أحمد صبحي يكتب: (الحلم) الذى بدأ من شاشة صغيرة (13).. المخرج (محمد النجار)!


بقلم الكاتب والسيناريست: أحمد صبحي
كانت تلك الكوابيس تطاردني باستمرار، وكأن العالم كله يهمس لي: لقد حذرناك… لكنك اخترت الطريق بنفسك، وعليك الآن أن تتحمل نتيجته، وفي تلك المرحلة قررت أن أمارس هوايتي إلى جانب العمل، فعُدت مرة أخرى للعمل مندوبًا في (دار النشر) إلى أن التقيت المخرج (محمد النجار) يوما ما.
وفي الوقت نفسه طلب مني صديق يدرس في كلية التربية الرياضية أن أعيد صياغة نص (أنشودة الرصاص) للكاتب أمين بكير، ليصبح مناسبًا للعرض داخل الكلية، ومن هناك تعرفت إلى محمد الطوبجي، الذي أصبح فيما بعد مخرجًا مسرحيًا ومذيعًا في قناة ART ثم في قناة الأسرة والطفل.
لكن بدايتي وسطهم في كانت غريبة.. كنت حاضرًا… ومنعزلًا في الوقت نفسه.. ربما لأنني كنت أكبر منهم ببضع سنوات، أو ربما لأن كل ما كنت أقرأه ويحدث داخلي جعلني أرى العالم بطريقة مختلفة عنهم.
كانوا ينطلقون بحماس، مؤمنين أن الحياة ستظل كما هي، بينما كنت أنا قد مررت بمحاولات هزائم صغيرة تركت داخلي أثرًا واضحًا، وجعلت رؤيتي للحياة أكثر تعقيدًا.
وفي تلك الفترة كانت الكتب تواصل تشكيل وعيي بشكل مرهق ومبهر في الوقت نفسه.. قرأت الأفيون لـ مصطفى محمود، ثم أولاد حارتنا، وقلب الليل، وملحمة الحرافيش.. كما قرأت سلسلة أحمد شلبي عن مقارنة الأديان، وهي الكتب التي جعلتني أنظر إلى العالم بطريقة مختلفة تمامًا.

كتاب واحد فقط
ولن أدّعي أنني كنت أفهم كل شيء بشكل كامل، لكنني كنت أحاول. ورغم كل ذلك، كان هناك شيء واحد يخيفني بشدة: ذلك الكتاب الذي نشرته منذ فترة.. لقد أصبح كأنه حلم يتيم.. كتاب واحد فقط.. ثم لا شيء بعده.
لكنني قررت أن أضع كل تلك المخاوف داخل قفص صغير، أغلقه جيدًا، ثم ألقي بالمفتاح في قاع عقلي، وصرت أنظر إلى الأيام وكأنها رحلة بحرية طويلة؛ لا أفكر كثيرًا في النهاية، فقط أواصل التجديف.. إما أن أصل إلى الشاطئ… أو يغرق القارب بي.
ثم جاء موعد عرض المسرحية، وحققت صدى جيدًا داخل الكلية.. وهناك التقيت بـ أمين بكير مؤلف النص الأصلي، وكان إنسانًا لطيفًا جدًا، لكن علاقتنا لم تتعمق، ولم يتكرر اللقاء بعد ذلك، ومع انتهاء التجربة بدأت أشعر برغبة حقيقية في أن أكون جزءًا من أي عمل مسرحي قادم، أيًّا كانت الفرقة أو الإمكانيات، ليس بحثًا عن الشهرة… بل فقط من أجل التواجد داخل هذا العالم.
أصبح لدي عمل يدر دخلًا، ومجموعة من الشباب الذين يحبون المسرح ويحاولون ممارسة الفن كهواية، لكن رغم وجودي المستمر بينهم، لم أشعر يومًا أنني جزء كامل منهم.. كنت أعيش في منطقة أخرى داخليًا.. إلى أن قال لي صديقي الطوبجي يومًا: أنا أسكن بجوار المخرج (محمد النجار)، ويمكنني أن أرتب لنا لقاء إذا كنت ترغب.
ثم أضاف: لكن يجب أن تكون مستعدًا.. ويكون معك نص أو معالجة يستطيع قراءتها.. وهنا ظهرت المشكلة.. لم يكن لدي شيء جاهز.. كنت أقرأ فقط.. وأفكر.. وأحاول أن أفهم العالم.. لكن فكرة أن أجلس مع المخرج (محمد النجار) كانت مغرية إلى حد خطير، وكأن بابًا جديدًا بدأ يُفتح أمامي.. باب قد يغير كل شيء.
كان اللقاء المرتقب يقترب.. بينما كنت أنا غارقًا في الحيرة.. لا أعرف ماذا يجب أن أقدم، ولا كيف يمكن أن أبدو شخصًا يستحق الفرصة.. بدأ الشك يتسلل إليّ من جديد، خصوصًا وأنا أبحث داخل عقلي عن فكرة مختلفة، أو نص يترك أثرًا، أو حتى جملة واحدة قادرة على أن تثير الانتباه.
وفجأة أصبحت غير راضٍ عن كل شيء فيّ شكلي.. ملابسي.. طريقتي.. حتى صوتي بدا لي غير مناسب.. ووقفت أمام نفسي أسألها للمرة الأولى بصدق مرعب:

