
بقلم الناقدة: علا السنجرى
في ليالي مهرجان القلعة للموسيقى والغناء، لا تأتي الموسيقى وحدها إلى المسرح؛ أحيانًا تأتي معها أعمار كاملة، ووجوه غابت، وذكريات كنا نظن أننا نسيناها، ثم تكفي نغمة واحدة كي تفتح لها الباب من جديد.. وهكذا كان لقاء (شريف منير) وجمهوره في ليلة حملت عنوان (نوستالجيا) بمسرح المحكى بالقلعة.
لم تكن (شريف منير) حفلة مجرد استعادة لأغانٍ وألحان من زمن مضى، بل كانت محاولة جميلة لاسترداد إحساس كامل اسمه الذاكرة.
(شريف منير)، الذي عرفناه ممثلًا قبل أن نكتشف الموسيقي الذي يسكنه، وقف على المسرح كمن يفتح صندوقًا قديمًا للموسيقى، ويخرج منه شيئًا بعد آخر، دون افتعال أو استعراض. كانت فرقته شريكًا حقيقيًا في صناعة الحالة؛ موسيقيون يعرفون أن النوستالجيا ليست في الأغنية وحدها، وإنما في الطريقة التي تُستعاد بها.
وكان من أجمل لحظات الحفل تقديم موسيقى فيلم (عريس من جهة أمنية)، تلك الموسيقى التي تحمل في داخلها شيئًا من خفة السينما المصرية ودفء تفاصيلها، وفجأة لا تعود الموسيقى مجرد خلفية لفيلم، بل تصبح ذاكرة مستقلة، تذكّرنا بضحكة، بمشهد، بقاعة سينما، أو بسنوات كانت الحياة فيها أكثر بساطة وأقل سرعة.
ثم جاءت الأغنيات التي يعرفها القلب قبل الأذن: (المليونيرات، حبيبي يا عاشق، صغيرة على الحب، طائر يا هوا)، لتمنح السهرة وجوهًا متعددة؛ مرة نبتسم، ومرة نستسلم للحنين، ومرة نكتشف أن أغنية قديمة ما زالت قادرة على أن تقول لنا شيئًا جديدًا.

أصوات شابة تمتلك موهبة حقيقية
لكن المفاجأة الأجمل لم تكن في أغاني (شريف منير) وحدها، وإنما في الأصوات التي حملتها، مع أحمد نادر وماريز و سمر ،أخذت النوستالجيا شكلًا آخر.. أصوات شابة تمتلك موهبة حقيقية وحضورًا قادرًا على الاقتراب من الأغنيات القديمة دون أن يتحولا إلى مجرد نسخة من أصحابها، وهذه نقطة مهمة؛ لأن إعادة تقديم الأغنية القديمة لا تنجح بالتقليد، وإنما تنجح حين يمنحها المطرب شيئًا من روحه.
أحمد نادر بدا وكأنه يعرف كيف يترك مسافة بينه وبين الأغنية؛ لا يطغى عليها ولا يسمح لها بأن تبتلعه. أما ماريز فكان لصوتها ذلك الدفء الذي يجعل الأغنية تبدو وكأنها كُتبت لهذه اللحظة، لا لزمن آخر.
وهنا تكمن قيمة (نوستالجيا) الحقيقية: أن تستعيد الماضي دون أن تسجنه في الماضي، فالموسيقى الجيدة لا تعيش في تاريخها فقط، بل تعيد اكتشاف نفسها كلما انتقلت من صوت إلى صوت، ومن جيل إلى جيل. وربما لهذا بدا (شريف منير) في هذه الليلة أقرب إلى (حارس ذاكرة) منه إلى مجرد موسيقي يقدم حفلة، كان يعرف أن الجمهور لم يأتِ ليسمع فقط،جاء ليتذكر.
ليستعيد شيئًا من نفسه تركه في أغنية، أو فيلم، أو لحن، أو زمن كان يمر ببطء قبل أن تتسارع الأيام.
وفي القلعة، حيث الحجر العتيق يراقب أجيالًا متعاقبة، بدت فكرة (نوستالجيا) أكثر منطقية من أي مكان آخر،اختيار القلعة لاحتضان مهرجان الغناء والموسيقى ليس مجرد اختيار لمكان، بل هو لقاءٌ جميل بين التاريخ والفن؛ حيث تتجاور عراقة الحجر مع سحر النغم، فتتحول الموسيقى إلى حكاية تُروى تحت سماء القاهرة، ويصبح المكان نفسه جزءًا من متعة الحفل وذاكرته.
هناك، بين التاريخ والموسيقى والليل، يصبح الماضي حاضرًا بلا استئذان، (شريف منير) لم يقدم حفلة تقول لنا إن الزمن الجميل انتهى، بل قدم ليلة تقول شيئًا أكثر جمالًا: إن الزمن الجميل لا يموت ما دامت هناك موسيقى تعرف الطريق إلى القلب.

ذاكرة جمهور كامل
وما بين موسيقى (عريس من جهة أمنية)، وأغنيات (المليونيرات، حبيبي يا عاشق، صغيرة على الحب، طائر يا هوا)، وأصوات أحمد نادر وماريز لحود، كانت القلعة في تلك الليلة لا تستضيف حفلة فحسب؛ كانت تستضيف ذاكرة جمهور كامل.
ذاكرة لا تحتاج إلى تاريخ ميلاد.. يكفيها لحن واحد.. فتعود بنا الموسيقى إلى حيث كنا.. وإلى حيث ما زال جزء منا يعيش حتى الآن.
المفارقة الجميلة أن كل هذا الحنين حدث في مكان تاريخي، فمسرح المحكى نفسه يحمل طبقة من الذاكرة، وعندما تلتقي جدران القلعة القديمة مع موسيقى وأغنيات ارتبطت بأجيال مختلفة، يصبح المكان كأنه شريك في الحكاية.. ولهذا بدت السهرة كأنها لقاء بين تاريخ القاهرة وتاريخ الأغنية.. حاضر يقف فوق المسرح، وماضٍ يعيش في أذن الجمهور.