
بقلم المستشار: محمود عطية
من أطرف ما وصل إليه حال الوسط الفني المصري أن يخرج علينا ممثل محدود الحضور، يقول إن أمثاله هم (القوة الناعمة) لمصر، ثم يطالب بحمايتهم من النقد، وكأن مصر حين أنجبت أم كلثوم، وعبد الوهاب، وعبد الحليم، ويوسف وهبي، وفاتن حمامة، ونجيب محفوظ، وأسامة أنور عكاشة، كانت تنتظر هذا الشاب ليشرح لنا معنى القوة الناعمة.
يا سادة: (القوة الناعمة) ليست بادجًا يعلقه الفنان على صدره، ولا مظلة تحميه من الصحافة، ولا تصريح مرور يمنع الجمهور من السؤال.. القوة الناعمة إنجاز وتأثير وموهبة وذاكرة تصنعها الأعمال، لا التصريحات.
ومن يريد أن يعرف معنى (القوة الناعمة)، فليقرأ تاريخ مصر قبل أن يتحدث باسمها.. كانت القاهرة نقطة انطلاق الفن العربي كله تقريبًا، وكانت قبلة للمواهب العربية في السينما والمسرح والغناء والموسيقى والأدب والصحافة.. كان الأشقاء العرب يأتون إلى مصر لأن القاهرة كانت مدرسة وسوقًا ومنصة للانتشار، وكان اسم مصر وحده كافيًا لفتح أبواب عربية واسعة أمام الموهبة.
لم تكن مصر تقول للعرب: نحن قوة ناعمة؛ كانت الأعمال تقول ذلك.. كان الفيلم المصري ينتقل من القاهرة إلى كل بيت عربي، وكانت الأغنية المصرية تُحفظ من المحيط إلى الخليج، وكانت الدراما المصرية موعدًا ينتظره الجمهور، وكان الكاتب والمخرج والممثل والمطرب والملحن أسماء لها قيمة قبل أن تكون لها أسعار.
أما الآن، فقد أصبح علينا أن نسمع خطبًا عن (القوة الناعمة)، بينما نبحث عن الفن فلا نجده إلا بعد عناء.. نحن أمام حالة اضمحلال فني وأدبي لا يجوز تغليفها بورق السوليفان، ولا تجميلها بمؤتمرات العلاقات العامة، ولا أقصد أن مصر خلت من كل موهبة؛ فهذا ظلم للموهوبين الحقيقيين، وإنما أقصد أن المشهد العام فقد كثيرًا من ملامح الصناعة التي كانت تنتج العمالقة.

كان الفنان يصنع القيمة
أين الكتاب؟ أين شعراء القصيدة والأغنية؟ أين كتاب السيناريو؟ أين الملحنون والموسيقيون؟ أين المطرب الذي يحتاج إلى صوت قبل أن يحتاج إلى مؤثرات؟ أين الممثل الذي يدرس الشخصية قبل أن يدرس عدد أصفار أجره؟ أين الدراما التي كانت تجعل العرب ينتظرون الحلقة الجديدة، لا الإعلان الجديد؟
لقد انقلبت المعادلة.. كان الفنان يصنع القيمة، ثم يأتي المال نتيجة لها، فأصبح المال في قطاعات واسعة من المشهد هو الذي يصنع القيمة الوهمية، ثم يبحث عن فنان يملأ الفراغ، أصبح بعض الداخلين إلى الفن يتعاملون معه باعتباره ماكينة صراف آلي مفتوحة: صورة، وشهرة، وإعلان، ومنصة، وملايين، ثم يقال لك: هذا هو الإبداع.
وإذا لم يعجبك المنتج، قيل لك: أنت لا تفهم الفن، وإذا انتقدت الأداء، قيل لك: أنت تسيء (إلى القوة الناعمة).. وإذا سألت عن الموهبة، قيل لك: إنه ترند. وكأن الترند أصبح المعهد العالي للفنون المسرحية، وكأن عدد المتابعين صار شهادة دكتوراه في التمثيل.
بل إن التوريث دخل على الخط في بعض المواقع، حتى أصبح اسم العائلة أحيانًا أقوى من الموهبة. ولم تعد الغرابة في أن يرث الابن مهنة أبيه، وإنما في أن يرث مكانه أيضًا قبل أن يثبت أنه يستحقه.
ثم ظهر ما يسمى غناءً في بعض صوره الجديدة، وهو في الحقيقة مهرجان طويل من الصراخ والتنطيط واستعراض الملابس والحركات والمؤثرات، حتى تكاد تسأل: أين الأغنية؟ فيقال لك: إنها في الطريق مع الإسعاف.
