(كان إحساسي صحيح)، (عصام عبد الله).. شهادة ميلاد لرحيل لم يكتمل

بقلم الكاتب والسيناريت: وائل شفيق
في لحظات الوعي القاسية لا يولد الشعر من خيال الشاعر، بل من اعتراف الإنسان بهزيمته أمام يقينه، وهكذا فعل الشاعر (عصام عبد الله) حين كتب (كان إحساسي صحيح)، وغنّاها بصوته المتفرد الفنان علي الحجار، ولحّنها بحرفية بالغة الموسيقار خليل مصطفى.
فلم تخرج أغنية تقليدية عن الخيانة، بل وثيقة وجدانية عن لحظة يدرك فيها المرء أن كل ما أجّله من حسم كان حسمًا في غير محلّه.. أغنية لا تصرخ ولا تشكو، بل توقّع على إقرار ذنب لم يُرتكب: ذنب من صدّق رغم علمه، وأجّل الرحيل رغم إشارات الطريق.
يقول المقطع الأول:
(كان إحساسي صحيح
ورغم ده.. قبلت أواجه شعوري
قبلت أأجل قراري
قبلت أفضل جريح
وكل ده.. لأني كنت في هواكي
ساجن مصيري معاكي
زي الدخان والريح).
من هنا يبدأ الاعتراف الأقسى. البطل ليس ضحية غدر، بل شريك في المصير. يعترف ويبرّر في آن: (وكل ده لأني كنت في هواكي.. ساجن مصيري معاكي)، وهذه هي مأساة الربط بعينها، أن تحبس عمرك وأحلامك داخل وعد تعرف هشاشته (زي الدخان والريح)، ثم تسمي هذا الصبر وفاء.

إشارة لا تخطئها العين
يرسم (عصام عبد الله) صورة من راهن بمصيره على يقين متآكل، وأجّل قرار الرحيل أملًا في معجزة لن تأتي.. وفي جملة (ساجن مصيري معاكي) إشارة لا تخطئها العين إلى ما هو أبعد من علاقة ثنائية، إلى وعد ربط به الإنسان مستقبله، وإلى عهد كبير سلمه روحه.
ويقول المقطع الثاني:
(لعنتي فيّا الظنون
ووقتها قدمت ليكي اعتذاري
أعلنت ليكي انكساري
شكيت أكون مجنون
وبعدها شفتك بعيني وشفته
إحساسي أثبت براءته
وآدي الوفا بيخون).
قبل هذه اللحظة كان البطل يجلد نفسه: (لعنتي فيّا الظنون)، ويقدم (اعتذاري) و(انكساري) دفاعًا عن العهد الذي بينهما، ويشك في عقله كي يبقي على الوعد حيًا.. لكن الرؤية المباشرة تنهي كل جدل: (وبعدها شفتك بعيني وشفته… إحساسي أثبت براءته).
وتصدر الجملة التي تهدم البنيان كله: (وآدي الوفا بيخون).. لم يقل (خنتي الوعد)، بل قال (الوفا) خان.. وهنا ينتقل النص من الخاص إلى العام، من خيانة شخص إلى خيانة قيمة. وحين تُنقَض قيمة الوفاء، حجر الأساس لأي عهد، لم يعد هناك شيء يستحق البقاء من أجله.
ويقول المقطع الأخير:
(دلوقتي لازم أكون وحدي هنا
متفرقيش عن سواكي
كل اللي فيهم ماليكي
نفس الرتوش واللون
أما أنا لابد أبدأ رحيلي
ماعدش بعدك باقيلي
ماعدش شيء مضمون).

(نفس الرتوش واللون)
بعد الصدمة لا يعود الحديث عن (هى) وحدها، بل يصير (متفرقيش عن سواكي) و(كل اللي فيهم ماليكي).. يكتشف البطل أن المشكلة ليست في وجه بعينه، بل في قانون عام يتكرر: (نفس الرتوش واللون).. فالتغيير في الشكل لا يعني تغييرًا في الجوهر، وحين تتكرر الخيبة بالملامح نفسها يموت معنى الاستثناء، ويموت معه سبب التمسك.
لذلك تصدر الكلمة الأخيرة بلا دموع: (لابد أبدأ رحيلي… ماعدش شيء مضمون).. الرحيل هنا لم يعد هروبًا، بل عقيدة بقاء.. الإنسان لا يترك مكانه حين يفقد الحب فقط، بل حين يفقد الضمان على الغد، وحين يدرك أن البقاء صار مقامرة بلا قواعد.
وإذا كانت كلمات (عصام عبد الله) قد كتبت التقرير، فإن خليل مصطفى لحّنه بحس من يعرف أن الحزن الأصيل لا يحتاج ضجيجًا. لحن بطيء ثقيل يشبه خطوات جنازة مهيبة، يخاطب الجرح قبل الأذن.. أما علي الحجار فلم يغنِّ الأغنية، بل شهد عليها.
صوته صوت شاهد عيان يتهدج على (ماعدش شيء مضمون)، وينكسر على (ساجن مصيري معاكي)، محوّلًا النص من كلام يُقرأ إلى وجع يُصدَّق.. ثلاثة صنعوا هذه الشهادة: شاعر جرّد الوجع من زينته، وملحن رسم النهاية بلا ضجيج، ومطرب قرأ النعي بصوت من عاشه.
قد يقرأ المستمع النص على أنه علاقة بين رجل وامرأة، وهذا حقه، لكنني كمتلقٍّ لا يعنيني هذا وحده. ما يمسني حقًا هو أن أستشعر في كل سطر علاقتي أنا بوطن وعدني بالعدالة الاجتماعية، ووعدني باستقلال القرار الوطني، ووعدني بالحريات. ثم رأيت بأم عيني من بيده الأمر وهو يبدل المبادئ ويغير العهود.
رأيت وعودًا تتبدد (زي الدخان والريح)، ورأيت وجوهًا تتبدل لكنها تحتفظ بـ (نفس الرتوش واللون) الذي تحمله شقيقاتها من الأنظمة المحيطة. وحين مات الضمان ومات الاستثناء، لم يعد أمام من ربط مصيره بهذا العهد إلا قرار واحد: قرار الابتعاد والرحيل والاغتراب بحثًا عن يقين جديد وعهد جديد يمكن الوثوق به.
فبقيت (كان إحساسي صحيح) أكثر من أغنية.. بقيت وثيقة وجدانية وسياسية عن لحظة انكسار العهد، وعن الثمن الذي يدفعه من يربط مصيره بوعد ثم يكتشف أن الأصعب من الخيانة هو أن يعرفها منذ البداية.. وهنا فقط يولد الرحيل.. رحيل لم يكتمل حتى بعد 30 عاما من وفاته، لكن شهادة ميلاده قد وُقِّعت.