(قضية للحوار) حين يصبح القانون حكاية إنسانية ويصبح الحوار طريقًا إلى الوعي

كتب: محمد جاب الله
في عالم أصبحت فيه القضايا الاجتماعية والقانونية تُختزل أحيانًا في منشور قصير أو مقطع فيديو مبتور، وفي وقت بات فيه الرأي العام قادرًا على إصدار الأحكام قبل اكتمال المعلومات، تكتسب البرامج التي تمنح القضية حقها في الفهم والتحليل أهمية مضاعفة.. من هنا تأتي تجربة برنامج (قضية للحوار) على شاشة تلفزيون الشارقة.
البرنامج يأتي باعتباره محاولة للانتقال بالقضية القانونية من كونها مجرد واقعة تستدعي التعليق، إلى مساحة أوسع لفهم الإنسان والمجتمع والقانون، و(قضية للحوار) هنا لا يتعامل مع القانون بوصفه مجموعة من المواد والنصوص المجردة، وإنما يضعه داخل سياقه الحقيقي: (حياة الناس، علاقاتهم، خلافاتهم، حقوقهم، ومسؤولياتهم.
القضية ليست مجرد ملف.. فالفكرة الأساسية التي ينطلق منها (قضية للحوار) تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها عميقة في مضمونها: ماذا يحدث عندما نضع الواقعة أمام القانون، ثم ننظر إليها من جديد بعين المجتمع والإنسان؟، ولهذا يعتمد برنامج (قضية للحوار) على وقائع وقصص حقيقية، لا باعتبارها مادة للفرجة أو الإثارة، وإنما باعتبارها مدخلًا لطرح أسئلة أوسع.
فكل قضية تحمل خلفها أسبابًا وتفاصيل وملابسات، وقد تكشف في بعض الأحيان عن مشكلة اجتماعية أكبر من حدود الملف القانوني نفسه، ومن هنا يصبح السؤال ليس فقط: من المخطئ ومن المصيب؟.. بل أيضًا: كيف وصلت الأمور إلى هذه النقطة؟ وما الذي كان يمكن فعله لتجنبها؟ وما الحقوق التي يحميها القانون؟ وما المسؤوليات التي يفرضها؟
ويقود الإعلامي عبد الله عبدالكريم الريسي حلقات البرنامج بأسلوب يقوم على الهدوء وإدارة النقاش بعيدًا عن الصخب، وهذه المساحة تحديدًا تمنح (قضية للحوار) طابعًا مختلفًا؛ فالهدف ليس الانتصار لرأي على حساب آخر، ولا تحويل القضية إلى مواجهة تلفزيونية، وإنما إتاحة الفرصة أمام القضاة والخبراء والمتخصصين لقراءة التفاصيل من زوايا متعددة.
فرنامج (قضية للحوار) يضع المشاهد أمام أكثر من تفسير، ثم يترك له مساحة لفهم الصورة كاملة، وهذا النوع من الحوار يكتسب أهمية خاصة في القضايا التي تتداخل فيها العاطفة مع القانون؛ لأن الانطباع الشخصي قد يكون سريعًا، بينما الحقيقة القانونية تحتاج إلى معرفة وتدقيق وسياق.

