


بقلم الكاتب والناقد: أحمد السماحي
في موسم صيفي غنائي يبدو أحيانًا وكأنه دخل سباقًا محمومًا نحو الأعلى ضجيجًا والأسرع انتشارًا والأكثر إثارة للجدل، تأتي (مزاجية) لـ (راغب علامة) كأنها نسمة باردة في عز الظهيرة.. أغنية لا تصرخ كي تُسمع، ولا تتكلف كي تلفت الانتباه، ولا تحتاج إلى استعراضات زائدة كي تثبت وجودها. يكفيها لحن عذب، وكلمات خفيفة تشبه حكايات الحب اليومية، وصوت نجم يعرف كيف يحتفظ بشبابه الفني مهما تعاقبت السنوات.
راغب علامة، الذي عَبَرَ أجيالًا كاملة وما زال قادرًا على الوقوف في الصف الأول، لا يحاول في (مزاجية) أن يثبت أنه الأصغر سنًا، وإنما يثبت ما هو أهم: أنه الأكثر قدرة على التجدد دون أن يفقد ملامحه.
وبين (بتجنيني بتقهرني، ويا ويلي شو بحبا»، يصنع راغب معادلته الخاصة؛ حبيب يشكو من جنون محبوبته، ثم يستسلم أمام سحرها، في أغنية تعرف كيف تكون خفيفة دون أن تصبح سطحية، وعاطفية دون أن تغرق في النكد.
وهنا تحديدًا تكمن قيمة (مزاجية).. أنها جاءت في الوقت الذي أصبح فيه كثير من الغناء الصيفي يبحث عن (اللقطة) أكثر مما يبحث عن الأغنية، فجاء راغب ليذكّرنا بأن نسمة واحدة عذبة قد تكون أبلغ من عاصفة كاملة من الضجيج.
منذ أيام قليلة طرح سوبر ستار العرب (راغب علامه) الأغنية الثانية على التوالي التى يطرحها في موسم الصيف بعد أغنيته السابقة (كده، كده)، لكنه هذه المرة لم يكتف بطرح أغنيته الجديدة (مزاجية) كأغنية سينجل (منفردة).


صورة مبهرة مليئة بالحيوية
ولكنه صورها بطريقة الفيديو كليب، مع المخرج المبدع (علي ماجد)، الذي إستعان بشكل متميز جدا بتقنيات الذكاء الأصطناعي المتطورة جدا، وقدم لنا صورة مبهرة مليئة بالحيوية والبساطة والإنطلاق والتجدد، وساعده على هذا تجدد (راغب علامه) ومرونته.
أغنية (مزاجية) من كلمات وألحان جوليانو روكز، وتوزيع موسيقي فارس مسعد، وهي من النوع الإجتماعي العاطفي الخفيف، الذي يصور بدقة طبيعة العلاقات العاطفية المليئة بالتقلبات والغيرة والدلال.
وتعكس ببراعة ثنائية الحب والصراع العاطفي البسيط، وتقدم رسالة أن الحب الحقيقي لا يخلو من المنغصات والغيرة، لكن العاطفة الصادقة والتفاهم هما المفتاح للاستمرار والتحمل.
تدور الأغنية حول تيمة (الحب المتعب والمحبوب) حيث يتعامل الحبيب مع شريكة تتميز بتقلب المزاج والغيرة الشديدة والتردد، ورغم كل هذه الصعوبات والمشاكل اليومية التي تسببها، إلا أن الحب الجارف والتعلق الشديد بها يجعل البطل يتحمل طباعها ويسعى دائماً لرضاها.
التحليل النفسي والعاطفي الشريكة (المزاجية):
تتسم الحبيبة في أغنية (مزاجية) بـ تقلب المزاج الحاد (مزاجيّيه وكل يوم بعقليّي)، فهي متغيرة الأطوار ولا يمكن التنبؤ بردة فعلها، حيث تتصف بـ الغيرة المفرطة حتى من الطبيعة المحيطة (بتغار من الهوا)، وهذا ناتج عن تعلق شديد أو قلة ثقة مؤقتة.
وتمارس الحبيبة الدلال المتعمد ـ (بتدلّع ما إلا غيري)ـ، وتلعب دور الغامضة التي تدعي عكس ما تفكر فيه ـ (بتضل تقلّي بالي بغيرا، ومش عم فكّر فيها).
المحب (الراوي):
يتميز المحب في الأغنية بـ الصبر واحتواء الطرف الآخر ـ (بضل براضيها كل شوي بحكيها)، ودافعه الأساسي هو الرأفة بمشاعرها ورغبته في عدم رؤيتها حزينة (وما بيهون عليّي عيونا الحلوة إني بكيها)، واقع في غرامها لدرجة الاستسلام لجنونها (رح بتجنيني بتقهرني وما عم لاقيلا دوا، يا ويلي شو بحبا).

