رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

محمود درويش يعود من (المنفى) إلى الفحيص.. و(ثعلب الدروع) يكشف وجهه الآخر أمام الجمهور!

محمود درويش يعود من (المنفى) إلى الفحيص.. و(ثعلب الدروع) يكشف وجهه الآخر أمام الجمهور!

محمود درويش يعود من (المنفى) إلى الفحيص.. و(ثعلب الدروع) يكشف وجهه الآخر أمام الجمهور!
في الذكرى الثامنة عشرة لرحيل (محمود درويش)، عاد اسمه إلى الواجهة في أمسية ثقافية نقدية

الفحيص: حسام عطية

ليست كل الأمسيات الثقافية مجرد ندوات تنتهي بالتصفيق وإغلاق الأبواب، فأحيانًا تأتي ليلة ثقافية لتفتح أكثر من باب في الذاكرة، وتضع الشعر إلى جوار التاريخ، وتكشف خلف الصورة الرسمية للرجال حكايات لا يعرفها الجمهور، وهذا ما حدث في مهرجان الفحيص بدورته الـ 33، الذي جمع في برنامجه الثقافي بين استعادة تجربة شاعر بحجم (محمود درويش).

وبالإضافة إلى تجربة (محمود درويش)، كانت العودة إلى سيرة ثلاثة من أبرز الشخصيات العسكرية الأردنية، قبل أن تأتي شهادة إنسانية من المهندسة خلود خالد هجهوج المجالي، لتكشف الوجه الآخر لوالدها الذي عرفه الناس بلقب (ثعلب الدروع)

في الذكرى الثامنة عشرة لرحيل (محمود درويش)، عاد اسمه إلى الواجهة في أمسية ثقافية نقدية ضمن برنامج (الأردن تاريخ وحضارة)

الناقد فخري صالح والشاعر زهير أبو شايب فتحا دفاتر الشاعر (محمود درويش) الذي لم يكن مجرد صاحب قصائد، وإنما واحد من أبرز الأصوات التي تركت أثرًا عميقًا في الشعر العربي الحديث.

صالح توقف عند تجربة (محمود درويش) بوصفها تجربة شعرية ذات أفق عالمي، مشيرًا إلى التحولات التي أحدثها في بنية القصيدة العربية، وإلى تأثره بتجارب شعراء كبار مثل لوركا ونيرودا وييتس وريستو، لكن الأكثر حضورًا كان الحديث عن الأشياء التي صنعت عالم (محمود درويش) الداخلي: الفقد، والمنفى، ومصادرة الأرض، والهوية.

وتوقفت الندوة خصوصًا عند مجموعته (لماذا تركت الحصان وحيدًا)، حيث حضرت الذاكرة والاقتلاع والحنين بقوة، وكأن الشاعر كان يحاول طوال الوقت أن يستعيد وطنًا لا يستطيع أن يحمله معه إلا في الكلمات.

محمود درويش يعود من (المنفى) إلى الفحيص.. و(ثعلب الدروع) يكشف وجهه الآخر أمام الجمهور!

محمود درويش يعود من (المنفى) إلى الفحيص.. و(ثعلب الدروع) يكشف وجهه الآخر أمام الجمهور!
تكريم اسم محمود درويش

صدحت قصائد (محمود درويش)

ولم تبقَ الأمسية في حدود التحليل والنقد.. فقد صدحت قصائد (محمود درويش) من جديد، ومن بينها قصيدة (أحن إلى خبز أمي وقهوة أمي)، بينما أضفى الفنان باسل الحمصي لمسة موسيقية على الأمسية من خلال معزوفات على آلة الكمان.

كما استعرضت مشاهد خاصة محطات من سيرة الشاعر وتجربته الشعرية، ليصبح (محمود درويش) حاضرًا بالصوت والصورة والكلمة، وفي النهاية، قدمت إدارة المهرجان دروعًا تكريمية للمشاركين.

لكن مهرجان الفحيص لم يغلق دفتر الذاكرة عند الشعر.. ففي فعالية أخرى، انتقل البرنامج الثقافي من الشعر إلى التاريخ العسكري، واستعاد سيرة ثلاثة من الشخصيات العسكرية الأردنية: اللواء الركن عطالله غاصب السرحان، واللواء الركن خالد الهجهوج المجالي، واللواء الركن كاسب صفوق الجازي.

الندوة أدارها ونسقها بكر خازر المجالي، وجاءت احتفاءً بشخصيات تركت أدوارًا بارزة في مسيرة الأردن والقوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي.

وتحدث المشاركون عن ذكرياتهم وشهاداتهم، مؤكدين أن توثيق سير هؤلاء الرجال ليس مجرد استعادة للماضي، وإنما محاولة لتعريف الأجيال الجديدة برجال شكلوا جزءًا من التاريخ العسكري والوطني للأردن.

لكن أكثر لحظات الندوة إنسانية جاءت عندما ابتعد الحديث قليلًا عن الرتب العسكرية والبطولات، ودخل إلى البيت.. وقفت المهندسة خلود خالد هجهوج المجالي لتروي صورة أخرى لوالدها.. صورة لا يظهر فيها القائد العسكري الصارم، وإنما الأب الذي عرفته أسرته بالحب والاحتواء والحنان.