من لغة النصوص إلى لغة الحياة
واحدة من أهم التحديات التي تواجه أي محتوى قانوني هى الفجوة بين لغة القانون ولغة الجمهور، فالمصطلح القانوني الذي يبدو واضحًا للمختص قد يكون غامضًا بالنسبة إلى المواطن العادي، وكذلك الإجراءات التي تبدو بديهية لرجل القانون قد تحتاج إلى شرح مبسط لمن يواجهها للمرة الأولى.
وهنا يحاول (قضية للحوار) أن يؤدي دور الوسيط بين عالمين: عالم النصوص والتشريعات، وعالم الحياة اليومية.. فالمعلومة لا تُقدم لمجرد المعرفة، وإنما لكي يعرف المشاهد كيف يفهم حقه، وكيف يؤدي واجبه، وإلى أين يتجه عندما يواجه نزاعًا أو مشكلة ذات طابع قانوني.
خلف كل قضية إنسان.. لكن القيمة الحقيقية للبرنامج لا تتوقف عند القانون.. فالقضية القانونية في النهاية ليست أوراقًا ومحاضر فقط؛ خلفها إنسان قد يكون خسر علاقة، أو تعرض لخلاف، أو اتخذ قرارًا خاطئًا، أو وجد نفسه في موقف لم يكن يتوقع الوصول إليه.
ومن هنا يفتح البرنامج الباب أمام البعد الاجتماعي والإنساني للقضايا.. لماذا تنتشر بعض النزاعات؟.. كيف تؤثر الضغوط الاجتماعية في القرارات؟.. متى يتحول الخلاف البسيط إلى أزمة قانونية؟.. وهل يمكن للوعي أن يمنع الوصول إلى قاعة المحكمة قبل أن تبدأ القضية أصلًا؟
هذه الأسئلة تجعل البرنامج أقرب إلى قراءة في المجتمع من خلال مرآة القانون، في مواجهة (محكمة السوشيال ميديا.. ربما تأتي أهمية (قضية للحوار) أيضًا من كونه يقدم نموذجًا مختلفًا عن الطريقة التي أصبحت بها القضايا تُناقش عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
هناك، يمكن أن تتحول واقعة مدتها دقائق إلى قضية رأي عام، وقد تصبح رواية واحدة كافية لبناء موقف كامل، بينما يتم تجاهل التفاصيل التي لا تظهر أمام الكاميرا.. أما هنا، فالمساحة مختلفة.. لا حكم قبل الفهم، ولا فهم كامل دون الاستماع، ولا قراءة قانونية صحيحة دون الرجوع إلى أهل الاختصاص.
وهذا لا يعني إلغاء الرأي العام، وإنما إعادة وضعه في مكانه الطبيعي: الرأي حق، لكن الفصل في النزاعات والقضايا من اختصاص الجهات القانونية والقضائية المعنية.

القانون بوصفه ثقافة مجتمعية
من أهم ما يمكن أن يقدمه برنامج من هذا النوع أنه يساعد في تحويل القانون من معرفة نخبوية إلى ثقافة عامة.. فالمجتمع الأكثر وعيًا بالقانون ليس بالضرورة المجتمع الذي تكثر فيه القضايا، وإنما المجتمع الذي يعرف أفراده حدود حقوقهم، ويفهمون مسؤولياتهم، ويدركون أن بعض النزاعات يمكن حلها بالوعي قبل أن تتحول إلى خصومة.
وهنا يصبح البرنامج جزءًا من عملية توعية أوسع؛ لأنه لا ينتظر أن يواجه الإنسان المشكلة حتى يبحث عن القانون، وإنما يضع المعرفة أمامه قبل أن يحتاج إليها.
(قضية للحوار).. فلسفة عنوان.. ربما لهذا السبب يبدو عنوان البرنامج موفقًا في اختزال فكرته.. ليست (قضية للحكم) وإنما (قضية للحوار)، والفرق بين الكلمتين كبير.. الحكم يغلق الباب، بينما الحوار يفتحه.. الحكم يقول: هذه هي النتيجة.. أما الحوار فيسأل: لماذا حدثت الواقعة؟ وما خلفياتها؟ وما القانون الذي يحكمها؟ وما الدروس التي يمكن أن نتعلمها منها؟
ومن هنا تتحول القضية من نهاية إلى بداية؛ بداية لفهم أعمق للواقع، ويأتي (قضية للحوار) ضمن المحتوى الذي يقدمه تلفزيون الشارقة، انطلاقًا من اهتمامه بالقضايا التي ترتبط مباشرة بحياة المجتمع، مع الاعتماد على المتخصصين وأصحاب الخبرة.
وفي هذه التجربة، لا تبدو الغاية مجرد جذب المشاهد إلى قصة مثيرة، وإنما إعطاؤه أدوات لفهمها.. وهذه ربما تكون القيمة الأهم في زمن كثرت فيه المعلومات، لكن قلّت فيه أحيانًا القدرة على التمييز بين المعلومة والانطباع، وبين الحقيقة والرواية، وبين الحق القانوني والحكم الشخصي.
في النهاية، لا يقدم (قضية للحوار) القانون باعتباره سلطة بعيدة عن الناس، وإنما يحاول أن يضعه في قلب الحياة اليومية.. فكل خلاف قد يحمل سؤالًا قانونيًا، وكل مشكلة قد تكشف نقصًا في الوعي، وكل قضية يمكن أن تكون درسًا إذا عرفنا كيف نقرأها.
ولهذا فإن (قضية للحوار) لا يسأل فقط: ماذا حدث؟.. بل يذهب إلى السؤال الأهم:
لماذا حدث؟ وكيف نفهمه؟ وماذا يمكن أن نتعلم منه؟.. وهنا تحديدًا يتحول الحوار من مجرد أسلوب تلفزيوني إلى أداة لبناء وعي قانوني ومجتمعي أكثر نضجًا.