السمات الفنية للكلمات
تميزت كلمات الشاعر والملحن (جوليانو روكز) بالبساطة والقرب من الواقع، واستخدم في ذلك مفردات من الحياة اليومية الدارجة (اللهجة اللبنانية المحكية)، مما جعل النص سريع الوصول إلى قلوب المستمعين ويحاكي قصص الحب الحقيقية بعيداً عن التكلف.
وأبرز الشاعر الصراع الجميل بين التذمر المؤقت (رح بتجنيني بتقهرني) والرضا التام والوله (سرقت قلبي وعقلي وروحي).
وتبدأ الأغنية بوصف المشكلة اليومية والمناكفات (بتزعل مني وبتزعلني)، وتتدرج لتصل إلى ذروة الاعتراف بالحب والتعلق المطلق (هيدي هي أميرة عينيي).
كما تميزت كلماته بالبساطة قدم الملحن (جوليانو روكز) لحن بسيط وجذاب، واستغل المنطقة المحببة في صوت (راغب علامه) المتعودين عليها واشتغل منها، وكان ذكيا في استخدامه لمقام (الكرد على درجة الصول) والذي يتميز بصوته العذب والرقيق الذي يجذب المستمعين ويأسر قلوبهم.
ويُعد مقام الكرد مثاليًا للتعبير عن المشاعر العاطفية مثل الحب، والشجن، والأمل، كما أنه جسرًا ثقافيًا بين الشرق والغرب بفضل طابعه المرن والجذاب، ويمتاز بقدرته الفائقة على إيصال المشاعر بصدق وعذوبة، وهذا ما يتطلبه لحن (مزاجية).
أما التوزيع فقد لجأ الموزع الموسيقي (فارس مسعد) إلى الذكاء الأصطناعي (AI)، ظاهرة هذه الفترة، واشتغل منه، وقدم توزيع يليق باللحن ومناسب لبساطته، واتاح لعذوبة صوت راغب علامه أن تتضح بقوة.
راغب علامه الشباب والتجدد الدائم:
يُعد (راغب علامة) علامة فارقة في تاريخ الموسيقى العربية الحديثة، إذ استطاع طوال العقود الماضية أن يحافظ على مكانته في قمة الهرم الفني بفضل رؤيته الفنية المتجددة.
ولم يكتفِ بنجاحات الماضي، بل استطاع بحسّه الفني الرفيع مواكبة التطورات الموسيقية والشبابية، مقدماً أعمالاً تنبض بالحيوية وتبث طاقة إيجابية عالية، مما جعله فناناً عابراً للأجيال.

ربيع دائم في شجرة الأغنية
وتتميز غالبية أغاني (راغب علامة) بالإيقاعات الحيوية، والألحان الراقصة، والكلمات القريبة من القلب التي تعالج مواضيع الحب والعلاقات بنبرة متفائلة بعيدة عن الشجن المفرط، وساعده على ذلك قدرته الفريدة على دمج الأداء الطربي بالحضور المسرحي المفعم بالحيوية، مما جعل فنه مصدراً دائماً للبهجة والطاقة الإيجابية لجمهوره في مختلف أنحاء الوطن العربي.
في أحدث أعماله الغنائية (مزاجية)، يؤكد (سوبر ستار العرب) براعته الموسيقية واحترافه العالي عبر الغناء من مقام (الكرد على درجة الصول).
حيث وظّف (راغب علامة) خبرته الطويلة وطبقات صوته الدافئة للتحكم في مسارات مقام (الكرد على درجة الصول) ببراعة تامة، ناقشاً الكلمات بقالب لحني يجمع بين خفة الدم (المزاجية والتدلل) والرقة الطربية، ليقدم عملاً متكاملاً يؤكد استمرارية تألقه وابتكاره الموسيقي.
في النهاية (راغب علامه)، هو ربيع الأغنية العربية الدائم والمستمر، والعابر للأجيال بفضل تجدده الدائم، لذا تثبت (مزاجية) أن (راغب علامة) لا يحتاج إلى مطاردة الموضة كي يظل حاضرًا، ولا إلى افتعال الصخب كي يلفت الأنظار؛ يكفي أن يعود إلى جوهره:
صوت دافئ، لحن عذب، كلمة قريبة من القلب، وروح شابة ترفض أن تشيخ. وفي زمن أصبحت فيه بعض الأغنيات تولد للترند وتموت بعده بأيام، اختار راغب أن يقدم أغنية يمكن أن تعيش أبعد من موسمها.
لقد يغني راغب عن (المزاجية)، لكنه في الحقيقة يمارس لعبته القديمة مع الزمن؛ كلما ظن البعض أن زمنه انتهى، يعود بأغنية تقول إن النجومية الحقيقية لا تُقاس بعدد السنوات، وإنما بقدرة الفنان على أن يظل جديدًا في آذان جمهوره.
وهكذا يبقى راغب علامة، كما كان وكما يريد له جمهوره أن يظل: ربيعًا دائمًا في شجرة الأغنية العربية.. لا تسقط أوراقه مهما تعاقبت الفصول.