(محمد رمضان).. عندما يتحول (شو) النجومية إلى أزمة ويفشل الترند في إنقاذه!


كتب: مروان محمد
ما حدث في حفل (محمد رمضان) الأخير بالساحل الشمالي لم يعد مجرد لقطة عابرة من حفلات الصيف، أو (شو) زائد عن الحد يمكن أن يمر كما مرت عشرات اللقطات قبلها، وإنما تحول إلى أزمة دخلتكتب من بوابة النقابات الفنية نفسها.
ووصلت إلى مكتب نقيب المهن الموسيقية مصطفى كامل، الذي خرج هذه المرة من مساحة المجاملة، ووضع علاقته الشخصية بمحمد رمضان جانبًا، ليقول بوضوح: هناك حدود!
والأخطر أن مصطفى كامل لم يتحدث عن (محمد رمضان) بوصفه مطربًا أو نجمًا ينافس على التريند، وإنما بوصفه عضوًا في منظومة فنية يرى أن عليها التزامًا بقواعد وضوابط.
وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية.. فالنقيب الذي وصف رمضان بأنه (أخوه وصديقه وأخوه الصغير وفنان كبير) هو نفسه الذي اعترف بأنه لم يرد على اتصال (محمد رمضان) بعد الأزمة، قائلًا العبارة الأكثر إنسانية والأكثر قسوة في الوقت نفسه: (صحيت لقيت محمد طالبني، ولحد الآن ما رديتش عليه، لأني موجوع وزعلان).
جملة قصيرة، لكنها تقول الكثير!، لأن المشكلة هنا لم تعد بين نقيب وفنان، وإنما بين رجل يرى أنه وقف إلى جوار فنان يحبه، ثم فوجئ بتصرف لم يكن يتوقعه منه، واللافت أن مصطفى كامل تعمد أن يفصل بين موضوع التنظيم والزحام وبين ما اعتبره جوهر الأزمة، وقال صراحة إنه لا يتدخل في مسؤولية منظمي الحفل عن التكدس، وإنما اعتراضه الأساسي على السلوك فوق المسرح.
وبعبارة أخرى: المشكلة عند النقابة ليست أن (محمد رمضان) أقام حفلاً ناجحًا، ولا أن جمهوره كان بالآلاف، ولا أنه يعرف كيف يصنع عرضًا يلفت الأنظار.. المشكلة في ماذا فعل على المسرح وكيف ظهر أمام جمهوره.
وهنا يبدو أن المعركة بدأت تأخذ شكلًا أكثر حساسية.. عندما يصبح (الاستعراض) أزمة.. (محمد رمضان) بنى جانبًا كبيرًا من نجوميته على فكرة كسر المألوف، وعلى الاستعراض، والملابس، والرقص، والحرية المطلقة في تكوين الصورة التي يريد أن يظهر بها.


رفض خلع الملابس والتعري
وهذا جزء من (وصفة رمضان) التي يعرفها جمهوره جيدًا، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول كسر المألوف إلى صدام مع الضوابط التي تحكم العمل الفني في مصر.. ومصطفى كامل كان واضحًا عندما قال إنه يرفض خلع الملابس والتعري على المسرح، مؤكدًا أن القوانين واللوائح قد لا تستخدم هذه التعبيرات حرفيًا، لكنها تلزم العضو بحسن السير والسلوك واحترام العادات والتقاليد.
وهنا سؤال يستحق أن يطرح نفسه: هل أصبح الوصول إلى العالمية يعني بالضرورة أن نتخلى عن كل ما يميزنا؟.. مصطفى كامل يبدو أنه يجيب بالنفي، ويقول إنه ليس ضد الجديد، ولا ضد التطور، ولا ضد مواكبة العالم، لكنه يرفض فكرة أن تكون العالمية نسخة طبق الأصل من الغرب.
وهذه النقطة تحديدًا هي التي تجعل القضية أكبر من (خناقة حفلة)، فنحن أمام صدام قديم جدًا بين مفهومين: نجم يريد أن يقول: أنا حر في الصورة التي أقدم بها نفسي، ومؤسسة تقول: أنت حر، لكنك تعمل داخل منظومة لها قواعدها.
والمثير في الموضوع أن (محمد رمضان) ليس موجودًا في هذه الأزمة بنقابة واحدة فقط، فهو من الناحية العضوية تابع لنقابة المهن التمثيلية برئاسة أشرف زكي، بينما تحتاج أنشطته الغنائية والموسيقية إلى تصاريح من نقابة المهن الموسيقية.
وهنا تصبح المسألة أكثر تعقيدًا.. مصطفى كامل أكد أن حفلات (محمد رمضان) التي تتضمن نشاطًا موسيقيًا وغنائيًا تقع ضمن صلاحيات نقابة المهن الموسيقية، وأنه يمتلك صلاحية إيقاف حفلاته من ناحية التصريح الموسيقي، وفي المقابل، هناك تنسيق مع أشرف زكي باعتبار أن طبيعة بعض الفقرات تدخل أيضًا في نطاق اختصاص نقابة المهن التمثيلية.
أي أن رمضان هذه المرة وجد نفسه أمام شبكة رقابية نقابية مزدوجة، وليس أمام رأي فردي لنقيب غاضب، والأكثر دلالة أن مصطفى كامل كشف أنه امتنع عن اتخاذ إجراء منفرد تجاه الحفل المقبل احترامًا لأشرف زكي، مؤكدًا وجود تنسيق بين النقابتين.
لكن في الوقت نفسه تم توجيه تحذير شديد اللهجة إلى منظم الحفل المقبل، مع رسالة واضحة: تكرار الواقعة قد يعني عدم إصدار تصريح جديد، وهذه ليست مجرد (عتاب) إعلامي.. إنها ورقة ضغط حقيقية.

