رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

د. محمد الطربيلي يكتب: (الزوجة الثانية).. حين ارتدى الاستبداد جلباب العمدة

د. محمد الطربيلي يكتب: (الزوجة الثانية).. حين ارتدى الاستبداد جلباب العمدة

د. محمد الطربيلي يكتب: (الزوجة الثانية).. حين ارتدى الاستبداد جلباب العمدة
فيلم (الزوجة الثانية) عن قصة للأديب أحمد رشدي صالح، وسيناريو وحوار كتبه سعد الدين وهبة

* قراءة سياسية في أحد أعظم أفلام السينما المصرية

بقلم الدكتور: محمد الطربيلي

إذا كانت السينما مرآةً للمجتمع، فإن الأفلام الخالدة هي تلك التي تتجاوز حدود الحكاية لتصبح وثيقةً تاريخية وسياسية واجتماعية تُقرأ بعد عشرات السنين بالقدر نفسه من الدهشة والإعجاب. ومن بين هذه الأعمال يبرز فيلم (الزوجة الثانية)، الذي أُنتج عام 1967 وأخرجه رائد الواقعية في السينما المصرية صلاح أبو سيف.

فيلم (الزوجة الثانية) عن قصة للأديب أحمد رشدي صالح، وسيناريو وحوار كتبه سعد الدين وهبة بالاشتراك مع صلاح أبو سيف، ليقدم واحدًا من أهم الأعمال السينمائية التي استطاعت أن تخفي خطابًا سياسيًا شديد العمق داخل إطار درامي يبدو، في ظاهره، مجرد قصة تدور في إحدى قرى الريف المصري.

لقد اعتاد كثيرون النظر إلى الفيلم بوصفه فيلمًا اجتماعيًا يناقش ظلم العمدة وطغيان الإقطاع، لكن القراءة المتأنية للنص السينمائي، ولطريقة بناء الشخصيات، وللرموز التي زرعها المخرج بين المشاهد، تؤكد أن (الزوجة الثانية) ليس مجرد فيلم اجتماعي، بل هو فيلم سياسي بامتياز.

استخدم القرية المصرية نموذجًا مصغرًا للدولة، وجعل من العمدة تجسيدًا للسلطة المطلقة، ومن الفلاح البسيط صورة للشعب الذي يجد نفسه أعزل أمام منظومة تمتلك القوة والقانون معًا.

جاء إنتاج الفيلم في مرحلة دقيقة من تاريخ مصر؛ ففي ستينيات القرن الماضي كانت الدولة تعيش مرحلة من المركزية الشديدة، وكانت الرقابة على الإنتاج الفني تتابع أي خطاب سياسي مباشر. لذلك لجأ صلاح أبو سيف إلى لغة الرمز، وهى اللغة التي أتقنها ببراعة.

فلم يرفع شعارات سياسية، ولم يهاجم نظامًا بعينه، وإنما صنع حكاية إنسانية تسمح لكل جيل بأن يقرأها وفق سياقه السياسي والاجتماعي، ومن هنا جاءت عبقرية الفيلم؛ فكلما تغير الزمن، بقيت رسالته صالحة، لأن الاستبداد لا يرتبط بعصر معين، بل هو ظاهرة إنسانية تتكرر كلما غابت الرقابة والمساءلة.

د. محمد الطربيلي يكتب: (الزوجة الثانية).. حين ارتدى الاستبداد جلباب العمدة

د. محمد الطربيلي يكتب: (الزوجة الثانية).. حين ارتدى الاستبداد جلباب العمدة
لفيلم (الزوجة الثانية)؛ السلطة حين تنفصل عن القانون تتحول إلى استبداد، فالعمدة لا يحتاج إلى قوة عسكرية

العمدة يمثل السلطة

العمدة، الذي قدمه الفنان الكبير صلاح منصور في واحد من أعظم أدواره، ليس مجرد رجل ثري يريد أن يتزوج للمرة الثانية لأن زوجته لم تنجب.. هذه هي الحكاية الظاهرة فقط، أما الحقيقة الأعمق فهي أن العمدة يمثل السلطة حين تتحول إلى مالكة لكل شيء.