ثم يأتيك من يضع كل ذلك تحت لافتة (القوة الناعمة) المصرية.. أي قوة ناعمة هذه؟ هل الصخب قوة؟ هل الابتذال قوة؟ هل التهريج قوة؟ هل ملايين المشاهدات تستطيع أن تحول الرداءة إلى فن؟ إذا كان الأمر كذلك، فسنكون أمام مدرسة جديدة في النقد عنوانها: كلما زادت الضوضاء زادت الموهبة.
المشكلة أن بعض هؤلاء لا يريدون فقط أن نعتبرهم فنانين، بل يريدون أيضًا أن نمنحهم حصانة وطنية.. فإذا انتقدتهم فأنت تسيء إلى مصر، وإذا كشفت ضعفهم فأنت تحارب الفن، وإذا رفضت ابتذالهم فأنت ضد (القوة الناعمة).. وهذا منطق عجيب.
مصر نفسها ليست ملكًا لأحد حتى يختبئ خلف اسمها كلما واجه سؤالًا صعبًا.. الفنان الذي يحتاج إلى منع النقد عنه ليس قوة ناعمة، وإنما مشروع حصانة، و(القوة الناعمة) الحقيقية لا تحتاج إلى محامٍ يترافع عنها كل صباح.

عمالقة السينما والدراما
أم كلثوم لم تكن تحتاج إلى من يطارد ناقدًا كتب ملاحظة على حفلتها.. عبد الوهاب لم يكن يحتاج إلى شرطي يقف أمام الصحافة.. عمالقة السينما والدراما كانوا يردون على النقد بعمل جديد، لا ببيان عصبي، ولا بحملة على مواقع التواصل.. كان لديهم ما يدافعون به عن أنفسهم: الموهبة.
أما اليوم، فقد أصبح بعض المشاهير يملكون فريقًا لإدارة الصورة أكثر مما يملكون فريقًا لصناعة الفن.. تجد متخصصًا في العلاقات العامة، ومتخصصًا في السوشيال ميديا، ومتخصصًا في صناعة الترند، ثم تسأل عن الكاتب، فيأتيك الصمت من آخر القاعة، وتسأل عن المخرج، فيقال لك: المهم أن النجم موافق. وتسأل عن النص، فيقال لك: سنضبطه أثناء التصوير.
وهكذا يصبح السيناريو ضيفًا ثقيلًا على العمل، بينما الأجر هو البطل الأول. هذه ليست صناعة قوة ناعمة، وإنما صناعة نجومية سريعة الاستهلاك، مزيفة.
والأخطر أن مصر بدأت تفقد موقعها التاريخي كمنصة عربية كبرى لصناعة الفن.. كانت الموهبة العربية تأتي إلى القاهرة لتتعلم وتنتشر، وتصبح جزءًا من المشهد المصري، ثم تعود إلى جمهورها وهى تحمل معها اسم القاهرة.
كان كبار الشعراء والكتاب والمطربين والفنانين العرب يجدون في مصر مساحة لصناعة تاريخهم. اليوم أصبح السؤال أكثر قسوة: ماذا نقدم نحن حتى يأتي الآخرون إلينا؟ وهل يكفي أن نردد أن لدينا قوة ناعمة، بينما المنتج نفسه يعاني من الفقر الإبداعي؟
الحقيقة التي يجب أن تقال بلا مساحيق هى أننا نعيش، في قطاعات واسعة من الفن والأدب، عصر اضمحلال حقيقي. رحل كبار الكتاب، وكبار الملحنين، وكبار المطربين، وكبار المخرجين، وكتاب الدراما، ولم ننجح في صناعة بدائل بالحجم نفسه.
وبعد رحيل أسامة أنور عكاشة، مثلًا، لم يظهر حتى الآن كاتب دراما مصري استطاع أن يحتل المكانة التي جعلت أعماله جزءًا من وجدان الناس لعقود.. وهذا لا يعني أن كل ما بعده سيئ، ولا أن كل ما قبله عباقرة، وإنما يعني أن الفارق في الحجم والتأثير أصبح صارخًا.

مسابقة في الصور والملابس
نحن لا نرى اليوم ذلك السيل من الأعمال التي تصنع لغة وذاكرة وشخصيات تعيش معنا. نرى كثيرًا من الأعمال التي تنتهي بانتهاء موسم العرض، ثم تختفي كأنها فاتورة كهرباء سُددت وانتهى الأمر.
أما الأدب والشعر والموسيقى، فحدث ولا حرج.. حين تصبح الشهرة أهم من الكتابة، يصبح الكاتب موظفًا في مصنع محتوى. وحين يصبح عدد المتابعين أهم من الصوت، يصبح المطرب مجرد مؤثر يحمل ميكروفونًا.. وحين يصبح شكل الفنان أهم من موهبته، يتحول التمثيل إلى مسابقة في الصور والملابس.. وحين يصبح الدولار والريال هو المقياس الأعلى للنجاح، يصبح السؤال عن القيمة الفنية نوعًا من السذاجة.
