


بقلم الكاتب الصحفي: محمد حبوشة
لاشك أن هناك تطورًا ملحوظًا في شكل وملامح الدراما الخليجية خلال السنوات الأخيرة، فلم تعد أسيرة القوالب الاجتماعية التقليدية، وإنما أصبحت أكثر جرأة في الاقتراب من المناطق الحساسة، وأكثر انفتاحًا على قضايا كانت، حتى وقت قريب، تبدو شديدة الصعوبة على الشاشة، مثلما جاء في مسلسل (حين لايرانا أحد).
لكن الجرأة وحدها لا تصنع دراما عظيمة، كما أن كثرة المفاجآت لا تعني بالضرورة أننا أمام كتابة متماسكة. فالتطور الحقيقي لأي عمل درامي لا يقاس فقط بقدرته على جذب الجمهور، وإنما بقدرته على طرح الفكرة دون أن يفقد بوصلته الفنية والإنسانية والأخلاقية.
ومن هنا تأتي أهمية مسلسل (حين لا يرانا أحد) الذي يدخل إلى منطقة شديدة الحساسية، هى عالم النصب والاحتيال والسرقة والخداع، ويضع الإنسان أمام سؤال يبدو بسيطًا في ظاهره، لكنه شديد القسوة في جوهره: ماذا يفعل الإنسان عندما يختفي الرقيب؟.. هل يظل متمسكًا بمبادئه لأنه يؤمن بها؟.. أم أن غياب العين التي تراقبه يمنحه فرصة لكشف وجه آخر لا يراه أحد؟
العنوان نفسه ليس مجرد عنوان جذاب، وإنما يبدو كأنه مفتاح فلسفي للعمل كله؛ فـ (حين لا يرانا أحد) ليست فقط لحظة غياب الآخرين، بل لحظة مواجهة الإنسان مع نفسه، عندما لا يعود هناك جمهور، ولا كاميرات، ولا أحكام اجتماعية، ولا خوف من انكشاف الحقيقة على علاتها.
أكثر ما يلفت الانتباه في العمل هو اقترابه من عالم الجريمة من زاوية مختلفة؛ فالمحتال ليس مجرد شخصية شريرة تؤدي دورًا تقليديًا، وإنما شخصية تمتلك قدرًا من الذكاء والقدرة على التخطيط والمراوغة طوال الأحداث المشحونة بالإثارة، كما جاء في أداء (إيمان الحسيني، أريج العطار، عبد الله بيهمن).

نموذج جذاب نتعاطف معه
وهنا يبدأ الاختبار الحقيقي، فالدراما تستطيع أن تجعلنا نفهم المجرم، لكنها لا ينبغي أن تجعلنا نتبنى منطقه، وهناك فارق شاسع بين تفكيك شخصية المحتال ومعرفة دوافعه، وبين تحويله إلى نموذج جذاب نتعاطف معه ونشعر بالإعجاب بقدرته على الإفلات، وهذا الفارق هو أحد أهم الأسئلة التي يطرحها مسلسل (حين لا يرانا أحد)!
فكلما نجحت الشخصية في تنفيذ عملية احتيال، وكلما خرجت من مأزق جديد، يصبح المشاهد في حالة انتظار للحيلة التالية، وقد يجد نفسه، من دون أن يشعر، متورطًا في لعبة الشخصية ومتحمسًا لنجاحها طوال الوقت.
وهنا تصبح الدراما أمام منطقة خطرة: هل نحن نشاهد الجريمة لكي نفهمها ونرفض أسبابها ونتائجها؟ أم أننا نشاهدها لأن طريقة تنفيذها أصبحت ممتعة في حد ذاتها؟.. المشكلة الحقيقية تبدأ عندما يتحول مفهوم (الشطارة) إلى غطاء لغوي وأخلاقي لجريمة النصب والسرقة.
فالسرقة ليست شطارة، والنصب ليس ذكاءً، وخداع الآخرين لا يمكن أن يصبح بطولة لمجرد أن صاحبه أكثر قدرة على التخطيط.. قد يكون المحتال ذكيًا بالفعل، وقد يكون قادرًا على قراءة الناس واستغلال نقاط ضعفهم، لكن الذكاء عندما ينفصل عن الضمير يمكن أن يتحول إلى أداة من الدمار الشامل.
وهنا كان من المهم أن تضع الدراما مسافة واضحة بين الذكاء والجريمة؛ لأن تقديم الشخصية الإجرامية بصورة شديدة الجاذبية قد يؤدي إلى نتيجة عكسية، خصوصًا عندما يصبح الضحية مجرد شخصية ساذجة، بينما يحصل الجاني على كل عناصر التشويق والتعاطف والانتصاركما بدا لنا في أداء الفنانين (جاسم النبهان، محمد العجيمي، خالد أمين).
السؤال إذن: أين الضحية؟.. هذه ليست مسألة تفصيلية، وإنما هي جوهرية في أي دراما تتناول الجريمة. فكل عملية نصب لها إنسان خسر، وكل سرقة لها شخص دفع الثمن، وكل خداع يترك أثرًا نفسيًا واجتماعيًا يتجاوز لحظة اكتشاف الجريمة.
قوة العمل لا تكمن فقط في فكرة الاحتيال، وإنما في الطريقة التي يفسر بها دوافع الشخصيات.. لماذا يصبح الإنسان محتالًا؟.. هل هو الجوع؟ الحاجة؟ الطمع؟ الانتقام؟ الشعور بالظلم؟ الاعتياد على المال السهل؟ أم أن هناك شيئًا أكثر عمقًا داخل الشخصية يدفعها إلى استغلال الآخرين؟
هذه الأسئلة هي التي تمنح العمل ثقله الحقيقي، فالكتابة الجيدة لا تكتفي بأن تقول لنا إن الشخصية شريرة، وإنما تحاول أن تفهم كيف وصلت إلى هذه النقطة، لكنها في الوقت نفسه لا تستخدم فهمها للشخصية باعتباره مبررًا لأفعالها.
وهنا تكمن صعوبة الكتابة؛ أن تقترب من عقل المجرم دون أن تصبح محاميًا عنه، وأن تمنح الشخصية أبعادًا إنسانية دون أن تمنح الجريمة براءة مجانية.

