رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

محمود حسونة يكتب: (ترامب) والإعلام .. بلوغ الغرور منتهاه تهديد للحقيقة

محمود حسونة يكتب: (ترامب) والإعلام .. بلوغ الغرور منتهاه تهديد للحقيقة
الأمر لا يقتصر على دول العالم الثالث ولكن يمتد إلى الدول الغربية التي توهم العالم بأنها راعية الحرية والديمقراطية

بقلم الكاتب الصحفي: محمود حسونة

أمريكا ليست قلعة الحرية كما يدعون، والدليل موقف عدد من رؤسائها من حرية الصحافة وآخرهم (ترامب)، فالإجراء الذي اتخذه ترامب ضد مراسلي بعض محطات تليفزيونية ووسائل إعلامية كبرى يؤكد أن حريات الصحافة والرأي والتعبير مهددة من غرور الكبار وضيق صدورهم ممن يرفض السير في ركبهم,

بعد أن اتسعت مساحة الأكاذيب السياسية، ومهددة بعد انحسار تأثيرها في ظل سطوة إعلام السوشيال ميديا والذكاء الاصطناعي، ومهددة بعد انصراف المعلنين وانعدام ثقة الممولين لها.

(حرية الصحافة، وحرية التعبير، احترام الرأي والرأي الآخر)، عناوين عريضة طالما تشدق بها مسؤولون يحاولون إيهام الرأي العام بأنهم حراس الحرية في أزمنة وبيئات مختلفة.

موقف رؤساء دول العالم الثالث والأنظمة الشمولية من حرية التعبير معروفة للجميع، وأكثرهم لا ينكرون أنهم لا يحتملون مساحة الحرية التي تكفل للإعلام مراقبتهم وانتقادهم وكشف خطاياهم.

الأمر لا يقتصر على دول العالم الثالث ولكن يمتد إلى الدول الغربية التي توهم العالم بأنها راعية الحرية وناشرة الديمقراطية، وفي مقدمة هذه الدول الولايات المتحدة التي لم يسلم العديد من إعلامييها من سخرية رئيسها (ترامب)، والذي يصل به الأمر أحياناً إلى سب وتوجيه اتهامات مسيئة إلى بعض الإعلاميين على الهواء مباشرة في مؤتمراته الصحفية المتكررة وفي اليوم الواحد أحياناً عدة مرات.

محمود حسونة يكتب: (ترامب) والإعلام .. بلوغ الغرور منتهاه تهديد للحقيقة محمود حسونة يكتب: (ترامب) والإعلام .. بلوغ الغرور منتهاه تهديد للحقيقة

محمود حسونة يكتب: (ترامب) والإعلام .. بلوغ الغرور منتهاه تهديد للحقيقة
الوسائل التي حظرها ترامب

حروب هدفها الإبادة والتخريب

ليس صحيحاً أن صدور الكبار تتسع لكلمات النقد، فقد وصل غرور بعضهم إلى حد الإيمان المطلق بأنهم لا يخطؤون وأنهم فوق النقد، وأن من يوجّه إليهم انتقاداً ليس سوى عدو حاقد وإعلامي فاشل يريد لفت الأنظار إليه، رغم أن بعضهم يتجاوز كونه مصدر تهديد لدولته أو شعبه ليصبح مصدر تهديد للكوكب بكل ما فيه من دول وشعوب وبحار ومضائق وفضاء بما يصنعه من حروب هدفها الإبادة والتخريب والتدمير.

ولننظر إلى حال كوكبنا وحال ملياراته البشرية الذين يعانون بسبب حروب تدار عن بعد وعن قرب ولا تترك دولة على حالها، ومع ذلك لا يقبلون أن يقول لهم أحد (كفى!).

لم يكن قرار ( ترامب) بحظر شبكات إخبارية كبرى مثل  CNN، وMS NOW، وموقع Politico من دخول البيت الأبيض وإلغاء تصاريح مراسليها مجرد إجراء إداري عابر؛ إنه يمثل تجسيداً حياً لأزمة أعمق تضرب العلاقة التاريخية بين السلطة الرابعة والأنظمة السياسية الحاكمة.

هذا التصعيد يثير تساؤلاً: هل شارف زمن حرية الصحافة على الانتهاء، أم أننا نشهد ضيقاً تاريخياً في هوامش حريتها؟ وبأي أدوات تواجه الصحافة هذا التضييق في عصر الثورة التكنولوجية والذكاء الاصطناعي؟

الإجابة الأكثر واقعية هى أن زمن حرية الصحافة لم ينتهِ، بل إن هوامشها هي التي تضيق وتتعرض لضغوط غير مسبوقة؛ وسعي المنظومات الحاكمة لتطويق الإعلام ليس ظاهرة جديدة، لكنه اليوم يتخذ شكلاً أكثر علانية وشراسة.

ربما ما يحدث حالياً هو محاولة لإعادة صياغة شروط اللعبة السياسية، حيث تسعى السلطة التنفيذية إلى تحويل أدوات الإعلام من (رقيب) على تصرفاتها إلى (مرآة) تخدم روايتها الفردية وأداة ترويج لها ولسياساتها بصرف النظر عن مساحة التهور فيها.

(ترامب) ليس أول رئيس أمريكي يدخل في صدام مع الصحافة، وإن كان أسلوبه هو الأكثر صخباً وفجاجة؛ وبالعودة إلى التاريخ، نجد أن الرئيس جون آدامز مرر (قوانين التحريض) عام 1798 لسجن الصحفيين المعارضين، وخلال الحرب العالمية الأولى، ضيّق الرئيس وودرو ويلسون الخناق على الصحافة بقانون التجسس؛ حتى الرئيس ريتشارد نيكسون أدرج صحفيين في “قائمة الأعداء” السرية وحاول منع نشر (وثائق البنتاغون).

