رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

(محمد رمضان) لا يحتاج إلى أغنية كي يتصدّر.. هل أصبحت الضجة ه مشروعه الفنّي؟

(محمد رمضان) لا يحتاج إلى أغنية كي يتصدّر.. هل أصبحت الضجة ه مشروعه الفنّي؟
هناك فرق كبير بين أن تكون فنّاناً مشهوراً، وأن تتحوّل إلى ظاهرة
(محمد رمضان) لا يحتاج إلى أغنية كي يتصدّر.. هل أصبحت الضجة ه مشروعه الفنّي؟
عامر فؤاد عامر

بقلم الكاتب السوري: عامر فؤاد عامر

لم يعد (محمد رمضان) يحتاج بالضرورة إلى أغنية جديدة كي يتصدّر، ولا إلى مسلسل كي يعود اسمه إلى الواجهة، ولا حتّى إلى فيلم كي يحتلّ مساحة واسعة من النقاش.. يكفيه أحياناً دخول المسرح، وأن يختار إطلالة مثيرة، وأن يطلق تصريحاً، أو أن يُحدِث ما يستدعي الجدل في حفله، حتّى تبدأ ماكينة الأخبار ومواقع التواصل الاجتماعي بالعمل نيابةً عنه.

وهنا تحديداً تكمن الحكاية الأهم؛ فما جرى حول حفله الأخير لم يبقَ في حدود حفلة صيفيّة عابرة؛ إذ تصاعد الجدل حول مشاهد التدافع والتداخل الجماهيري، وأصبح مادّةً للنقاش الإعلامي والنقدي، ولكن السؤال الذي يستحق أن نتوقف عنده؛ ليس ماذا حدث في حفلة (محمد رمضان)؟.. بل: لماذا أصبح محمد رمضان قادراً على تحويل كلّ ما يحدث حوله إلى مادّة فنّيّة وإعلاميّة؟

(محمد رمضان) لا يحتاج إلى أغنية كي يتصدّر.. هل أصبحت الضجة ه مشروعه الفنّي؟
الفنان يحتاج إلى عمل كي يحافظ على حضوره. أمّا الظاهرة فتستطيع أن تستمد حضورها من وجودها نفسه

رمضان من الفنّان إلى (الظاهرة)

هناك فرق كبير بين أن تكون فنّاناً مشهوراً، وأن تتحوّل إلى ظاهرة.. الفنان يحتاج إلى عمل كي يحافظ على حضوره. أمّا الظاهرة فتستطيع أن تستمد حضورها من وجودها نفسه.. وهذا، في جانب منه، هو سرّ تجربة (محمد رمضان).

منذ بدايات صعوده، لم يقدّم نفسه للجمهور باعتباره ممثّلاً أو مطرباً فقط، وإنما بنى شخصيّة عامّة لها ملامحها الخاصّة، تتمحور حول الثقة المفرطة، الاستعراض، الملابس اللافتة، السيارات الفارهة، الأغنيات ذات الشعارات المباشرة، الجُمل القابلة للاقتباس، والظهور الذي يبدو مصمماً منذ لحظته الأولى لكي يتحوّل إلى صورة قابلة للتداول.

وهنا تغيّرت قواعد اللعبة. إذ لم يعد العمل الفنّي هو المُنتًج الوحيد، بل (محمد رمضان) نفسه أصبح مُنتَجاً.. صورته مُنتَج، إطلالته مُنتَج، حفله مُنتَج، تصريحاته مُنتَج، وحتّى الانتقادات الموجهة إليه يمكن أن تتحوّل إلى مُنتَج إعلامي جديد.

وهذه ليست مسألة خاصّة برمضان وحده، بل هي إحدى سمات عصر السوشال ميديا، لكنّه من أكثر الفنّانين العرب الذين فهموا هذه اللعبة، واشتغلوا عليها بوضوح.

(محمد رمضان) لا يحتاج إلى أغنية كي يتصدّر.. هل أصبحت الضجة ه مشروعه الفنّي؟
في اقتصاد الانتباه، قد يصبح الجدل نفسه قيمة تسويقيّة

وأصبح الجدل جزءاً من التسويق..

في الإعلام التقليدي كان الفنّان يخشى الفضائح لأنها قد تهدد صورته.. أمّا في اقتصاد الانتباه، فقد يصبح الجدل نفسه قيمة تسويقيّة، وهنا علينا أن نفرق بين الجدل الناتج عن العمل والجدل الذي يصبح بديلاً عن العمل، والأوّل قد يكون صحيّاً، ففيلم جريء يثير النقاش، أو شخصيّة دراميّة تكسر المألوف، أو أغنية تقدّم خطاباً جديداً، كلّها يمكن أن تخلق جدلاً فنّيّاً حقيقيّاً.

لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح سؤال: ماذا فعل الفنّان هذه المرّة؟ أكثر حضوراً من سؤال: ماذا قدّم الفنّان هذه المرّة؟!

وهذه نقطة مفصلية في تجربة (محمد رمضان).. ففي حفله بالساحل الشمالي مثلاً، لم يكن الحديث منصبّاً فقط على الأغنيات والأداء، وإنما على تفاصيل المشهد كلّه، من الإطلالة إلى أجواء الحفل والجدل الذي رافقه. حتّى القناع الذي ظهر به على المسرح تحوّل إلى مادّة إخباريّة وتداول جماهيري.

وهكذا تصبح الحفلة حدثاً بصريّاً قبل أن تكون حدثاً موسيقيّاً، فنحن لا نشاهد الحفل فقط، بل نحن ننتج له نسخة أخرى.. وهنا يدخل الجمهور كشريك في صناعة الظاهرة. ولا يعود الفنّان وحده منتِجاً للمحتوى، بل الجمهور نفسه يصبح غرفة أخبار مجانيّة!

هذه واحدة من أخطر التحولات التي أحدثتها السوشال ميديا في صناعة النجوميّ،. فالمحتوى لم يعد ينتهي بانتهاء الحفل أو عرض الفيلم.. بل يبدأ أحياناً بعد انتهائه. واللقطة التي تستغرق عشر ثوانٍ قد تحقق انتشاراً أكبر من أغنية استغرق تسجيلها شهوراً.

لذلك فإن الفنّان الذي يفهم طبيعة المنصّات الجديدة لا يكتفي بأن يقدّم محتوى؛ بل يفكر في قابليّة المحتوى للتداول. ومحمد رمضان بارع في هذه النقطة.

(محمد رمضان) لا يحتاج إلى أغنية كي يتصدّر.. هل أصبحت الضجة ه مشروعه الفنّي؟
أخطر ما فعلته ثقافة الترند أنها بدأت تخلط بين مفاهيم مختلفة

هل كلّ ترند نجاح؟

هنا يجب أن نتوقف قليلاً.. لأن أخطر ما فعلته ثقافة الترند أنها بدأت تخلط بين مفاهيم مختلفة؛ مثلاً ليس كلّ انتشار يجب أن يكون بالضرورة نجاحاً، والمشاهدة ليست بالضرورة قيّمة، والجدل ليس بالضرورة إنجازاً فنّيّاً، فقد يتصدّر فنّان الترند لأنّ الجمهور أحبّه، وقد يتصدّر لأنّ الجمهور غضب منه، وقد يتصدّر لأن تصريحاً واحداً منه أثار السخرية.

في الحالات الثلاث السابقة هو (ترند) لكن القيمة الفنّيّة مختلفة تماماً، وهنا يصبح السؤال الحقيقي عن (محمد رمضان) أكثر قسوة: إذا أزلنا الضجة من حوله، ماذا يبقى من العمل؟

لا يعني ذلك إنكار موهبته أو جماهيريّته، فمحمد رمضان استطاع بالفعل أن يصنع لنفسه مكاناً خاصّاً في السينما والدراما والغناء، وبناء قاعدة جماهيريّة واسعة لا يمكن تجاهلها. لكن النقد الفنّي لا يقاس بعدد الجمهور فقط.. وإلا أصبح كلّ ما يحظى بالمشاهدة فنّاً عظيماً بالضرورة.

(محمد رمضان) لا يحتاج إلى أغنية كي يتصدّر.. هل أصبحت الضجة ه مشروعه الفنّي؟
من الظلم أن نتعامل مع (محمد رمضان) وكأنه اخترع فكرة النجم الاستعراضي

محمد رمضان لم يخترع الاستعراض

من الظلم أن نتعامل مع (محمد رمضان) وكأنه اخترع فكرة النجم الاستعراضي، لأنّ الفنّ العربي عرف نجوم الصورة قبل عصر الإنترنت. عرف عبد الحليم حافظ الذي كان ظهوره حدثاً، وفريد شوقي الذي تحوّلت صورته إلى امتداد لشخصيّاته، وعادل إمام الذي أصبح اسمه وحده قادراً على بيع فيلم، وغيرهم من النجوم الذين تجاوز حضورهم حدود العمل الفنّي.

