

بقلم الكاتب الصحفي: أحمد الغريب
في وقت ظلت فيه قطاعات واسعة من الإعلام الأمريكي تقدم الموقف الإسرائيلي باعتباره الإطار الرئيسي لفهم الصراع، بدأت خلال السنوات الأخيرة أصوات إعلامية أكثر جرأة في مساءلة هذه الرواية، خاصة فيما يتعلق بالحرب في غزة وصعود اليمين الإسرائيلي المتطرف، في هذا السياق، برز الإعلامي الأمريكي (جينك أويغور)، مؤسس ومقدم برنامج The Young Turks، من خلال حلقة حملت عنوان: Israelis Are Starting To WORRY About Ben Gvir الإسرائيليون بدأوا يشعرون بالقلق من بن غفير.
تركز الحلقة على صعود وزير الأمن القومي الإسرائيلي المتطرف (إيتمار بن غفير)، وما يعتبره (أويغور) انتقالًا لأفكار كانت توصف سابقًا بأنها هامشية ومتطرفة إلى داخل مؤسسات الدولة.
وينطلق بصورة أساسية من فيديو نشره (بن غفير) يستعرض فيه منشأة مخصصة لتنفيذ أحكام الإعدام شنقًا بحق فلسطينيين، معتبرًا أن عرض المنشأة أمام الكاميرات يتجاوز الجانب القانوني ليحمل رسالة سياسية وإعلامية.
بطبيعة الحال تكتسب الحلقة أهمية من انتشارها الرقمي؛ إذ نُشرت على قناة The Young Turks في يوتيوب، وبلغت مدتها نحو 15 دقيقة و41 ثانية، وتجاوزت مشاهداتها 100 ألف مشاهدة، كما نُشر المحتوى نفسه عبر حساب البرنامج على فيسبوك.

شبكة إخبارية خارج الإطار التقليدي
تأتي الحلقة ضمن TYT Network، التي تقدم نفسها باعتبارها شبكة أخبار رقمية تضم برامج ومضيفين على منصات متعددة، إلى جانب قناة إخبارية تعمل على مدار الساعة.
وتعود انطلاقتها إلى عام 2002، بينما يمثل The Young Turks برنامجها الرئيسي، وأحد أقدم البرامج اليومية المستمرة في تاريخ الإنترنت، كما كان من أوائل القنوات الشريكة ليوتيوب.
وتقول الشبكة إنها تجمع بين عرض الأخبار والسياق والتحليل والتعليق السياسي، ولا تخفي توجهها السياسي الذي يميل في معظمه إلى اليسار، مع وجود نطاق من الآراء بين مقدمي برامجها.
كما تؤكد أن هدفها يتمثل في تحدي أصحاب القوة والنفوذ والدفاع عن المواطن الأمريكي العادي والسعي إلى تقديم ما تعتبره الحقيقة للجمهور.
وتشير البيانات التعريفية للشبكة إلى قاعدة جماهيرية كبيرة، تضم نحو 27 مليون مشترك ومتابع وأكثر من 30 مليار مشاهدة تراكمية، مع انتشار المحتوى عبر يوتيوب ومنصات البث الرقمي والبودكاست. وحصلت الشبكة وبرامجها ومقدموها على جوائز وتكريمات في مجال الإعلام الرقمي، كما أُدرج (أويغور) ضمن قائمة Mediaite للشخصيات الأكثر تأثيرًا في الإعلام الإخباري عام 2023.