فهو يعتقد أن الأرض أرضه، والناس ناسه، والقانون أداة من أدواته، وأن رغباته الشخصية تسمو على حقوق الآخرين. إنه لا يناقش ولا يقنع ولا يحترم إرادة أحد، بل يستخدم نفوذه لإخضاع الجميع، وكأن القرية مزرعة خاصة يديرها كما يشاء.

وهنا تكمن الرسالة السياسية الأولى لفيلم (الزوجة الثانية)؛ السلطة حين تنفصل عن القانون تتحول إلى استبداد، فالعمدة لا يحتاج إلى قوة عسكرية، بل يكفيه أن تكون المؤسسات خاضعة له.. الخفير ينفذ أوامره، والموظف يوقع الأوراق التي يريدها، والمأذون يذعن للضغوط.

وكل من حوله يدرك أن إرادة العمدة أصبحت أعلى من العدالة نفسها. وهذا هو جوهر الدولة المستبدة، حين تتحول مؤسساتها من خدمة المجتمع إلى خدمة الحاكم.

أما أبو العلا، الذي جسده الفنان شكري سرحان بإحساس بالغ الصدق، فهو المواطن البسيط الذي لا يملك إلا كرامته. لا نفوذ لديه، ولا واسطة، ولا مال، لكنه يمتلك حقه الطبيعي في أن يعيش مع زوجته حياة هادئة.. غير أن السلطة لا ترى في حقوق الناس قيمة تستحق الاحترام، بل تعتبرها قابلة للمصادرة متى تعارضت مع رغبات أصحاب النفوذ.

إن المأساة التي يعيشها أبو العلا لا تتمثل في فقدان زوجته فقط، وإنما في شعوره بالعجز الكامل أمام منظومة مغلقة، لا يجد فيها قاضيًا ينصفه، ولا مسؤولًا يسمع شكواه، ولا مؤسسة تحمي حقه. وهذه ليست أزمة فرد، وإنما أزمة مجتمع يفقد فيه المواطن ثقته في العدالة عندما تصبح السلطة خصمًا وحكمًا في الوقت نفسه.

وتأتي شخصية فاطمة، التي أبدعت في تجسيدها سعاد حسني، لتضيف بعدًا رمزيًا بالغ الأهمية. فهي ليست امرأة جميلة فحسب، وإنما تمثل في القراءة السياسية الوطن نفسه؛ وطنٌ يحاول أصحاب السلطة امتلاكه بالقهر، بينما يظل انتماؤه الحقيقي لمن يحبه ويحافظ عليه. ولذلك فإن مقاومة فاطمة للعمدة لم تكن مجرد رفض لزواج بالإكراه، بل كانت دفاعًا عن الحرية والكرامة والحق في الاختيار.

د. محمد الطربيلي يكتب: (الزوجة الثانية).. حين ارتدى الاستبداد جلباب العمدة

د. محمد الطربيلي يكتب: (الزوجة الثانية).. حين ارتدى الاستبداد جلباب العمدة
الشيخ في الفيلم يمثل الضمير الديني الذي يرفض أن يكون الدين وسيلة لتبرير الظلم

الدين وسيلة لتبرير الظلم

ومن الشخصيات التي لا يمكن إغفال دلالتها السياسية شخصية الشيخ، التي قدمها حسن البارودي، فالشيخ في الفيلم يمثل الضمير الديني الذي يرفض أن يكون الدين وسيلة لتبرير الظلم.. وقد أراد صلاح أبو سيف أن يبعث برسالة واضحة مفادها أن المشكلة ليست في الدين، وإنما فيمن يحاول توظيفه لخدمة السلطة.. وهي رسالة سبقت زمنها، ولا تزال صالحة حتى اليوم.