ومن حق الفنان، إذا كان فنانًا حقيقيًا، أن يحصل على أجر كبير، لكن ليس من حقه أن يطالب الناس باحترام موهبة لم تثبت نفسها.. المال نتيجة محتملة للنجاح، وليس شهادة على الموهبة.
وإذا كان بعضهم يريد أن يسعى وراء المال، فليذهب حيث يشاء، وليطلب ما يشاء، لكن عليه أن يتحمل السؤال البسيط: ماذا قدمت؟.. لا أحد يحاسب الفنان على ثروته، وإنما يحاسبه على فنه حين يضع نفسه في المجال العام.
لذلك فإن الحديث عن الرقابة المهنية يصبح ضروريًا.. نحن لا نريد رقابة تخنق الإبداع، ولا رقابة تحاكم الأفكار لمجرد اختلافها، وإنما نريد ضميرًا مهنيًا وإبداعًا لا يخالف البيئة التي نعيش فيها، ويمنع تحويل الابتذال إلى بطولة، والرداءة إلى مشروع، والسطحية إلى ثقافة.
نريد صناعة تحترم الكاتب والموسيقي والممثل والمشاهد معًا.. نريد أن يعود النص إلى مكانه، وأن تعود الموهبة إلى موقعها، وأن يصبح المنتج الفني قابلًا للمنافسة عربيًا، لا مجرد مشروع لتوزيع الملايين على النجوم.
مصر لا تحتاج إلى أشخاص يحرسون لقب القوة الناعمة، وإنما تحتاج إلى إعادة بناء القوة الناعمة من الصفر.. نحتاج إلى مدارس حقيقية للكتابة والتأليف والتمثيل والإخراج والموسيقى، وإلى منتجين يعرفون أن الاستثمار في الثقافة ليس حفلة علاقات عامة.
نحتاج إلى نقد حر وشجاع؛ لأن النقد هو جهاز المناعة لأي فن. وإذا كان كل نقد إساءة، فمن أين سيعرف الفنان أخطاءه؟ وإذا كان كل فشل مؤامرة، فمن سيحاسب المنتج؟ وإذا كان كل مشهور قوة ناعمة، فمن بقي ليمثل القوة الخشنة؟
إن تحويل كل من يضع قدميه على خشبة أو أمام كاميرا إلى سفير لمصر هو إهانة قبل أن يكون مبالغة؛ لأنه يخفض قيمة الذين صنعوا فعلًا اسم مصر في العالم العربي إلى مستوى من لم يقدم شيئًا سوى أنه ظهر.

نحتاج إلى أغنية تعيش
مصر ليست في حاجة إلى أن تمنح لقب القوة الناعمة لمن يطالب بحمايته من النقد.. مصر تحتاج إلى فن يجعل العربي يبحث عنه من تلقاء نفسه.. تحتاج إلى أغنية تعيش، لا إلى أغنية تفرقع أسبوعًا.. تحتاج إلى مسلسل يترك أثرًا، لا إلى مسلسل يترك إعلانًا.. تحتاج إلى ممثل تتذكر شخصيته، لا قيمة أجره.
تحتاج إلى كاتب يجعلنا نخجل من أنفسنا إذا استسهلنا الكتابة.. وتحتاج إلى موسيقي يعرف أن الموسيقى علم وموهبة، وليست خلفية للصراخ.. يومها فقط نستطيع أن نقول إن (القوة الناعمة) المصرية عادت.
أما الآن، فالأجدر أن نتوقف عن بيع الوهم لأنفسنا.. نحن لسنا في عصر ازدهار فني حتى نوزع شهادات القوة الناعمة على الجميع. نحن في مرحلة اضمحلال على كافة الأصعدة، عكس عصر النهضة قبل عقود، ونحتاج إلى اعتراف صريح وعلاج قاسٍ، ومن يريد أن يثبت أنه قوة ناعمة، فليخرج من وراء الشعار، وليضع عمله أمام الجمهور.
الجمهور هو الحكم.. فإذا صفق للعمل، فقد استحق اللقب، وإذا ضحك من العمل، فلا تغضبوا من الجمهور.. فمصر التي كانت تصنع الفن العربي لا تحتاج إلى من يطالب العرب بالتصفيق، وإنما تحتاج إلى أن تستعيد القدرة على جعلهم يصفقون من تلقاء أنفسهم، بدلًا من البصق عليهم واحتقارهم، وسوف يأتي يوم يحاسب فيه هؤلاء بما اقترفوه من مهازل ضيعت الهوية الفنية لكل الفنون.