صيف الزرقاء المسرحي 24.. الأردن يفتح الستارة على ليالي الفن العربي


كتب: حسام عطية
في مدينة الزرقاء، حيث يختلط عبق المكان بحكايات الفن، لم تكن ليلة السبت مجرد موعد لرفع الستار، وإنما كانت إعلانًا جديدًا بأن المسرح العربي ما زال قادرًا على جمع المبدعين تحت سقف واحد.
وعلى خشبة مسرح الملك عبدالله الثاني الثقافي، وبمشاركة فرقة (مسايا للثقافة والفنون) التي قدمت فقرات غنائية لاقت إعجاب الحضور، أعلن وزير الثقافة الأردني مصطفى الرواشدة انطلاق فعاليات مهرجان صيف الزرقاء المسرحي العربي في دورته الرابعة والعشرين لعام 2026، والذي تتواصل فعالياته من 12 إلى 18 سبتمبر الجاري، بتنظيم فرقة الزرقاء للفنون المسرحية ودعم وزارة الثقافة ونقابة الفنانين الأردنيين وأمانة عمان الكبرى ومهرجان جرش للثقافة والفنون.
منذ أكثر من عقدين، والمهرجان يواصل رحلته، مؤكدًا أن المسرح ليس مجرد عرض ينتهي بإسدال الستار، وإنما مساحة لصناعة الوعي وتوثيق حكايات الإنسان والمكان.
وفي كلمته خلال الافتتاح، رحب وزير الثقافة بالحضور الأردني والضيوف العرب، مؤكدًا أهمية المسرح في تعزيز الوعي والمعرفة وترسيخ الهوية الوطنية، كما أشاد باستمرار المهرجان على مدار أربعة وعشرين عامًا، استعدادًا للاحتفال في دورته المقبلة باليوبيل الفضي.
وقال الرواشدة إن المسرح يظل من أكثر الفنون قدرة على توثيق السردية الأردنية بما تحمله من حكايات الأرض والإنسان، معتبرًا أن (أبو الفنون) يمثل إحدى أهم الصناعات الثقافية والإبداعية التي توليها الوزارة اهتمامًا كبيرًا.

جواد الأسدي.. شخصية المهرجان
ولأن المهرجانات لا تكتمل من دون الاحتفاء بمن صنعوا تاريخ المسرح، شهد حفل الافتتاح تكريم المخرج العراقي الدكتور جواد الأسدي باعتباره شخصية المهرجان، إلى جانب تكريم المنتج الأردني عصام حجاوي، وعدد من أعضاء لجان المشاهدة والتحكيم.
وأدارت حفل الافتتاح الإعلامية رشا عصفور، بحضور نقيب الفنانين الأردنيين الدكتور هاني الجراح، ورئيسة اللجنة العليا للمهرجان الفنانة عبير عيسى، ومدير ثقافة الزرقاء محمد الزعبي، ومدير المهرجان الفنان خالد المسلماني، كما شهد الحفل عرض فيلم وثائقي عن مسيرة المهرجان والعروض الأردنية والعربية المشاركة، إلى جانب فيلمين عن مسيرة الشخصيات المكرمة.
رئيسة اللجنة العليا للمهرجان الفنانة عبير عيسى رحبت بالحضور، ووجهت الشكر لوزير الثقافة على دعمه للحركة المسرحية والفنية، مؤكدة أن اللجنة تعمل على إنجاح المسيرة المسرحية في المملكة ومحافظة الزرقاء.
وقالت إن فريق المهرجان يواصل العمل عامًا بعد عام من أجل تقديم دورة تليق بالأردن وبالمسرح، مؤكدة أن الدعم الذي تقدمه الوزارة والنقابة وكل المؤمنين بالمهرجان يمنح القائمين عليه القدرة على الاستمرار، وفي رسالة واضحة، اختصرت عبير عيسى فلسفة المهرجان في كلمات تحمل الكثير من الإصرار: المسرح شغف لا يتوقف، والمهرجان رحلة مستمرة.
المهرجان لا يكتفي بالاحتفال، وإنما يفتح مساحة حقيقية للمنافسة المسرحية العربية، من خلال مجموعة من العروض التي تمثل الأردن وفلسطين وتونس والسعودية والعراق وسلطنة عُمان.
وتشارك الأردن بمسرحية (سراب)، وفلسطين بـ (بضايع)، وتونس بـ (جرس)، والسعودية بـ (حتى يغيب الأمل)، والعراق بـ (أبناء الأرض)، بينما تقدم سلطنة عُمان مسرحية (على قارعة النسيان).
وتتبع العروض جلسات نقدية وتحليلية لمناقشة أبعادها الفنية والدرامية، في محاولة لتحويل المهرجان إلى مساحة للحوار والنقد، وليس مجرد منصة للعروض.
وفي قلب المنافسة العربية، تحضر مصر أيضًا من خلال المخرج عادل حسان، عضو لجنة التحكيم التي يرأسها الفنان السوري زيناتي قدسية، وتضم كذلك الدكتورة نجوى قندقجي من الأردن والفنان أسامة المصري من فلسطين، وتتولى اللجنة تقييم العروض المشاركة واختيار الأعمال الفائزة بجوائز المهرجان، لتصبح المنافسة مساحة تجمع مدارس مسرحية وتجارب عربية مختلفة.
كما يتضمن البرنامج ندوة بعنوان (دور العرض المسرحي في تعزيز القيم الوطنية والعروبية وببعدها الإنساني)، بمشاركة الدكتور مخلد الزيودي، والمخرج عادل حسان، والفنان أسامة المصري، ويديرها الإعلامي رسمي محاسنة.

عصام حجاوي: التكريم للدراما الأردنية
ومن جانبه، عبر المنتج الأردني الكبير عصام حجاوي عن اعتزازه بتكريمه في مهرجان صيف الزرقاء المسرحي 24، مؤكدًا أن قيمة التكريم تكمن في صدوره عن زملاء وأصدقاء يعرفون حجم الطريق الذي قطعه دفاعًا عن الدراما الأردنية.
وأكد حجاوي أن التكريم لا يخصه وحده، وإنما هو تكريم للدراما الأردنية التي منحته الاسم والمكانة والحضور، مشددًا على استمرار الدفاع عنها في مواجهة التحديات.
وقال إن الدراما الأردنية تخوض معركة حقيقية من أجل البقاء واستعادة مكانتها عربيًا، مؤكدًا أن المبدعين لن يستسلموا أو يسمحوا بتهميشها.
وهكذا تبدأ الدورة الرابعة والعشرون من مهرجان صيف الزرقاء المسرحي العربي، وبينما تتنافس العروض على الجوائز، يبقى الرهان الأكبر هو استمرار المسرح نفسه.
فالمهرجان الذي جمع مبدعين عربًا على مدار أكثر من عقدين، يستعد في العام المقبل لبلوغ اليوبيل الفضي، حاملاً معه رسالة تتجاوز خشبة المسرح: أن الفن قادر على حفظ ذاكرة المكان، وصناعة الحوار، وتعزيز الهوية، وفتح الطريق أمام الأجيال الجديدة.
وفي الزرقاء، لا يبدو أن الستارة ستُسدل قريبًا.. فهناك حكاية عمرها 24 عامًا ما زالت تُكتب، وفصل جديد بدأ مع رفع الستار، بينما يظل السؤال الحقيقي: ماذا سيكتب المسرح العربي في الليالي المقبلة؟