العنوان يفتح بابًا أكبر
(حين لا يرانا أحد) عنوان يحمل دلالة تتجاوز أحداث العمل، فالإنسان في النهاية يعيش بين صورتين: الصورة التي يقدمها للآخرين، والصورة التي تظهر عندما يختفي الجميع.
وقد يكون السؤال الأهم الذي يطرحه العمل: هل نحن أخيار لأننا نؤمن بالخير فعلًا؟ أم لأن هناك دائمًا من يراقبنا؟.. هذا السؤال يجعل المسلسل يتجاوز حكاية النصب والسرقة إلى مساحة أكثر اتساعًا تتعلق بالضمير الإنساني.
فالرقابة الخارجية قد تمنع الإنسان من ارتكاب الخطأ، لكن الرقابة الحقيقية هي تلك الموجودة داخله، وحين يغيب القانون أو المجتمع أو الأسرة أو الخوف من الفضيحة، لا يبقى سوى الإنسان أمام نفسه.
وهنا يصبح العنوان مرآة أكثر منه وصفًا للأحداث.. عندما تصبح الجريمة (لعبة).. من أخطر الأشياء في الدراما التي تتناول الجريمة أن تتحول الجريمة إلى لعبة مسلية، وأن يصبح نجاح المخطط أهم من عواقبه.
الكاميرا هنا في (حين لايرانا أحد) ليست محايدة تمامًا.. طريقة التصوير، والموسيقى، والإضاءة، والمونتاج، وزوايا الكاميرا، وحتى الإيقاع الذي تقدم به عملية الاحتيال، كلها عناصر يمكن أن تجعل المشاهد يشعر بأن ما يراه مغامرة ذكية ومثيرة، أو تجعله يشعر بالخطر الإنساني الكامن وراءها.
ولهذا فإن مسؤولية المخرج لا تقل عن مسؤولية الكاتب، فإذا كانت الصورة تحتفي بالمحتال، والموسيقى تمنحه هالة الانتصار، والمونتاج يحول خطته إلى لعبة عبقرية، بينما تختفي معاناة الضحية في الخلفية، فقد يصبح الشكل أكثر تأثيرًا من الرسالة التي أرادها السيناريو.
وهنا يجب أن نتذكر أن الدراما لا تقول فقط ما تكتبه الشخصيات، وإنما تقول أيضًا ما تجعلنا نشعر به تجاه هذه الشخصيات، ومن نقاط القوة التي يمكن أن يعتمد عليها هذا النوع من الأعمال عنصر المفاجأة، لكن المفاجأة وحدها لا تكفي، فالالتواءات الدرامية يجب أن تكون ناتجة عن منطق الشخصيات والأحداث، لا مجرد وسيلة لإبقاء المشاهد متوترًا.


