(تراث نمير) يعلن التحدي: 5 قصائد فصحى تصطاد أذن الجيل الجديد!

كتبت: سما أحمد
هل يمكن للأغنية العربية الفصحى أن تعود من جديد إلى الواجهة، لا باعتبارها ضيفًا ثقيل الظل على أذن الجيل الجديد، وإنما باعتبارها صوتًا شابًا وجذابًا وقادرًا على المنافسة؟.. السؤال يبدو صعبًا، لكن الفنان (تراث نمير) قرر أن يجيب عنه بطريقته الخاصة، وبمشروع فني يحمل قدرًا كبيرًا من المغامرة والشجاعة، عنوانه (قولو لها).
في زمن تراجعت فيه مساحة القصيدة الفصحى داخل المشهد الغنائي، واكتفى كثيرون بتقديمها في قوالب تقليدية تضعها بعيدًا عن نبض العصر، يأتي تراث نمير ليقول ببساطة: الفصحى ليست من الماضي.. بل يمكن أن تكون ابنة اليوم والغد أيضًا!
ومن هنا يطل (تراث نمير) بميني ألبوم جديد يضم خمس قصائد غنائية، اختار أن يخاطب بها الجيل الجديد بلغته هو، لكن من دون أن يتنازل عن جمال اللغة العربية وجلالها، واضعًا الكلمات الفصحى فوق إيقاعات وتوزيعات موسيقية حديثة تمنحها روحًا مختلفة، وتفتح أمامها طريقًا جديدًا إلى أذن المستمع.
الألبوم الذي يحمل اسم (قولو لها) لا يبدو مجرد مجموعة من الأغنيات التي تم تسجيلها ووضعها في ألبوم، وإنما يبدو أقرب إلى بيان فني صغير يعلن من خلاله تراث نمير عن هويته ومشروعه، ويؤكد أنه لا يريد أن يسير في الطريق السهل أو يكرر ما يفعله الآخرون.
ويضم الألبوم خمس قصائد، لكل واحدة منها عالمها الخاص: (قولو لها، كلمات إيمان أمين، وألحان وتوزيع موسيقي تراث نمير، قف يا شبابي) كلمات أمجد الطائي، وألحان وتوزيع موسيقي تراث نمير، (هل تعلم) كلمات عبدالله ال رحمه، وألحان وتوزيع موسيقي تراث نمير، (يا حبًا) كلمات عبدالله ال رحمه، وألحان وتوزيع موسيقي تراث نمير، (عندها) كلمات مرتضى التميمي، وألحان وتوزيع موسيقي تراث نمير.