لا يليق بالعادات والتقاليد
وربما أكثر ما يكشف طبيعة الأزمة أن مصطفى كامل استشهد بواقعة سابقة تخص النجم راغب علامة، الذي تربطه به علاقة شخصية قوية، مؤكدًا أنه عندما رأى تصرفًا اعتبره لا يليق بالعادات والتقاليد، استدعاه وجرى التعامل معه نقابيًا، رغم صداقتهما.
وهنا يبعث مصطفى كامل برسالة شديدة الوضوح: النقابة ليست نادي أصدقاء.. يمكن للنقيب أن يحب الفنان، وأن يجلس معه، وأن يضحك معه، وأن يعتبره شقيقًا، لكن عندما يتعلق الأمر بعمله النقابي، فإن العلاقة الشخصية يفترض ألا تصبح جواز مرور.. وهذا تحديدًا ما يجعل جملته عن رمضان أكثر قسوة.
فهو لم يقل: (محمد رمضان)أخطأ وسأتجاوز، (بل قال: محمد أخويا.. لكني مكنتش منتظر منه الفعلة اللي قام بيها).
وفي لغة (شهريار النجوم): هذه ليست جملة نقيب غاضب فقط، وإنما جملة رجل شعر أن فنانًا يحبه وضعه في مواجهة الجمهور والنقابة والشارع.. رمضان دفع ثمن (الترند)؟
هنا نصل إلى السؤال الأصعب: هل (محمد رمضان) تعمد الاستفزاز لأنه يعرف جيدًا أن الجدل جزء من اللعبة؟.. من الصعب الجزم بالنوايا، لكن المؤكد أن (محمد رمضان) يعرف أكثر من أي فنان مصري آخر تقريبًا كيف يتحول المشهد الصادم إلى مادة للحديث على مواقع التواصل.
هو نجم أتقن معادلة بسيطة: كلما زادت الضجة.. زاد الحضور، لكن المشكلة أن هذه المعادلة قد تكون مفيدة عندما يكون الثمن مجرد انتقاد من الجمهور، لكنها تصبح خطرة عندما يدخل على الخط الترخيص النقابي.
وهنا يصبح السؤال: هل يستطيع رمضان أن يفرق بين (الجرأة الفنية) و(الاستفزاز من أجل الاستفزاز)؟.. لأن النجم الكبير لا يُقاس فقط بقدرته على جذب الأنظار، وإنما أيضًا بقدرته على معرفة اللحظة التي يقول فيها: هذا يكفي.. الأزمة في حقيقتها كشفت قضية أوسع من (محمد رمضان) نفسه.
فمسرح الحفلات المصرية أصبح خلال السنوات الأخيرة ساحة منافسة شرسة على تقديم صورة أكثر إثارة، وأكثر بهرجة، وأكثر قدرة على تصدر مواقع التواصل، ولم يعد الصوت وحده هو البطل؛ بل الملابس، والإضاءة، والرقص، والمؤثرات، والحركات، وكل ما يمكن أن يتحول إلى لقطة قابلة للاقتطاع والنشر.

من يثير الجدل أكثر؟
لكن حين تتحول الحفلة إلى سباق على (من يثير الجدل أكثر؟)، تصبح الحاجة إلى قواعد واضحة أكثر إلحاحًا.. فالمشكلة ليست في الاستعراض.. وليست في العالمية.. وليست حتى في الجرأة.. المشكلة في الحد الفاصل بين الجرأة والابتذال، وبين الحرية والفوضى، وبين الصورة العصرية والصورة التي تصطدم بثقافة المجتمع.. وهذا الحد لا يمكن أن يحدده الترند.
والسؤال إلى (محمد رمضان): يا محمد، أنت نجم كبير، وهذا أمر لا يحتاج إلى شهادة من أحد.. وجمهورك بالفعل كبير، كما قال مصطفى كامل نفسه.. لكن النجم الكبير لا تكون قيمته في قدرته على إشعال المسرح فقط، وإنما في قدرته على أن يعرف متى يشعل المسرح ومتى يحترم المكان والجمهور والمؤسسة التي تمنحه حق العمل.
قد تنجح في جعل آلاف الأشخاص يصورونك في دقيقة، وقد تنجح في أن تتصدر مواقع التواصل ليلة كاملة، لكن ماذا يبقى بعد أن ينطفئ ضوء المسرح؟.. هنا يبدأ الاختبار الحقيقي.
مصطفى كامل قال إنه يسعى إلى الحفاظ على الضوابط (لحد ما أمشي من مكاني)، وربما تكون هذه أهم جملة في الأزمة كلها.. لأنها تعني أن القضية بالنسبة إليه ليست معركة شخصية مع محمد رمضان، ولا حملة على فنان بعينه، وإنما محاولة لترسيم حدود يرى أنها بدأت تتآكل.
لكن يبقى السؤال الذي لن تجيب عنه النقابات وحدها: هل يستطيع محمد رمضان أن يكون عالميًا من دون أن يصبح نسخة من الآخر؟ وهل يستطيع أن يبقى (نمبر وان).. من دون أن يدفع كل مرة ثمنًا جديدًا للصدمة؟.. هذه المرة، يبدو أن الثمن لم يعد مجرد شائعة أو (ترند).. هذه المرة، النقابة نفسها قالت له: كفى!