إعلامي خارج السرب
يُعد (جينك أويغور) من الوجوه البارزة في نشأة الإعلام السياسي الرقمي الأمريكي. فقد أسس The Young Turks عام 2002، قبل أن يتحول البرنامج إلى شبكة إعلامية متعددة البرامج والمنصات. وتقوم أهميته على الجمع بين الأخبار والسياق والتحليل والتعليق السياسي.
ومن ثم، فإن تناوله لإسرائيل و(بن غفير) يأتي ضمن توجه نقدي واضح، غير أن أهمية هذا الخطاب تكمن في قدرته على الوصول إلى جمهور أمريكي واسع وطرح قضايا غالبًا ما تُناقش في الإعلام التقليدي ضمن نطاق أضيق.
ينطلق (جينك أويغور) من مشهد (بن غفير) وهو يستعرض مشنقة الإعدام، مركزًا على الطريقة التي قُدمت بها أمام الكاميرات.
ويرى أن القضية لا تتعلق فقط بوجود عقوبة الإعدام، وإنما بتحولها إلى أداة سياسية وإعلامية، بحيث يصبح موقع الإعدام نفسه جزءًا من الخطاب السياسي الموجه للجمهور.
وقد أقر الكنيست في مارس 2026 تشريعًا يوسع إمكانية تطبيق عقوبة الإعدام بحق الفلسطينيين في قضايا محددة مرتبطة بمزاعم ممارسة (الإرهاب)، في خطوة ارتبطت بدعم (بن غفير) وتياره السياسي. ويركز (جينك أويغور) كذلك على تفاصيل المشنقة، ومنها جناح المحكوم عليهم بالإعدام ومنطقة المشنقة ومقصورات يمكن لعائلات (الضحايا) من خلالها مشاهدة التنفيذ، معتبرًا أن هذه التفاصيل تعزز الطابع الاستعراضي للقضية.
ولا يعني عنوان الحلقة أن المجتمع الإسرائيلي بأكمله يعارض (بن غفير)، وإنما يشير إلى وجود انتقادات ومخاوف داخل إسرائيل من الاتجاه السياسي الذي يمثله.
إذ يركز (جينك أويغور) على أن (بن غفير) لم يعد مجرد سياسي يميني متطرف يستخدم خطابًا صادمًا، بل أصبح وزيرًا يمتلك سلطة رسمية وتأثيرًا في الشرطة ومصلحة السجون والتشريعات والسياسات الأمنية.
ومن هنا يتجاوز (جينك أويغور) شخصية (بن غفير) إلى سؤال أوسع يتعلق بالتحول الذي يشهده اليمين الإسرائيلي، وكيف انتقلت أفكار كانت على هامش المشهد السياسي إلى قلب عملية صنع القرار.

من غزة إلى الإعدام.. مسار سياسي واحد
يربط (جينك أويغور) قضية مشنقة الإعدام بتصريحات (بن غفير) بشأن قطاع غزة، ومنها دعواته إلى قتل عشرات الأشخاص في القطاع كل ليلة، واستمرار العمليات العسكرية، وإعادة إقامة المستوطنات الإسرائيلية وتشجيع الفلسطينيين على مغادرة القطاع.
ومن منظور (جينك أويغور)، تشكل هذه المواقف مع دعم عقوبة الإعدام مسارًا سياسيًا واحدًا يقوم على تشديد العقوبات وتوسيع استخدام القوة تجاه الفلسطينيين، وبذلك تصبح صورة (بن غفير) أمام المشنقة، في قراءته، رمزًا لسياسات أوسع مرتبطة بالحرب في غزة وبصعود اليمين الإسرائيلي الأكثر تشددًا.
لا يقف (جينك أويغور) عند الجدل الأخلاقي والقانوني حول عقوبة الإعدام، بل يطرح سؤالًا يتعلق بالمساواة أمام القانون، وبهوية الأشخاص الذين يمكن أن تطبق عليهم العقوبة وطريقة تطبيقها.
ويرى أن النقاش الأساسي يتمثل في معرفة ما إذا كانت هناك منظومة قانونية واحدة تطبق بالمعايير نفسها على الجميع، أم أن الفلسطينيين قد يواجهون معاملة أكثر تشددًا في بعض القضايا المرتبطة بالإرهاب. ومن ثم ينقل النقاش من قضية الإعدام وحدها إلى أسئلة العدالة والمساواة والتمييز في تطبيق القانون.

المشكلة ليست (بن غفير) وحده
لا يرى (جينك أويغور) أن المشكلة تكمن في بن غفير كشخص فقط، وإنما في البيئة السياسية التي سمحت له بالوصول إلى مركز القرار، فالرجل، وفق هذه القراءة، لم يعد ناشطًا سياسيًا خارج مؤسسات الدولة، بل أصبح وزيرًا قادرًا على ترجمة أفكاره إلى تشريعات وإجراءات وسياسات.
وتتمثل الرسالة الأساسية هنا في أن الخطر لا يكمن فقط في وجود سياسي متطرف، وإنما في امتلاك الأفكار التي يمثلها نفوذًا داخل مؤسسات الدولة. وبصفته زعيم حزب (عوتسما يهوديت)، يخاطب بن غفير قاعدة انتخابية ترى في التشدد تجاه الفلسطينيين جزءًا من الحل الأمني والسياسي.
يربط (جينك أويغور) خطاب بن غفير بموقعه داخل المعسكر اليميني الإسرائيلي، معتبرًا أن التصعيد بشأن غزة والإعدام يخدم صورته السياسية باعتباره أحد أكثر السياسيين الإسرائيليين تشددًا.
ومن هذا المنظور، فإن استعراض مشنقة الإعدام أمام الكاميرات يحمل وظيفة سياسية واضحة، تتمثل في إرسال رسالة إلى أنصاره بأن وعوده المتعلقة بالأمن والعقاب تتحول إلى إجراءات عملية، بما يعزز حضوره داخل قاعدته الانتخابية.
تتمثل الرسالة الأكثر عمقاً في معالجة (جينك أويغور) في أن الخطر لا يكمن في (بن غفير) وحده، وإنما في تطبيع الأفكار التي يمثلها. فالأفكار المتطرفة تصبح أكثر تأثيرًا عندما تنتقل من هامش الخطاب السياسي إلى الخطاب السائد، ثم تتحول إلى قوانين وإجراءات ومؤسسات.
ولهذا يجمع (جينك أويغور) بين مواقف بن غفير من غزة والسجون والإعدام وظهوره أمام المشنقة، باعتبارها حلقات متصلة في مسار واحد. والسؤال، من وجهة نظره، لا يتعلق فقط بما يقوله (بن غفير)، بل بمدى قدرة المؤسسات والمجتمع الإسرائيلي على وضع حدود أمام تنامي نفوذ هذا التيار.