قيمة تراثية محفوظة
واللافت أن (تراث نمير) لم يكتف بالغناء، لكنه تولى بنفسه الألحان والتوزيع الموسيقي للأغنيات الخمس، وهو ما يكشف بوضوح عن رغبته في أن يكون المشروع نابعًا من رؤيته الخاصة، وليس مجرد صوت يؤدي كلمات وألحانًا صاغها آخرون.
وهنا تحديدًا تكمن خصوصية (قولو لها)، فالفكرة ليست في تقديم الفصحى باعتبارها قيمة تراثية محفوظة داخل متحف، وإنما إعادة إطلاقها في الشارع الفني بروح جديدة.
(تراث نمير) يبدو في هذا المشروع وكأنه يريد أن يمسك بيد جيل كامل ويقول له: هذه لغتك.. وهذه قصيدتك.. وهذه الموسيقى التي يمكن أن تسمعها من خلالها بشكل مختلف!
وقد تم تنفيذ الألبوم في شركة ألحان برودكشن – دبي، بينما تولّى المخرج والمونتير المصري هادي كوتي إخراج فيديوهات الكليب وتصميم الفيديو، بما يضيف إلى المشروع بعدًا بصريًا يسعى إلى مواكبة لغته الموسيقية المعاصرة.
لكن الحكاية لا تتوقف عند حدود الألبوم نفسه، لأن (قولو لها) يحمل في داخله أيضًا رسالة وفاء فنية نادرة؛ فالمشروع يأتي امتدادًا لسلسلة أعمال (حلم الزمن الرفيد)، للموسيقار الراحل فاروق هلال، الذي كان مشرفًا على الألبوم.
وهنا يصبح المشروع أكثر من مجرد خطوة جديدة في مشوار (تراث نمير)، إذ يتحول إلى جسر يصل بين جيلين؛ جيل صنع للكلمة العربية مكانًا في الموسيقى، وجيل جديد يحاول أن يمنح هذه الكلمة حياة أخرى بلغة العصر.
ولهذا يهدي (تراث نمير) ألبومه إلى روح الموسيقار الراحل فاروق هلال، وفاءً لدوره وإشرافه على المشروع، ورغبة في أن يظل اسمه حاضرًا في وجدان الجمهور العربي، ليس فقط باعتباره اسمًا من الماضي، ولكن باعتباره جزءًا من مشروع فني يواصل الطريق ولا يكتفي بتذكره.
(قولو لها) إذن ليس ألبومًا يخشى المستقبل، بل على العكس تمامًا؛ هو ألبوم ينظر إلى المستقبل في عينيه، فتراث نمير لا يقدم الفصحى للجمهور على طريقة الأمس، ولا يحاول أن يجعل الشباب يعودون إلى الوراء، وإنما يسعى لأن يجعل التراث يمشي إلى الأمام.

المفاجأة الحقيقية في التجربة
وهذه هي المفاجأة الحقيقية في التجربة: أن تجد فنانًا شابًا يختار من بين كل الطرق السهلة طريقًا أكثر صعوبة، ويقرر أن يخوض مغامرته مع القصيدة العربية الفصحى، ثم يمنحها ألحانًا وتوزيعات حديثة، ويضعها في مشروع قصير ومكثف لا يحتمل الحشو.
وإذا كان كثير من المطربين يبحثون عن الأغنية الأسرع انتشارًا، فإن تراث نمير يبدو مشغولًا بسؤال آخر أكثر أهمية: كيف نصنع أغنية تبقى؟.. ومن هنا يمكن النظر إلى (قولو لها) باعتباره محاولة لإعادة تعريف علاقة الشباب بالفصحى، والتأكيد على أن اللغة الجميلة ليست عدوًا للإيقاع الحديث، وأن القصيدة ليست بالضرورة نقيضًا للروح الشبابية.
بل ربما تكون المسألة كلها في الطريقة التي نقدم بها الأشياء.. وهذا بالضبط ما يراهن عليه (تراث نمير)، فإذا نجح في أن يجعل شابًا في مقتبل العمر يستمع إلى (قولو لها، أو قف يا شبابي، أو يا حبًا) ويشعر أن الفصحى تخاطبه هو، لا أن أحدًا يلقنه درسًا في اللغة، فهنا يكون قد حقق إنجازًا أكبر بكثير من مجرد طرح ميني ألبوم.
لقد بدأ (تراث نمير) من القصيدة، لكنه في الحقيقة يخوض معركة على مساحة أوسع:: معركة إعادة تقديم الأغنية العربية الأصيلة لجيل جديد دون أن تفقد روحها، وهنا تستحق تجربته أن تُرى بعيدًا عن ضجيج الأغاني السريعة، لأن ما يقدمه ليس مجرد محاولة لاستعادة الماضي، بل محاولة لصناعة مستقبل مختلف للأغنية العربية.
وفي زمن أصبح فيه كل شيء سريعًا، ربما تكون خمس قصائد فقط كافية أحيانًا لتقول الكثير، وربما يكون أهم ما قاله تراث نمير من خلال (قولو لها): إن الفصحى لم تمت.. إنها فقط كانت تنتظر من يمنحها صوتًا جديدًا.