محمود حسونة يكتب: (ترامب) والإعلام .. بلوغ الغرور منتهاه تهديد للحقيقة
(نيكسون) دفع ثمن موقفه من الصحافة التي فضحته وأجبرته على الخروج من البيت الأبيض

لن تستطيع الصحافة خلخلة عرشه

(نيكسون) دفع ثمن موقفه من الصحافة التي فضحته وأجبرته على الخروج من البيت الأبيض بعد أن تحولت المعلومات التي كشفتها إلى قضية سياسية وقانونية ودستورية هزت مؤسسات الحكم الأمريكية، أما (ترامب)، فلن تستطيع الصحافة وحدها خلخلة عرشه، ولا تقتصر المخاوف على الولايات المتحدة.

منظمة مراسلون بلا حدود قالت في مؤشر حرية الصحافة لعام 2026 إن حرية الصحافة وصلت عالمياً إلى أدنى مستوياتها خلال 25 عاماً، وإن التراجع القانوني أصبح من أبرز مظاهر الأزمة، مع توسع استخدام قوانين الأمن القومي وغيرها من الأدوات القانونية لتقييد العمل الصحفي حتى في دول ديمقراطية.

وفي إسرائيل، تبرز قضية أخرى شديدة الدلالة، فقد وثقت مؤسسات أوروبية قيوداً على وصول الصحفيين الدوليين إلى غزة، إلى جانب استشهاد 262 صحفياً فلسطينياً خلال الحرب على غزة؛ كما شهدت إسرائيل نفسها خلال سبتمبر الجاري تهديدات وتشريعات مقترحة من حكومة بنيامين نتنياهو ضد من تعتبرهم مسيئين إلى الجنود الإسرائيليين، في أعقاب الجدل حول فيلم (نازا) الوثائقي الإسرائيلي الذي يفضح ممارسات الجيش في غزة.

في بريطانيا، على سبيل المثال، أظهر بحث حكومي صدر في يوليو 2026 أن قرابة ثلاثة أرباع الصحفيين الذين شملهم الاستطلاع تعرضوا للتحرش أو الإساءة أو التهديد أو الترهيب القانوني بسبب عملهم٠

رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان يُوصف بأنه (مهندس القضاء على الإعلام المستقل) في الاتحاد الأوروبي، حيث نجح تدريجياً في تحويل المشهد الإعلامي إلى منظومة شبه مؤممة عبر تكتلات مالية تابعة للحزب الحاكم، وفي الأرجنتين، يشن الرئيس خافيير مايلي هجمات مستمرة على الصحافة التقليدية ويغلق وكالات أنباء رسمية واصفاً الصحفيين بـ (المرتزقة).

هؤلاء لا يدركون أن الصحيفة لم تعد وحدها، والتلفزيون لم يعد وحده، والصحفي لم يعد مضطراً إلى انتظار الصفحة الأولى أو نشرة الأخبار حتى يصل صوته إلى الناس. هناك الهاتف، والمنصات الرقمية، والبودكاست، والمواقع المستقلة، وشبكات التواصل الاجتماعي، والذكاء الاصطناعي.

ولذلك فإن إخراس مؤسسات إعلامية لا يعني بالضرورة إخراس الحقيقة، ولكن الخطر أن الإعلام التقني الجديد لا يشغله البحث عن الحقيقة والنطق بها بقدر ما يشغله السعي وراء التريند، ولأجله يستطيع أن يجعل الكذب أسرع من الحقيقة، وأن يمنح التضليل قدرة على الانتشار لم تكن متاحة من قبل.

محمود حسونة يكتب: (ترامب) والإعلام .. بلوغ الغرور منتهاه تهديد للحقيقة
لا يجوز أن تصبح الحقيقة ملكاً للسلطة، ولا أن يصبح الوصول إليها امتيازاً تمنحه السلطة لمن يصفق لها

التمييز بين الحقائق والأكاذيب

ولهذا لم تعد المعركة فقط بين سلطة تريد السيطرة على الرواية وصحافة تريد كشفها، وإنما أصبحت أيضاً بين الحقيقة والمعلومة المضللة، وبين الصحافة المهنية وملايين الأصوات التي تستطيع إنتاج ونشر المحتوى في اللحظة نفسها، والأنظمة التي تحارب الصحافة الحرة لا تدرك أن غيابها يجر العالم إلى ظلام دامس لا يستطيع الناس فيه التمييز بين الحقائق والأكاذيب.

وتكون النتيجة فقدان الجميع الثقة في الجميع، فالتكنولوجيا تستطيع أن تحرر الصحافة، لكنها تستطيع أيضاً أن تغرق الحقيقة في بحر من الضجيج.

 لهذا فإن مستقبل حرية الصحافة في الغرب لن يتحدد فقط بما يفعله (ترامب) أو نتنياهو أو أي رئيس آخر، وإنما بقدرة المؤسسات الديمقراطية والمحاكم والصحفيين والجمهور نفسه على الدفاع عن مبدأ بسيط: لا يجوز أن تصبح الحقيقة ملكاً للسلطة، ولا أن يصبح الوصول إليها امتيازاً تمنحه السلطة لمن يصفق لها.

السلطة تتغير، والرؤساء يرحلون، والحكومات تسقط، لكن إذا سقطت حرية الصحافة معها فإن الشعوب لا تفقد فقط حقها في معرفة الحقيقة.. بل تفقد قدرتها على اكتشاف الزيف والخداع والتضليل.

👀 Views: …

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.