ولعل أكثر ما يلفت الانتباه أن فيلم (الزوجة الثانية) لا يقدم الشر في صورة أفراد فقط، بل يكشف كيف يمكن أن يتحول الصمت إلى شريك في الجريمة.. فالموظف الذي يوقع، والخفير الذي ينفذ، والمأذون الذي يخضع، جميعهم يشاركون، بدرجات متفاوتة، في تكريس الظلم. وهنا يطرح الفيلم سؤالًا بالغ الأهمية: هل يكفي ألا يكون الإنسان ظالمًا، أم أن السكوت على الظلم شكل آخر من أشكال المشاركة فيه؟

لقد رأى عدد من نقاد السينما أن قوة الفيلم لا تكمن في قصته وحدها، وإنما في قدرته على تحويل التفاصيل اليومية إلى رموز سياسية مفتوحة.. فالقرية ليست مجرد مكان، بل نموذج للدولة، والعمدة ليس مجرد شخصية، بل تجسيد للسلطة المطلقة، وأبو العلا ليس فردًا بعينه، بل صورة للشعب الذي يتمسك بحقه رغم اختلال ميزان القوة.

ولهذا ظل الفيلم حاضرًا في الدراسات النقدية التي تناولت الواقعية في السينما المصرية، كما اختير ضمن قائمة أفضل مائة فيلم في تاريخ السينما العربية، وهو تقدير يعكس مكانته الفنية والفكرية، وليس نجاحه الجماهيري فحسب.

ومن الناحية الإخراجية، قدّم صلاح أبو سيف درسًا في كيفية توظيف الصورة لخدمة الفكرة، فالزوايا التي يظهر بها العمدة، وطريقة تحرك الكاميرا داخل سراياه، واتساع المكان من حوله، تقابلها لقطات ضيقة لأبو العلا داخل بيته البسيط، وكأن الصورة نفسها تقول إن السلطة تتمدد بينما يضيق المجال أمام الإنسان البسيط.

ولم يكن ذلك مصادفة، بل جزءًا من رؤية إخراجية واعية جعلت اللغة البصرية شريكًا أساسيًا في بناء المعنى السياسي.

إن القيمة الحقيقية لفيلم (الزوجة الثانية) أنه لم يسقط في فخ المباشرة أو الشعارات، بل ترك للمشاهد حرية التأويل. وهذه هي سمة الأعمال العظيمة؛ فهي لا تقدم إجابات جاهزة، وإنما تدفع المتلقي إلى التفكير وإعادة قراءة الواقع من خلال الفن.

وبعد ما يقرب من ستة عقود على إنتاجه، لا يزال الفيلم حاضرًا في الذاكرة العربية، لأن رسالته لم ترتبط بزمان أو مكان، بل ارتبطت بقضية خالدة هي الصراع بين السلطة والحرية.. لقد أثبت (الزوجة الثانية) أن السينما ليست مجرد وسيلة للترفيه، وإنما يمكن أن تكون وثيقة سياسية وإنسانية، تكشف ما قد تعجز الوثائق الرسمية عن قوله، وتدين الاستبداد بلغة الفن، وتنتصر للإنسان دون أن ترفع شعارًا واحدًا.

وهكذا يبقى (الزوجة الثانية) أكثر من فيلم عن عمدة ظالم، وأكثر من قصة حب انتهكتها السلطة، بل شهادة فنية خالدة على أن الظلم، مهما امتلك من قوة، يظل مؤقتًا، وأن الكرامة الإنسانية هي القيمة الوحيدة التي لا تستطيع أي سلطة أن تنتزعها بالقهر، وربما لهذا السبب ظل الفيلم، وسيظل، واحدًا من أهم الأفلام السياسية في تاريخ السينما المصرية، حتى وإن ارتدى، في ظاهره، جلباب الحكاية الريفية البسيطة.

👀 Views:

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.