



بقلم الكاتب والسيناريست: أحمد صبحي
حين تقرأ اسم (رأفت الميهي) على أي أفيش أو تتر فيلم، تجد نفسك أمام حالة فنية تثير الحيرة والتساؤل، فالرجل لا يمكن وضعه بسهولة داخل قالب واحد، ولا يمكن تفسير تجربته من منظور تقليدي. إذا كنت من عشاق السينما وتسعى إلى فهمها بعمق، فستدرك سريعًا أنك أمام عقل مختلف؛ عقل يبدو بسيطًا في ظاهره، لكنه يحمل في داخله تعقيدًا شديدًا، ويتحرك بحرية بين أقصى درجات الجدية وأقصى حدود السخرية.
في بداياته، قدم (رأفت الميهي) أعمالًا ذات طابع ثقيل، تميل إلى التحليل السياسي والإنساني والنفسي، وهو ما جعله يبدو ككاتب جاد بعيد تمامًا عن الكوميديا، فى فيلم (غروب وشروق)، بدأ يكشف عن قدرته الفريدة على تفكيك المجتمع، حيث قدم رؤية عميقة للشخصيات، ومنحها مبرراتها الإنسانية.
وطرح سؤالًا فلسفيًا مهمًا حول العلاقة بين الإنسان والسلطة: هل يسيطر الإنسان على السلطة، أم أن السلطة هي التي تعيد تشكيل وعيه وسلوكه؟
ثم تأتي المفارقة التي تزيد من غموض تجربته، حين نكتشف أنه هو نفسه صانع أفلام مثل (السادة الرجال، وسيداتي آنساتي، وسمك لبن تمر هندي).. هنا يتحول (رأفت الميهي) من مفكر جاد إلى ساخر بارع، يستخدم الكوميديا كأداة لتمرير أفكار شديدة القسوة والعمق. في هذه الأعمال، لا تبدو الضحكة هدفًا في حد ذاتها، بل وسيلة لفتح أبواب التفكير، وكشف تناقضات الواقع، وإبراز عبثية ما نعيشه.
وحين ننظر إلى رحلته السينمائية بشكل أشمل، نكتشف أنه لم يكن مجرد مخرج أو كاتب، بل صاحب مشروع فني متكامل، شق لنفسه فيه طريقًا خاصًا لا يشبهه فيه أحد.. من الأفوكاتو إلى ست الستات وميت فل، تتجلى تلك الروح التي تمزج بين الفانتازيا والواقع، بين السخرية والألم، في صيغة قد تبدو غريبة على المشاهد، لكنها في الحقيقة أكثر صدقًا من الواقع نفسه.

نقطة فارقة في مسيرته
ورغم كل هذه الأعمال، يظل فيلم (للحب قصة أخيرة) نقطة فارقة في مسيرته، لأنه يمثل ذروة خروجه عن المألوف.. في هذا الفيلم، لا يقدم الميهي مجرد حكاية عن جزيرة معزولة يسكنها أشخاص يحملون أوجاعهم في صمت، بل ينسج عالمًا داخليًا شديد الخصوصية، يعكس رؤيته الذاتية للإنسان والحياة.
تبدو الجزيرة وكأنها استعارة عن العزلة الداخلية، وعن الألم الذي لا يراه أحد، وعن الإنسان الذي يعيش محاصرًا داخل ذاته.
ولعل الأهم أن هذا الفيلم يكشف جانبًا شخصيًا من (رأفت الميهي) نفسه؛ فهو ليس مجرد راوٍ للحكايات، بل جزء منها. يظهر كفنان يقف خارج السائد، بعيدًا عن القوالب الجاهزة، يمتلك رؤيته الخاصة وأسلوبه المتفرد في التعبير.. لذلك، حين تشاهد أفلامه، تشعر أنك أمام عالم له قوانينه الخاصة، عالم قد يبدو غريبًا، لكنه يحمل قدرًا كبيرًا من الحقيقة.
أتذكر عرض فيلم (سيداتي آنساتي) في سينما ديانا، حيث لم يكن من السهل الحصول على تذكرة، وكان الجمهور يخرج من القاعة مبتسمًا وضاحكًا، لكنه في الوقت ذاته غارق في التساؤلات. وهذا تحديدًا ما كان يسعى إليه (رأفت الميهي): أن يترك المشاهد في حالة تفكير، أن يدفعه لإعادة النظر فيما شاهده، وأن يجعله يشعر بأن الواقع أكثر غرابة مما يبدو.
هكذا يمكن أن نلخص تجربته: مخرج لا يسعى إلى إرضاء الجمهور بقدر ما يسعى إلى استفزازه فكريًا، وفنان لم يكن يقدم إجابات بقدر ما كان يطرح أسئلة.. لذلك، سيظل (رأفت الميهي) حالة فريدة في السينما المصرية، يصعب تفسيرها أو تكرارها، لأنه ببساطة لم يكن يشبه أحدًا.. ولم يحاول يومًا أن يكون كذلك.