قالت إن هناك صورتين لرجل واحد: العسكري الذي عرفته ميادين القتال، والأب الذي عرفته الأسرة داخل البيت، ومن هنا بدأت الحكاية.. الأب الذي رفض أن يكون (أبًا تقليديًا)، بحسب شهادة ابنته، لم يكن خالد هجهوج أبًا تقليديًا.. كان متفتحًا بصورة تثير الدهشة، وربما كان ذلك مرتبطًا بنشأته في البادية وحياته الأولى في بيت الشعر، حيث الحرية جزء من طبيعة الحياة.

حتى أسلوبه في التربية كان مختلفًا، إلى درجة أن ابنته وصفته بأنه كان يطبق أفكار التربية الحديثة قبل عقود من انتشار الحديث عنها، وكان للعقاب عنده طريقته الخاصة أيضًا، إذ قالت إن العقاب كان (دائرة من الحبال نقف داخلها حتى نتوب).

محمود درويش يعود من (المنفى) إلى الفحيص.. و(ثعلب الدروع) يكشف وجهه الآخر أمام الجمهور!
تكريم (خالد هجهوج ) الذي عرفه الناس باسم (ثعلب الدروع)

الرجل الذي عرف بـ (ثعلب الدروع)

أما الرجل الذي عرفه الناس باسم (ثعلب الدروع)، فتقول ابنته إن وراء صرامته العسكرية إنسانًا شديد الحساسية، لطيفًا وحنونًا، سريع البديهة، وصاحب نكتة، والأكثر مفاجأة أنه كان متذوقًا للأدب والشعر، وهو أمر ربطته ابنته بالبيئة التي نشأ فيها.

تكشف شهادة خلود أن جزءًا كبيرًا من ذكريات الأسرة لم يكن داخل البيت، وإنما في رحلات طويلة عبر الأردن.. الصحراء، الأحراش، الشلالات، الأودية، والآثار الصحراوية.

كان خالد هجهوج يحب الصيد والاستكشاف، فاصطحب أبناءه في رحلات إلى القصور الصحراوية، ومنها عمرة والحرانة، وشاركهم رحلات صيد الحجل والحمام والأرانب، بل علّمهم كيف يقرأون النجوم لمعرفة الاتجاهات.. وخيمت الأسرة في حمامات ماعين قبل أن تُعبد الطرق المؤدية إليها، وعاشت أيامًا في أحراش عجلون.

تفاصيل صغيرة، لكنها تكشف رجلًا مختلفًا تمامًا عن الصورة التي تختصره في (القائد العسكري)، لكن الحكاية الأكثر إثارة التي كشفتها ابنته كانت عن عام 1964.. في ذلك العام، لم يكن خالد هجهوج يخوض معركة عسكرية، وإنما معركة شخصية من نوع آخر..

وقع في حب شابة مسيحية، وصفَتها ابنته بأنها كانت تشبهه في القوة والشجاعة والذكاء.. لكن الزواج لم يكن سهلًا.. جوبه بالرفض من عائلتها عدة مرات، إلا أنه لم يقبل الهزيمة، واستمر في إصراره حتى انتهت المعركة بالزواج عام 1964.

وكان قد كتب عنها: (كانت لي بمثابة الملاك الخفي الذي يرافقني في كل خطوة كنت أخطوها في حياتي).. هنا يسقط لقب (ثعلب الدروع) للحظة، ويظهر الرجل الذي كان خلف اللقب.. رجل يحب، ويصر، وينتصر في معركة القلب كما انتصر في ميادين أخرى.

رجل شديد الصرامة.. لكنه لم يكن انفعاليًا، وتصفه ابنته بأنه كان عاطفيًا، لكنه لم يكن انفعاليًا، وأنه كان يحكم العقل في المواقف، ويتمتع بنظرة متوازنة إلى الحياة، ورغم أن تاريخه كان مثقلًا بمحطات عصيبة ودامية، ظل – بحسب شهادتها – (خفيف الروح، خفيف القدم).

وربما لهذا السبب بدت شهادة ابنته مختلفة عن كل ما يمكن أن يكتب في سيرة قائد عسكري، فهي لم تتحدث عن الرتب والمعارك فقط، بل تحدثت عن الأب.. عن الرجل الذي أحب، وربّى، وسافر بأبنائه في الصحراء، وعلمهم قراءة النجوم، وكان في الوقت نفسه قائدًا صارمًا يعرفه تاريخ الجيش الأردني.

وفي نهاية شهادتها، أشارت إلى أن كثيرين كتبوا عنه نثرًا وشعرًا، لكنها ترى أن قصيدة وليام الصناع، رحمه الله، تبقى أجمل ما كتب عنه.

هكذا بدت ليلة مهرجان الفحيص الـ 33 وكأنها أكثر من برنامج ثقافي.. (محمود درويش) عاد بقصائده وأسئلته عن الوطن والمنفى والهوية.. والقادة العسكريون عادوا من صفحات التاريخ.. ثم جاءت ابنة أحدهم لتقول للجمهور إن وراء كل صورة رسمية وجهًا آخر، ووراء كل قائد حكاية إنسانية، ووراء كل لقب كبير إنسانًا له قلب وذكريات وحكايات حب.

وربما كانت هذه هي أجمل حكاية في مهرجان الفحيص.. أن الثقافة لا تحفظ التاريخ فقط، بل تمنحه صوتًا جديدًا، وتعيد إلينا الإنسان المختبئ خلف الصورة.

👀 Views:

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.