
بقلم: الباحث السياسي العراقي: علاء القيسي
تعودنا ان نرى الفنان هو الشخص الوحيد الذي يُطلب منه أن يكون وطنياً في إعلام الدولة، وحزبياً في إعلام الأحزاب، لكن لا أحد يسمح له أن يكون فناناً فقط.. بين هذين الإعلامين، ضاع (الفن)، وتحول من رسالة جمال إلى مادة تلميع أو مادة تحريض، وبينهما ضاعت حقيقته؟
1- فن الدولة: أرشيف ومناسبات
إعلام الدولة الرسمي يتعامل مع (الفن) كفقرة بروتوكولية، لا كصناعة وثقافة.. تراه يستدعي الفنان في عيدين فقط: عيد تأسيس الدولة ، ومهرجان رسمي تقيمه وزارة الثقافة، يضعه في الصفوف الخلفية ليصفق فقط ، يلتقط له صورة مع مسؤول، ثم ينساه حتى المناسبة القادمة.
الدراما، المسرح، السينما، التشكيل، الموسيقى.. كلها غائبة، إلا في النشرات الترويجية والخرائط البرامجية، والموجود تقرير سريع مدته دقيقة ونصف فقط يتحدث عن (افتتاح معرض تشكيلي برعاية المعالي) .
إعلام الدولة لا يحارب (الفن)، لكنه يحنطه، يحوله إلى تراث وفولكلور، يخاف من الفن الحي الذي يسأل وينتقد ويوجع ، ويفضل الفن الميت الذي يزين الواجهة ، لهذا هرب الفنان الشاب من شاشة الدولة إلى تيك توك ويوتيوب، لأنه وجد هناك جمهوراً لا يطلب منه موافقة أمنية .

2- فن الأحزاب: الفنان مجند
أما إعلام الأحزاب، فهو أذكى وأخطر ، هو لا يهمش (الفن)، بل يستخدمه.. كل قناة حزبية اليوم لديها (فنانها) و(مطربها) و(شاعرها الشعبي)، لكن مهمة هذا الفنان ليست أن يغني للحب أو للوطن بمعناه الواسع ، بل أن يغني للزعيم، ويمجد المرحلة، ويهاجم خصوم الحزب بأغنية أو قصيدة أو مشهد تمثيلي.
هنا تحول (الفن) من تعبير حر إلى سلاح تعبئة، فالأغنية أصبحت بياناً انتخابيا، والمسلسل أصبح رداً على قناة حزب آخر، والمهرجان الشعري أصبح استعراض حشد.. والأخطر أن إعلام الأحزاب هو من يملك المال الآن ، وهو من ينتج ، وهو من يمول الدراما الرمضانية، وهو أيضاً من يدفع أجور المطربين في الحفلات الجماهيرية .
والنتيجة وجد الفنان نفسه أمام مقايضة قاسية: إما أن تجوع مستقلاً ، أو تشبع مجنداً.. كم من فنان موهوب خسرناه لأنه رفض أن يكون بوقاً، وكم من فنان متوسط صعد لأنه أتقن فن المديح .

3- أين حقيقة الفنان؟
الحقيقة تكمن في أن (الفن) العربي اليوم لا ترويه شاشة الدولة ولا شاشات الأحزاب.. حقيقة الفن موجودة في مسرح صغير يعمل بلا تكييف، وفي ستوديو مونتاج لشاب يصنع فيلماً قصيراً بهاتفه، وفي مرسم لفتاة ترسم الحرب والسلام ولا تجد من يعرض لوحاتها ، وفي أغنية حقيقية يكتبها شاب عن أمه ولا يجد من يمولها لأنها لا تمجد أحداً.. الفنان الحقيقي اليوم هو فنان بلا إعلام، إعلام الدولة يعتبره غير رسمي، وإعلام الأحزاب يعتبره غير مفيد.
الخلاصة: نحتاج إعلاماً فنياً ثالثاً يسأل سؤال وهو من يملك حقيقة (الفن) في العالم العربي؟.. والجواب برأيي أننا بحاجة إلى مساحة ثالثة، لا يسأل الفنان (من معك؟)، بل يسأله (ماذا صنعت؟).. إعلام ينتقد العمل الفني بمهنية، لا يهاجم الفنان لأنه لم يحضر مهرجان الحزب الفلاني.. إعلام يتعامل مع الفن كاقتصاد إبداعي يخلق فرص عمل وسياحة وسمعة للبلد ، وليس كفقرة ترفيهية لسد الفراغ.
(الفن) سيبقى دائماً رديف الدولة وأكبر من الحزب، فهو الذي أعطى للعالم ما يستحق، إعلاماً فنياً بحجم تاريخنا وتراثنا العربي، لا إعلاماً يجعل الفنان يختار بين الصمت والتصفيق.
في النهاية.. من يقتل (الفن) لا يحتاج إلى منعه.. ربما أخطر ما يمكن أن يحدث للفن ليس أن تأتي سلطة وتمنعه، ولا أن يصدر حزب قرارًا بمصادرته؛ فالفن الذي يُمنع يصبح قضية، والذي يُصادر يصبح رمزًا، والذي يُحارب قد يجد طريقًا إلى الناس من تحت الأبواب.
الخطر الحقيقي أن يُسمح للفن بأن يعيش.. ولكن بشروط، أن يُسمح للفنان أن يغني، بشرط ألا يقول ما يزعج، وأن يُسمح له أن يكتب، بشرط ألا يسأل، وأن يُسمح له أن يمثل، بشرط ألا يقترب من المناطق المحظورة.. وأن يُسمح له أن ينتقد، بشرط أن يختار بعناية من ينتقده.
عندها لا يعود هناك سجان واضح، ولا زنزانة يمكن كسرها.. يصبح الفنان هو السجان والسجين في الوقت نفسه، وهنا تموت أخطر الأشياء بهدوء: الدهشة، والجرأة، والخيال، والقدرة على قول الحقيقة.
الدولة التي تريد من الفن أن يصفق لها، والحزب الذي يريد من الفنان أن يهتف باسمه، كلاهما يطلب شيئًا واحدًا وإن اختلفت الشعارات: أن يتوقف (الفن) عن أن يكون حرًا، لكن الفن الذي يخاف من السلطة يفقد صوته، والفن الذي يبيع صوته يفقد روحه.
لذلك، فإن المعركة الحقيقية اليوم ليست على الشاشة، ولا على خشبة المسرح، ولا داخل الاستوديو.. المعركة على السؤال نفسه: هل يملك الفنان صوته، أم أن هناك من يملك حق تشغيله وإغلاقه؟
وإذا خسر الفنان هذا الحق، فلن نكون أمام فن سيئ فقط.. سنكون أمام أخطر شيء يمكن أن يحدث لأي مجتمع: فن جميل في الصورة.. ميت في المعنى.. وحينها، لن نحتاج إلى دفن الفن.. لأنه سيكون قد مات واقفًا، وهو يصفق لمن قتله.