المخرج (محمد النجار)
هل كان كل هذا وهمًا؟.. هل كنت أرى في نفسي شيئًا غير موجود أصلًا؟.. وكان عليّ أن أهدأ قليلًا، وأن أفكر بعقل أكثر تنظيمًا.. إذا كنت سأقابل المخرج (محمد النجار)، فمن الطبيعي أن أعرفه أولًا كمخرج، لا كاسم فقط… لذلك بدأت أشاهد أعماله التي لم أكن قد شاهدتها من قبل، مثل الصرخة، والهجامة، وزمن حاتم زهران.
لكن أكثر ما لفت انتباهي في رحلته لم يكن أفلامه وحدها، بل أنه عمل مساعدًا لعدد كبير من المخرجين الكبار، وشارك في أفلام لم أكن أتخيل أنه كان جزءًا منها، مثل ملف في الآداب وبلاغ ضد امرأة وغيرهما من الأعمال التي كانت تمثل جزءًا من وعينا السينمائي.
وهنا ازداد خوفي.. أدركت أنني لا أملك قصة أراها مناسبة له فعلًا، وفي الوقت نفسه كنت أتمنى فقط أن أجلس معه للحظات.. أن أتحدث إليه.. أن أشرح له من أكون.. لكن الحقيقة كانت أكثر قسوة.. هو لن يمنح وقته لشخص يريد أن يشرح نفسه بالكلام.
عليه أن يراك على الورق أولًا.. وكان عليّ أن أثبت أنني مختلف.. لا أن أقول ذلك، وبدأ الأمر يبدو أكثر صعوبة.. ثم فكرت: لماذا لا أكتب معالجة بسيطة؟
وبالفعل بدأت كتابة معالجة بعنوان (قلبى لن يموت )، وهى قصة حب أسطورية عن أميرة من زمن قديم تُجبر على التضحية بكل شيء من أجل الحب، ثم تموت، بينما تظل روحها معلقة بين السماء والأرض في انتظار زمن آخر يتحقق فيه الحب الذي حُرمت منه.
بدت الفكرة بالنسبة لي براقة ومليئة بالمشاعر.. لكن ما حدث بعد ذلك كان مهمًا للغاية، رغم أنه كان صادمًا.. لم يتم اللقاء.. طلب فقط أن تصله المعالجة ليقرأها.. وهنا ارتكبت خطئي الحقيقي.
كان لدي هاجس غريب بأن عليّ أن أشرح كل شيء، وأن أكتب المعالجة بطريقة تبهره بي أنا، لا بالفكرة نفسها.. لم أكن أفهم جيدًا وقتها معنى (المعالجة السينمائية) ولا كيف تُكتب باحتراف.. لذلك كتبت بشغف زائد.. شرحت كثيرًا.. وتحدثت أكثر مما يجب.

ولم يحدث اللقاء
كنت أشحن الورق بكل مشاعري، وكأنني أحاول أن أضع نفسي كاملة داخل الصفحات.. ثم وضعت الأوراق داخل ملف أنيق جدًا، وسلمته إلى محمد الطوبجي ليعطيه إلى (محمد النجار)، وجاء الرد بسيطًا ومربكًا في الوقت نفسه: الفكرة جيدة.. لكن.. ولم يحدث اللقاء.
اليوم فقط أفهم السبب الحقيقي.. لم تكن المعالجة مكتوبة بالشكل الصحيح، ولم تكن احترافية بما يكفي لتجعل القارئ ينتمي إلى الحكاية نفسها. كنت أحاول أن أُظهر موهبتي أكثر مما أحاول أن أروي القصة.. كنت أبحث عن إثبات ذاتي.. لا عن تقديم مشروع حقيقي.
ولهذا اختلط الأمر عليّ بين الرغبة في إثبات أنني موهوب، وبين استغلال فرصة ربما كانت قادرة على تغيير حياتي بالكامل.. لكنني تعلمت من تلك التجربة شيئًا شديد الأهمية: رفض السيناريو لا يعني دائمًا أن الفكرة سيئة.. أحيانًا تكون المشكلة فقط في طريقة تقديمها، ورغم عدم حدوث اللقاء، ورغم الإحباط، قررت أن أكمل الفيلم حتى النهاية.
كنت أكتب بعناد شديد، وكأنني أحاول أن أقول للعالم إن لديّ موهبة حقيقية تستحق أن تُرى، وحين انتهيت من الكتابة فوجئت بأن عدد المشاهد تجاوز مئة وخمسين مشهدًا، وهو عدد ضخم جدًا بالنسبة لفيلم سينمائي، لكن رغم كل شيء، منحتني تلك التجربة يقينًا مهمًا: أن لدي القدرة على الاستمرار.
ومع ذلك كنت أعرف أنني بحاجة إلى خطوة جديدة، ورؤية مختلفة، وفرصة أخرى أستطيع من خلالها أن أعلن عن نفسي بشكل حقيقي، لكن الحياة بدأت تصبح أكثر تعقيدًا.. ففي تلك الفترة جلس معي والدي وأكد لي بهدوء أن الوقت قد حان لأن يكون لديّ اتجاه آخر في الحياة.. قال إن المحاولة ليست خطأ، وإنه لا يرفض حلمي، لكن لا بد من عمل حقيقي يضمن المستقبل ويوفر دخلًا ثابتًا.
ثم أخبرني أنه وجد لي فرصة عمل داخل إحدى المؤسسات الحكومية، وهنا وقفت من جديد أمام السؤال نفسه: هل أقبل؟.. أم أرفض؟.. هل أستمر في مطاردة حلم يبدو بعيدًا وغامضًا؟..أم أتوقف قبل أن يبتلعني الطريق؟.. كانت الحيرة أكبر من قدرتي على الاحتمال، وكان الخوف من المستقبل يجلس داخلي كظل ثقيل لا يرحل.