مناطق أكثر جرأة وعمقًا
المفاجأة الحقيقية هى التي تجعل المشاهد يعود ذهنيًا إلى الأحداث السابقة ويكتشف أن الإجابة كانت موجودة أمامه، لكنه لم ينتبه إليها، أما المفاجأة التي تأتي فقط لتغيير اتجاه الحكاية، فقد تحقق صدمة لحظية، لكنها تفقد تأثيرها بعد انتهاء الحلقة.
ولهذا فإن الرهان الأكبر على (حين لا يرانا أحد) ليس فقط في معرفة من يخدع من، وإنما في معرفة لماذا يفعل كل شخص ما يفعله، وماذا يحدث له بعدما تسقط الأقنعة؟
أهمية العمل، في تقديري، أنه يفتح بابًا يمكن للدراما الخليجية أن تدخل منه إلى مناطق أكثر جرأة وعمقًا.. لكن ينبغي الانتباه إلى أن الجريمة ليست مجرد سرقة أموال، وإنما يمكن أن تكون سرقة ثقة، أو سرقة أمان، أو سرقة حياة كاملة من شخص وثق في الآخر، والاحتيال لا ينتهي بمجرد اكتشاف المحتال، لأن آثاره قد تبقى داخل الضحية سنوات طويلة.
ومن هنا يصبح المطلوب من الدراما ألا تجعلنا مجرد متفرجين على الحيلة، وإنما تجعلنا نفكر في الإنسان الذي يقف خلفها، وفي الإنسان الذي دفع ثمنها، وهذا هو الفارق بين الدراما التي تقدم الجريمة باعتبارها (إثارة)، والدراما التي تستخدم الجريمة لكي تكشف المجتمع والإنسان.
في النهاية، لا تكمن خطورة (حين لا يرانا أحد) في أن يضع أمامنا عالمًا من النصب والسرقة والخداع، فهذه الجرائم موجودة في الواقع قبل أن تصل إلى الشاشة، وإنما تكمن الخطورة في الزاوية التي نختار أن نراها منها.
فحين يصبح المحتال أكثر ذكاءً من ضحاياه، وأكثر جاذبية من ضحاياه، وأكثر قدرة على صناعة الدهشة منهم، تتحول اللعبة تدريجيًا من سؤال عن الجريمة إلى احتفاء بمهارات مرتكبها.. وهنا يجب أن تتوقف الدراما وتسأل نفسها: هل نحن نفكك الجريمة أم نلمّع صورتها؟
لأن أخطر ما يمكن أن تفعله الدراما ليس أن تجعلنا نتعاطف مع شخصية شريرة، وإنما أن تجعلنا نعيد تعريف الشر نفسه؛ فنرى السرقة شطارة، والخداع فهلوة، واستغلال الضعفاء ذكاءً، والإفلات من العقاب انتصارًا.


القيمة الحقيقية للعمل
وهنا يصبح عنوان المسلسل أكثر قسوة من مجرد عنوان: (حين لا يرانا أحد)، فماذا نفعل فعلًا عندما لا يرانا أحد؟.. هل نسرق لأننا نستطيع؟.. هل نخدع لأن الفرصة متاحة؟.. هل نؤذي لأن أحدًا لن يعرف؟.. أم أن هناك عينًا واحدة لا نستطيع الهروب منها مهما طال الزمن.. عين الضمير؟
وربما هنا تكمن القيمة الحقيقية للعمل؛ لأنه لا يضع اللص وحده أمام المرآة، بل يضع المشاهد نفسه أمامها، فالإنسان قد يخدع القانون، وقد يخدع الناس، وقد ينجح في إخفاء جريمته، لكنه لا يستطيع أن يخدع نفسه إلى الأبد.. ومن ثم، فإن أخطر سؤال لا تتركه الحكاية خلفها هو: ماذا يمكن أن نصبح عندما نتأكد أن لا أحد يرانا؟
إذا كانت الإجابة هي أن الإنسان يمكن أن يتحول إلى شخص آخر تمامًا بمجرد غياب الرقيب، فهنا لا تعود القضية قضية لصوص ومحتالين فقط.. وإنما تصبح قضية مجتمع بأكمله، لأن أخطر جريمة ليست تلك التي تُرتكب في الظلام، وإنما تلك التي نجحنا في إقناع أنفسنا بأنها ليست جريمة أصلًا.
وعندما تصبح (الشطارة) اسمًا آخر للحرام، ويصبح اللص هو الشخصية التي نصفق لها، والضحية مجرد ساذج يستحق ما حدث له، فهنا لا يكون السؤال: من سرق من؟
بل يصبح السؤال الأكثر رعبًا: مَن الذي سرق منا قدرتنا على التمييز بين الذكاء والانحراف؟، وهنا تحديدًا: حين لا يرانا أحد، تبدأ الحكاية الحقيقية التي لم تتضمنها أحداث المسلسل.