لكن الفارق أن هؤلاء كانوا يعملون في زمن كانت فيه الأعمال هي التي تصنع الأسطورة. أمّا اليوم، فقد أصبح ممكناً صناعة الأسطورة قبل العمل، وأثناءه، وبعده.

وهنا يظهر اختلاف (محمد رمضان) عن كثير من أبناء جيله، لإنه لا ينتظر دائماً أن يتحدّث العمل عنه.إنه يتحدّث عن نفسه باستمرار، وهذه استراتيجيّة شديدة الذكاء من ناحية التسويق، لكنّها تضع الفنّان أمام اختبار صعب: ماذا يحدث عندما تصبح الصورة أقوى من المضمون؟

المشكلة ليست في أن يكون محمد رمضان (شو).. الفنّ الاستعراضي ليس عيباً، والجمهور من حقّه الترفيه، والذهاب إلى الحفل ليشاهد عرضاً بصريّاً ضخماً، والاستمتاع بالألعاب الناريّة والملابس والاستعراض، لكن المشكلة تبدأ عندما يختفي الحدّ الفاصل بين الفرجة الفنّيّة وصناعة الضجة من أجل الضجة.

فالفنّان الاستعراضي الناجح هو الذي يجعل الاستعراض خادماً للفنّ. أمّا عندما يصبح الفنّ نفسه خادماً للاستعراض، فنحن أمام ظاهرة مختلفة.. وهنا بالضبط تقع تجربة محمد رمضان في المنطقة الرماديّة. هل هو يستخدم الاستعراض كي يوسّع مساحة فنّه؟ أم أن الفنّ أصبح أحد مكوّنات مشروع الاستعراض الأكبر؟

(محمد رمضان) لا يحتاج إلى أغنية كي يتصدّر.. هل أصبحت الضجة ه مشروعه الفنّي؟
هل يستطيع أن يحوّل هذا النجاح الجماهيري إلى إرث فنّي؟

أخطر ما في ظاهرة محمد رمضان

ربّما يكون هذا العنوان هو الأكثر إزعاجاً بالنسبة إلى محبّيه، لكنّها الحقيقة.. (محمد رمضان) نجح في الوصول إلى جمهور واسع، وفي صناعة علامة شخصيّة واضحة، وفي جعل اسمه قابلاً للتداول، وفي فهم طبيعة زمن لا يكفي فيه أن تكون موهوباً، بل يجب أن تكون حاضراً طوال الوقت.

لكن نجاحه يفتح سؤالاً آخر: هل يستطيع أن يحوّل هذا النجاح الجماهيري إلى إرث فنّي؟ وهنا المعركة الحقيقية؛ لإن الترند قصير العمر دائماً. كما الضجة سريعة الاشتعال وسريعة الانطفاء.

أمّا الذاكرة الفنّيّة فشيء آخر، نحن لا نتذكّر الفنّانين فقط لأنّهم كانوا الأكثر ظهوراً، بل لأنّهم تركوا أعمالاً وشخصيّات ومشاهد وجملاً وأغنيات قاومت الزمن. وهذه هي المسافة التي لا يزال على محمد رمضان أن يقطعها.

هل نحن أمام نموذج جديد للنجم العربي؟.. لقد انتهى تقريباً زمن النجم الذي ينتظر موسم العرض كي يظهر، نحن أمام نجم دائم الحضور.. نجم يعمل على مدار الساعة. نجم لا ينتهي حين ينتهي الفيلم، بل يبدأ الفيلم أحياناً من لحظة الإعلان عنه، ثمّ يستمر أثناء التصوير، ثمّ في العرض، ثمّ في المقابلات، ثمّ في الحفل، ثمّ في الجدل الذي يلي الحفل.

وهكذا.. فالنجم لم يعد شخصاً يظهر على الشاشة؛ بل أصبح قناة إعلاميّة قائمة بذاتها. ومحمد رمضان واحد من أوضح نماذج هذه المرحلة.. لهذا، فإن معركة رمضان الحقيقيّة ليست مع النقاد، ولا مع منافسيه، بل معركته الحقيقيّة هي مع الزمن.

فإذا استطاع أن يجعل وراء كلّ هذه الضجة فنّاً يظلّ حاضراً عندما تصمت الضجة، فسيكون قد انتقل من (الظاهرة) إلى (التجربة)، أمّا إذا بقيت الضجة هى التي تقود العمل، فقد يتذكر الناس (محمد رمضان) بوصفه أحد أكثر نجوم عصر السوشال ميديا قدرة على صناعة الانتباه فقط.

👀 Views:

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.