سبب اهتمام الجمهور الأمريكي؟
تتجاوز أهمية الحلقة مضمونها السياسي إلى طريقة انتشارها.. فالوصول إلى أكثر من 100 ألف مشاهدة خلال فترة قصيرة، وانتشار المقطع عبر يوتيوب وفيسبوك، يعكسان وجود جمهور أمريكي مستعد للاستماع إلى قراءات نقدية مختلفة حول إسرائيل.
ولا يعني ذلك أن المشاهدين تبنوا موقف (جينك أويغور) أو أن الرأي العام الأمريكي شهد تحولًا شاملًا، لكنه يشير إلى اتساع الخيارات المتاحة أمام الجمهور للحصول على المعلومات والتحليل بعيدًا عن المؤسسات الإعلامية التقليدية.
وتبرز هنا أهمية The Young Turks باعتبارها شبكة بنت جزءًا كبيرًا من نفوذها على الإعلام الرقمي المباشر، بما يسمح لمثل هذه الرسائل بالوصول إلى شرائح واسعة من الجمهور الأمريكي دون المرور بالضرورة عبر البوابات التقليدية للإعلام التلفزيوني.
لا تقدم الحلقة مجرد انتقاد لشخصية إسرائيلية مثيرة للجدل، وإنما تستخدم (بن غفير) مدخلًا إلى سؤال أوسع حول اتجاه السياسة الإسرائيلية ومدى قدرة اليمين المتطرف على تحويل أفكاره إلى سياسات دولة.
كما تحمل رسالة إلى الجمهور الأمريكي مفادها أن انتقاد سياسات الحكومة الإسرائيلية لا يصدر بالضرورة عن خصوم إسرائيل في الخارج، وإنما أصبح حاضرًا أيضًا داخل النقاشين الإسرائيلي والأمريكي. ولذلك يحاول عنوان الحلقة إبراز أن صعود (بن غفير) بات يثير تساؤلات ومخاوف داخل إسرائيل، دون الادعاء بأن الإسرائيليين جميعًا يعارضونه.
تكشف حلقة (جينك أويغور) أن معركة الروايات حول إسرائيل انتقلت بقوة إلى الفضاء الرقمي الأمريكي، حيث أصبح الجمهور أمام عدد متزايد من المنصات والمعلقين الذين يقدمون قراءات مختلفة للحرب في غزة والسياسة الإسرائيلية وصعود اليمين المتطرف.
وتكمن أهمية ظهوره في قدرته على فتح مساحة مختلفة للنقاش، ووضع موضوعات مثل (بن غفير) وعقوبة الإعدام والسياسات تجاه الفلسطينيين أمام جمهور أمريكي واسع.
إجمالاً يمكن القول، إنه لا تكمن دلالة الحلقة فقط في مضمون ما قاله (أويغور) عن (بن غفير)، وإنما في وصول هذا النوع من الخطاب إلى جمهور كبير. فانتشار المحتوى النقدي حول إسرائيل يؤكد أن الجمهور الأمريكي أصبح أكثر انفتاحًا على روايات وأسئلة متعددة، وأن احتكار رواية واحدة للمشهد الإعلامي لم يعد أمرًا مضمونًا.
وقد يكون (بن غفير) هو موضوع الحلقة، لكن القضية الأوسع التي تكشفها هي تغير البيئة التي يتلقى فيها الأمريكيون معلوماتهم عن إسرائيل، واتساع قدرة الإعلام الرقمي على تحدي الروايات التقليدية وفتح نقاش كان أكثر ضيقًا وأقل حضورًا في الإعلام الأمريكي، وللحديث بقية.
لمشاهدة الحلقة كاملة:
https://www.facebook.com/reel/1616676366553730