رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

(خوفو) يرفع راية السينما المصرية في لوكارنو.. الفهد الفضي يكتب شهادة ميلاد محمود عاصي

(خوفو) يرفع راية السينما المصرية في لوكارنو.. الفهد الفضي يكتب شهادة ميلاد محمود عاصي
إنجاز لافت يأتي من التجربة الإخراجية الأولى للمخرج المصري محمود عاصي

كتب: مروان محمد

في واحدة من اللحظات التي تمنح السينما المصرية سببًا جديدًا للفخر، استطاع الفيلم المصري القصير (خوفو) أن يحصد جائزة الفهد الفضي (Pardino d’Argento Arts3 Foundation for the International Competition)  ضمن المسابقة الدولية للدورة الـ 79 من مهرجان لوكارنو السينمائي الدولي، في إنجاز لافت يأتي من التجربة الإخراجية الأولى للمخرج المصري محمود عاصي.

اللافت في تجربة (خوفو) أن الفيلم لم يدخل لوكارنو باعتباره مجرد عمل أول لمخرج شاب، وإنما استطاع منذ عرضه أن يفرض لغته السينمائية الخاصة، وأن يحول حكاية شديدة المحلية إلى سؤال إنساني مفتوح يتجاوز حدود المكان والجغرافيا.

وعُرض الفيلم ثلاث مرات ضمن المسابقة الرسمية للمهرجان، أيام 8 و9 و10 أغسطس، وسط حضور جماهيري لافت، وتفاعل نقدي وجماهيري مع التجربة وصناعها.

تدور أحداث (خوفو) في نزلة السمان، ذلك المكان الذي تتجاور فيه الحياة اليومية مع ثقل التاريخ، وتبدو فيه الأهرامات خلف البيوت وكأنها شاهد أبدي على حيوات تتغير بينما يظل المكان محتفظًا بأسراره.

وفي قلب هذا العالم يظهر سيد، صبي في الرابعة عشرة من عمره، يعيش صراعًا أكبر من سنه؛ فهو ممزق بين ما يفرضه المجتمع من قواعد وتقاليد، وبين حبه الصامت لجمل عائلته المريض.

لكن الجمل هنا ليس مجرد حيوان داخل الحكاية، وإنما يتحول إلى مرآة لمشاعر الصبي، وإلى رمز للوفاء والارتباط والرحمة في مواجهة عالم لا يمنح دائمًا فرصة كافية للضعفاء.

ومن خلال علاقة سيد بالجمل، يطرح الفيلم أسئلة شديدة القسوة والبساطة في آن واحد: إلى أي مدى يستطيع الإنسان أن يتمسك بما يحب عندما يصبح البقاء نفسه اختبارًا؟ وكيف يمكن لطفل أن يحتفظ بإنسانيته في مجتمع تفرض فيه الضرورة والتقاليد شروطها القاسية؟

وهنا تكمن إحدى نقاط قوة (خوفو)، إذ لا يتعامل مع المكان باعتباره خلفية سياحية للأهرامات، وإنما باعتباره شخصية أساسية في الدراما؛ فالغبار، والبيوت، والحيوانات، والطرقات، وحركة الناس، كلها تدخل في تشكيل العالم النفسي للبطل.

(خوفو) يرفع راية السينما المصرية في لوكارنو.. الفهد الفضي يكتب شهادة ميلاد محمود عاصي
يصبح (خوفو) نموذجًا واضحًا لأهمية برامج اكتشاف المواهب ودعم الأفلام القصيرة

سينما تبحث عن الإنسان

المخرج محمود عاصي يلخص علاقته بالفيلم بقوله: (السينما هي أرشيف حي لأسئلتنا ومشاعرنا الإنسانية، وفيلم خوفو هو مساهمتي الأولى في هذا الأرشيف الكبير والعظيم).

وهو تصريح يكشف بوضوح عن طبيعة الرؤية التي ينطلق منها الفيلم؛ فالمشروع لا يبدو معنيًا فقط بسرد حكاية، وإنما بمحاولة تسجيل إحساس إنساني قد يكون عابرًا في الحياة، لكنه يصبح خالدًا حين تلتقطه الكاميرا.

وتزداد أهمية الجائزة بالنسبة لعاصي لأنها تأتي في أولى خطواته الإخراجية، ومن بوابة واحدة من أعرق التظاهرات السينمائية العالمية، لتمنح تجربته المبكرة شهادة اعتراف دولية وتضع اسمه ضمن جيل جديد من صناع السينما المصرية الذين يحاولون البحث عن لغة مختلفة بعيدًا عن القوالب الجاهزة.

