
بقلم الباحث السياسي العراقي: علاء القيسي
لم ننتخبها، ولم نوقع على دستورها، ولم نقف في طابور للحصول على جنسيتها، ومع ذلك نحن جميعاً مواطنون فيها.. إنها (جمهورية الفضائيات)، الدولة الأكبر في عالمنا العربي، دولة بلا حدود جغرافية، بلا وزارة داخلية، بلا ميزانية معلنة، لكنها تحكم.
قبل عقدين، كان للبيت باب واحد وللدولة تلفزيون واحد.. كنا نعرف متى تبدأ النشرة ومتى تنتهي. اليوم، البيت بلا أبواب. السقف مثقوب بصحون لاقطة، وكل غرفة أصبحت سفارة لدولة أخرى.. في الصالة سفارة لقطر، في المطبخ سفارة للسعودية، في غرفة النوم سفارة لإيران وتركيا ودبي ولندن.. لقد انتقلنا من احتكار الدولة للصورة إلى احتكار الصورة للدولة.
في الجمهورية القديمة، كان المواطن يذهب إلى صندوق الاقتراع.. في (جمهورية الفضائيات)، صندوق الاقتراع يأتي إليه.. اسمه الريموت كونترول.. بزر واحد يمنح الشرعية، وبزر آخر يسحبها.
مواطن (جمهورية الفضائيات) لا يُطالب بأن يفكر، بل بأن يتفاعل.. لا يُراد منه أن يفهم، بل أن يغضب. هو ليس قارئاً، هو متفرج.. ليس شريكاً في القرار، بل شاهد على جريمة تُرتكب باسمه كل مساء، لقد تعلم المواطن العربي في هذه الجمهورية أن كل شيء عاجل، وكل خبر عاجل، وكل تحليل عاجل، حتى صار العقل نفسه مؤجلاً.

من يحكم الجمهورية؟
لهذه الجمهورية ثلاثة أنواع من الرؤساء: الرئيس الممول: شيخ أو حزب أو رجل أعمال اشترى كاميرا واعتقد أنه اشترى الحقيقة. لا يظهر في الصورة، لكن صورته في كل الصور.. هو الذي يقرر من هو الشهيد ومن هو الإرهابي، ومن هو الخبير ومن هو الخائن، حسب مزاج التمويل.
الرئيس المحرر: شاب يجلس في غرفة أخبار باردة، يختار عنواناً من ثمان كلمات ليختصر تاريخ بلد كامل. يملك سلطة لم يملكها وزير إعلام في السبعينيات: أن يجعل مظاهرة من عشرة أشخاص ثورة، وثورة من مليون شخص فوضى.
الرئيس الضيف الدائم: ذلك الرجل الذي يظهر كل ليلة على كل القنوات، يحلل كل شيء من أسعار الطماطم إلى الحرب النووية، لا ينام ولا يصمت.. هو برلمان الجمهورية بمفرده.
دستور جمهورية الفضائيات بسيط ومقدس: المادة الأولى: الإثارة قبل الحقيقة.. المادة الثانية: إذا لم يكن هناك انقسام، اصنعه.. المادة الثالثة: الطائفة أصدق من الوطن، والعشيرة أصدق من القانون.. المادة الرابعة: لا تترك المشاهد وحده أبداً.. املأ صمته بضجيج، وفراغه بخوف.
لهذا، في العراق مثلاً، لم نعد نحتاج إلى 100 حزب.. يكفي أن يكون لكل حزب قناة.. القناة هي الحزب، وهى الميليشيا، وهى المحكمة.. المذيع فيها هو الأمين العام، والمراسل هو المتحدث العسكري، والضيف هو المشرع.

فشلت الجمهوريات الحقيقية
لقد نجحت (جمهورية الفضائيات) حيث فشلت الجمهوريات الحقيقية.. فشلت الدولة في توحيدنا، فنجحت الفضائيات في تقسيمنا بجودة HD فشلت المدرسة في تعليمنا، فنجحت الفضائيات في تلقيننا.. كنا نبحث عن من يمثلنا، فوجدنا من يمثل علينا.
أخطر ما في هذه الجمهورية أنها أقنعتنا أننا نختار.. نحن لا نختار، نحن نُختار لنا.. نحن نعتقد أننا نغير القناة، بينما القناة هى التي تغيرنا.. كل قناة تصنع عراقاً على مقاسها، وسوريا على مقاسها، وفلسطين على مقاسها، حتى صار الواقع نفسه مجرد إعادة بث.
كيف نسقط هذه الجمهورية؟: ليس بالصحن اللاقط، فالسماء لم تعد هى المشكلة.. المشكلة في الأرض. الحل ليس أن نغلق التلفاز، بل أن نفتح عقولنا أثناء مشاهدته.. (جمهورية الفضائيات) لن تسقط بقانون، بل بمشاهد متمرد.. مشاهد يعرف أن الخبر ليس مقدساً، وأن المذيع ليس نبياً، وأن العاجل في أغلب الأحيان ليس عاجلاً على الإطلاق، بل هو فقط طريقة لجعلنا ننسى ما كان عاجلاً بالأمس.. نحن بحاجة أن نستعيد الريموت الأصلي: عقولنا.
في النهاية، ليست المشكلة في الفضائيات وحدها، ولا في عدد الشاشات التي تملأ بيوتنا، بل في اللحظة التي نتوقف فيها عن السؤال ونكتفي بالمشاهدة، ونتعامل مع كل ما تقوله الشاشة باعتباره حقيقة نهائية.
(جمهورية الفضائيات) لا تحتاج إلى جيش كي تحكمنا، ولا إلى حدود كي تحاصرنا؛ يكفيها أن تملك انتباهنا، وأن تجعل غضبنا أسرع من تفكيرنا، وانفعالنا أقوى من وعينا، لكن هذه الجمهورية تملك نقطة ضعف واحدة: المشاهد نفسه.
فحين يسأل قبل أن يصدق، ويفكر قبل أن ينفعل، ويبحث عن أكثر من رواية قبل أن يصدر حكمه، تبدأ سلطة الشاشة في التراجع، ربما لا نستطيع تغيير كل ما يُبث، ولا نستطيع إغلاق كل الأقمار الصناعية، لكننا نستطيع أن نغيّر الطريقة التي نستقبل بها ما يُبث، وهنا تبدأ المعركة الحقيقية.. أن نستعيد الريموت الذي سُرق منا دون أن نشعر.. ريموت عقولنا!