغني من قيمة.

ان مشهد (الفسيخ) المتكرر لم يعد مثيرا للسخرية بقدر ما صار دليلا دامغا على عقم فكري لا حدود له وعلى افلاس مهني يصرخ في وجه كل من لا يزال يملك قدرا من الوعي فليس من المعقول ان تتحول الشاشات الى موائد اكل علني يعاد فيها نفس المشهد بنفس الغباء بنفس الضحكات الثقيلة بنفس التعليقات البلهاء وكأننا امام قطيع مبرمج يعيد الحركة ذاتها دون ادراك او وعي او حتى محاولة خجولة للاختلاف.

محمود عطية يكتب: فضائيات (الفسيخ).. انحدار عابر لايمكن التغاضي عنه!
استعراض فج للامبالاة، وكأنهم يتعمدون البصق في وجه المعاناة اليومية للمواطن

استعراض فج للامبالاة

والأكثر قبحا أن هذا الانحطاط يقدم في وقت يختنق فيه الناس تحت ضغط الحياة وقسوة الواقع حيث يعجز كثيرون عن تأمين أبسط احتياجاتهم، بينما يخرج علينا هؤلاء ليأكلوا امام الكاميرات في استعراض فج للامبالاة، وكأنهم يتعمدون البصق في وجه المعاناة اليومية للمواطن وكأن الرسالة التي يريدون تثبيتها انكم تعانون ونحن نلوك الطعام على الهواء بلا اكتراث ولا احترام.

إن هذه ليست فجوة بين الإعلام والواقع بل هاوية سحيقة سقطت فيها هذه القنوات دون رجعة، حيث لم يعد هناك اي رابط بينها وبين نبض الشارع أو هموم الناس، بل صار هناك احتقار مبطن يتسلل من بين كل كلمة وكل لقمة وكل ضحكة مصطنعة احتقار لعقل المشاهد الذي يفترضون أنه سيبتلع هذا الهراء كما يبتلعون هم (الفسيخ) دون ان يعترض أو حتى يتساءل.

وإذا كان هناك ما هو أكثر إثارة للغضب من هذا المشهد فهو ذلك الأداء البائس الذي يقدمه المذيعون والمذيعات، حيث تتجسد البلادة في أوضح صورها وتتحول خفة الظل الى ثقل دم خانق لا يحتمل، وتصبح النكتة عبئا ثقيلا على السمع والبصر معا فلا طرافة ولا ذكاء ولا حتى حد ادنى من القبول.

بل مجرد محاولات فاشلة تفضح ضحالة المستوى وتكشف ان من يجلسون امام الكاميرات لا يملكون سوى القدرة على ملء الفراغ بالصوت واللقمة.

إن الاستمرار في هذا العبث ليس فقط دليلا على غياب الرقابة بل هو إعلان صريح عن انهيار المعايير بالكامل، حيث لم يعد هناك ما يردع هذا السقوط ولا ما يضع له حدا بل يبدو، وكأن هناك إصرارا على التمادي فيه، وكأن الرداءة هدف في حد ذاته يجب ترسيخه وتكريسه حتى يعتاد عليه الناس ويصبح جزءا من يومهم العادي.

وليس من المبالغة القول أن هذا النوع من المحتوى يمثل إهانة جماعية للمجتمع كله، حيث يتم التعامل مع الجمهور على أنه كتلة من الغفلة يمكن خداعها بأي شيء وتغذيتها باي هراء دون أن يكون لها الحق في محتوى يحترم عقلها أو يلامس واقعها، وهى نظرة بالغة الخطورة تكشف عن عقلية استعلائية مريضة ترى في المشاهد كائنا ادنى لا يستحق سوى هذا القدر من الابتذال.

أما الحديث عن الترفيه في هذا السياق فهو مجرد ذريعة بائسة لا تخفي شيئا من الحقيقة، فالترفيه لا يكون بهذه الفجاجة ولا بهذا القدر من الغباء، بل يحتاج الى موهبة وذكاء وحس إنساني، أما ما نشهده هنا فهو نقيض كل ذلك، هو فراغ متضخم يتنكر في هيئة محتوى وهو ضجيج بلا معنى يتخفى في صورة برنامج.

محمود عطية يكتب: فضائيات (الفسيخ).. انحدار عابر لايمكن التغاضي عنه!
المسؤولية لا يمكن أن تلقى على الافراد وحدهم بل تمتد الى منظومة كاملة سمحت بهذا الانحطاط

إعادة تشكيل وعي كامل

إن اخطر ما في هذه الظاهرة أنها لا تكتفي بالإساءة اللحظية بل تترك أثرا متراكما يلوث الذوق العام ويفسد معايير الحكم على ما يقدم عبر الشاشة، فحين يتكرر القبيح يتحول الى مألوف وحين يفرض الرديء يصبح مقبولا، وهنا تكمن الكارثة الحقيقية حيث يتم إعادة تشكيل وعي كامل على أسس من السطحية والابتذال.

إن المسؤولية لا يمكن أن تلقى على الافراد وحدهم بل تمتد الى منظومة كاملة سمحت بهذا الانحطاط بل ورعته واحتفت به، وكأنها فقدت كل صلة برسالتها الأصلية وتحولت الى ماكينة لانتاج التفاهة دون توقف فلا رؤية ولا هدف، ولا حتى حد ادنى من الاحترام لما ينبغي أن يكون عليه الإعلام.

وفي مواجهة هذا المشهد لا يكفي الاستنكار ولا يجدي الصمت بل لا بد من فضح هذا العبث وتسميته باسمه الحقيقي دون تجميل أو مواربة، فهو ليس ترفيها ولا اختلافا في الأسلوب، بل هو انحدار فج يجب أن يواجه برفض واضح وصريح، لأن السكوت عليه لا يعني الا القبول به وترسيخه.

 الخلاصة يا سادة: فإن ما يعرف بفضائيات (الفسيخ) ليس ظاهرة طريفة ولا حالة عابرة، بل هو وصمة عار على جبين إعلام فقد بوصلته وتخلى عن دوره، وقرر ان يغرق في مستنقع من السخف والابتذال لن يخرج منه إلا إذا حدثت صحوة حقيقية تعيد الاعتبار للعقل، وتضع حدا لهذا الانفلات الذي لم يعد يطاق.

* المحامي بالنقض – منسق ائتلاف مصر فوق الجميع

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.