وزير الثقافة الأردني مصطفى الرواشدة يعيد (فيصل الزعبي) إلى الضوء!

عمّان: حسام عطية
في زيارة تحمل دلالات إنسانية وفنية، أعاد وزير الثقافة الأردني مصطفى الرواشدة فتح باب التواصل مع المخرج الكبير (فيصل الزعبي)، الذي يرقد على سرير العلاج بعد تعرضه لجلطة أثرت في يده وقدمه، ويواصل رحلة التعافي في مستشفى الاستقلال على نفقته الخاصة.
زيارة (فيصل الزعبي) لم تكن مجرد لفتة إنسانية تجاه فنان مريض، وإنما بدت أقرب إلى استعادة اسم من أسماء الإخراج الأردني الذين تركوا بصمة واضحة في السينما والدراما والتوثيق الثقافي، قبل أن تتراجع أضواؤه خلال السنوات الأخيرة.
وأكد الرواشدة، في تغريدة له عبر منصة (X) عقب الزيارة، أن السينما مثلت لغة بصرية مهمة في حمل خطاب الدولة الثقافي، والترويج لتاريخ الأردن وجمالياته، وتوثيق السردية الأردنية بوصفها حكاية الأرض والإنسان.
(فيصل الزعبي)، ليس مخرجًا تقليديًا؛ فمنذ بداياته اختار الاقتراب من القضايا الشائكة، وطرح الأسئلة التي يفضل البعض تجاهلها، ويأتي فيلمه (جميلة) في مقدمة الأعمال التي تكشف هذه الروح، إذ تناول قضية جرائم الشرف، وقدم من خلالها محاكمة فنية لعقلية الخوف من العار، وكيف يمكن لمفهوم اجتماعي مشوه أن يتحول إلى مبرر للعنف والقتل.
ويروي (فيصل الزعبي) أن الفيلم تعرض لعشرة مقالات نقدية حادة من أشخاص لم يشاهدوه، قبل أن يجد طريقه إلى الخارج، حيث شارك بإنتاج سوري في مهرجانات دولية وحصل على جوائز في سويسرا وواشنطن وتونس.
وتدور أحداث (جميلة) حول صحفية تتلقى رسائل من والد فتاة قُتلت بدعوى المساس بالشرف، فتقرر البحث عن الحقيقة، وتلتقي بأهل القرية وسكانها، لتكتشف أن الفتاة كانت بريئة من الاتهام الذي قاد إلى قتلها.
وكان الزعبي يرى الفيلم باعتباره تعبيرًا عن الوجع والعتب وحب الوطن والغيرة عليه، وليس شكوى منه.

(المتنبي).. محطة فارقة
وإذا كان (جميلة) قد كشف الجانب الجريء في تجربة (فيصل الزعبي)، فإن مسلسل (المتنبي) أكد قدرته على التعامل مع الدراما التاريخية واسعة النطاق.. العمل، عن نص الكاتب ممدوح عدوان، أصبح من أبرز محطات مسيرته، وحصل على جوائز عدة، من بينها جائزة أفضل مسلسل تاريخي لعشر سنوات، وفق سيرته الفنية.
كما أخرج وكتب مسلسل (سر النوار)، إلى جانب (كلاج على الهوى)، وغيرها من الأعمال التي ساهمت في تكريس أسلوبه الخاص، وجعلت تجربته واحدة من التجارب اللافتة في الدراما الأردنية والعربية.
وُلد فيصل الزعبي في إربد عام 1958، وحصل على الماجستير في السينما والتلفزيون من معهد السينما الدولي في موسكو VGIK عام 1993، وعمل مديرًا لمكتب قناة NBN الفضائية، ومستشارًا للدراما في التلفزيون الأردني وعدد من شركات الإنتاج العربية، كما تولى مهام تدريبية وأكاديمية، وأسّس أكاديمية المعرفة للفنون والدراما، وارتبط بأكاديمية (جو آرت) للفنون والإعلام.
ولم يتوقف نشاطه عند الإخراج، بل قدم أفلامًا وثائقية وسينمائية، من بينها (سيرة مبدع، صديقي الكلب، سيرة امرأة، الحب والموت، ديك الأحلام، الحياة أولًا)، كما قدم أعمالًا مسرحية وكتب دراسات ومقالات في علم الجمال السينمائي والسياسة والإعلام.
ومن المشروعات التي ارتبط بها (فيصل الزعبي)، بقوة برنامج (سيرة مبدع) الذي عمل عليه لصالح وزارة الثقافة، وهدف إلى توثيق حياة المبدعين الأردنيين وتحويل تجاربهم إلى أرشيف بصري للأجيال المقبلة، وكان الزعبي يعتبر المشروع مكتبة وطنية توثق أسماء وتجارب ثقافية وفنية مهمة، وهو ما يعكس اهتمامه الدائم بفكرة حفظ الذاكرة الثقافية.
حصل الزعبي على عدد من الجوائز، من بينها جائزة أفضل مخرج عربي من الجامعة العربية في دمشق عام 2008، والجائزة الذهبية عن فيلم (الحياة أولًا) في مهرجان التلفزيون والراديو بتونس عام 2007، إضافة إلى جوائز عن أعماله في مهرجانات القاهرة ودبي وفرنسا، لكن المفارقة أن مخرجًا بهذا الرصيد الفني يجد نفسه اليوم على سرير العلاج، بعيدًا عن دائرة الضوء والعمل.
ومن هنا تأتي أهمية زيارة وزير الثقافة؛ فاستعادة فيصل الزعبي لا ينبغي أن تتوقف عند زيارة مريض، بل يمكن أن تكون بداية لاستعادة تجربة فنية كاملة، فالمبدعون لا يجب أن نتذكرهم فقط عندما يمرضون أو يرحلون، وإنما يجب أن تبقى أعمالهم حاضرة، وتجاربهم موثقة، وأفكارهم متاحة للأجيال الجديدة.
وربما تلخص عبارة الزعبي عن «جميلة» رحلته كلها: (إنه وجع وعتب وألم وحب للوطن وغيرة، وليس شكوى)، وهكذا ظل فيصل الزعبي مخرجًا يضع وجع مجتمعه أمام الكاميرا، حتى عندما كانت الكاميرا تقوده إلى أكثر المناطق حساسية واشتعالًا.