الإنجاز لا يتوقف عند محمود عاصي، ففوز (خوفو) بالفهد الفضي يلفت النظر مرة أخرى إلى قدرة السينما المصرية المستقلة والقصيرة على الوصول إلى المنصات العالمية عندما تتوافر لها الرؤية والإنتاج القادر على حمايتها.

والأهم أن الفيلم خرج إلى النور بدعم من برنامج الأغذية العالمي  (WFP)، بعد فوزه في مسابقة الفيلم القصير التي أطلقها البرنامج بالتعاون مع شركة (زست) ومهرجان الجونة السينمائي، بهدف دعم صناع الأفلام أصحاب الرؤى المميزة وتقديم قصص إنسانية أصيلة إلى جمهور أوسع.

وهنا يصبح (خوفو) نموذجًا واضحًا لأهمية برامج اكتشاف المواهب ودعم الأفلام القصيرة، باعتبارها ليست مجرد مساحة تدريبية للمخرجين الشباب، وإنما يمكن أن تكون بوابة حقيقية إلى المهرجانات الدولية الكبرى.

ولأن الحيوان يمثل عنصرًا أساسيًا في الدراما، لم يكن تصوير الفيلم في نزلة السمان أمرًا سهلًا؛ إذ تطلب التعامل مع الجمل داخل بيئة حضرية ترتيبات خاصة لضمان سلامة الحيوان وفريق العمل.

واستعان الإنتاج بأطباء بيطريين متخصصين ومدرب حيوانات محترف طوال فترة التصوير، لضمان التعامل مع الجمل بأقصى درجات العناية والمسؤولية في جميع المشاهد.

وهذه التفاصيل الإنتاجية ربما تبدو صغيرة، لكنها تكشف عن وعي بأن الواقعية التي يبحث عنها الفيلم لا ينبغي أن تأتي على حساب سلامة المشاركين في صناعة العمل.

(خوفو) يرفع راية السينما المصرية في لوكارنو.. الفهد الفضي يكتب شهادة ميلاد محمود عاصي
(خوفو) هو ثمرة تعاون إنتاجي متعدد الجنسيات، من إنتاج شركتي (زست، وفيج ليف)

تعاون مصري ـ دولي

(خوفو) هو ثمرة تعاون إنتاجي متعدد الجنسيات، من إنتاج شركتي (زست، وفيج ليف)، بمشاركة (كيت آند كرو، وفيلمروتس، أوبجيكتف 9)، بقيادة المنتجين عبد الله دنيور ومارك لطفي، وبمشاركة المنتجين مينا نبيل، ومحمود عاصي، وبهيجة السوسي، وصموئيل جانيون.

كما يشارك في الإنتاج كل من (ريو ميديا)، و(ديوبيريز فيلمز)، و(ذا فلوك)، في تعاون يجمع صناعًا من مصر وفرنسا والسويد وكندا.

ويضم فريق العمل مدير الإنتاج فهمي النجار، ومدير التصوير كريم مارولد، والمونتير سمير رضوان، ومصحح الألوان مينا نبيل، ومصمم الديكور إبرام ستيفن، ومصمم الصوت والمكساج مايكل فوزي، ويشارك في البطولة هنادي عبد الخالق ومحمد البدري، إلى جانب إبراهيم أحمد وهاليانا بتروفا.

ربما تكون المفارقة الأجمل في (خوفو) أن الفيلم لم يحتج إلى مغادرة البيئة المصرية حتى يصل إلى العالم؛ بل فعل العكس تمامًا.

ذهب إلى نزلة السمان، إلى طفل صغير، إلى جمل مريض، إلى مجتمع له عاداته وضغوطه، ثم بحث داخل هذه التفاصيل المحلية عن أسئلة يعرفها الإنسان في كل مكان: الحب، والخوف، والوفاء، والقسوة، والاختيار، والرغبة في البقاء.

وهنا تحديدًا تكمن قيمة الإنجاز.. فالعالم لا يبحث دائمًا عن السينما التي تشبهه، وإنما عن السينما التي تستطيع أن تكشف له عالمًا آخر، ثم تجعله يكتشف نفسه داخله.

ومن نزلة السمان إلى لوكارنو، يكتب (خوفو) فصلًا جديدًا في رحلة السينما المصرية، ويمنح مخرجه محمود عاصي بداية شديدة القوة لمسيرته، بينما يؤكد في الوقت نفسه أن الأفلام القصيرة ليست مجرد محطة عابرة قبل الفيلم الطويل، وإنما يمكن أن تكون هي نفسها مساحة مكتملة للدهشة، والتجريب، والقول السينمائي.

الفهد الفضي ليس نهاية الرحلة.. لكنه بالتأكيد بداية تستحق أن ننتظر بعدها كثيرًا من محمود عاصي.

👀 Views:

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.