رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

(هاني شنودة).. رحيل الموسيقار الذي فجر ثورة غيرت شكل الأغنية المصرية

(هاني شنودة).. رحيل الموسيقار الذي فجر ثورة غيرت شكل الأغنية المصرية

(هاني شنودة).. رحيل الموسيقار الذي فجر ثورة غيرت شكل الأغنية المصرية
أعاد كتابة ملامح الأغنية المصرية، لا بالألحان وحدها، بل بالأفكار التي سبقت زمنها
(هاني شنودة).. رحيل الموسيقار الذي فجر ثورة غيرت شكل الأغنية المصرية
محمد حبوشة

بقلم الكاتب الصحفي: محمد حبوشة

في تاريخ الموسيقى المصرية أسماء كثيرة صنعت الألحان، وأسماء أخرى صنعت النجوم، لكن قلة قليلة استطاعت أن تصنع عصرا كاملا، ومن بين هؤلاء يقف الموسيقار الذي رحل عن عالمنا اليوم (هاني شنودة) شامخًا، لا باعتباره مجرد ملحن أو موزع موسيقي، بل باعتباره مهندسًا لثورة موسيقية غيرت شكل الأغنية المصرية، وفتحت أبوابًا جديدة أمام أجيال كاملة من المطربين والموسيقيين.

في صباحٍ بدا أكثر هدوءًا من المعتاد، فقدت الموسيقى المصرية واحدًا من آخر فرسانها الكبار، رحل الموسيقار (هاني شنودة) عن عمر ناهز 83 عامًا، بعد أكثر من ستة عقود ظل خلالها يعيد كتابة ملامح الأغنية المصرية، لا بالألحان وحدها، بل بالأفكار التي سبقت زمنها، وبالمواهب التي آمن بها قبل أن يعرفها الجمهور.

وعلى الرغم من حياته المليئة بالإبداع لم يكن (هاني شنودة) يبحث عن الشهرة، بل كان يبحث عن صوت مختلف.. عن موسيقى تستطيع أن تخرج من حدود القوالب التقليدية، وتمنح المستمع إحساسًا بأن الزمن يتغير، وأن الأغنية المصرية قادرة على أن تحاور العالم دون أن تفقد هويتها.

عندما غادر الموسيقار (هاني شنودة) عالمنا، صباح اليوم الاثنين 20 يوليو، لم تفقد مصر ملحنًا أو موزعًا موسيقيًا فحسب، بل ودعت أحد أهم العقول التي أعادت رسم ملامح الأغنية المصرية، وفتحت أمامها أبواب الحداثة دون أن تنتزع منها روحها الشرقية.

رحل الرجل الذي كان يرى الموسيقى بطريقة مختلفة، ويؤمن بأن النغمة لا تُقاس بعدد الآلات، بل بقدرتها على البقاء في الوجدان.. فقد كان يعرف أن المستقبل يبدأ بفكرة، وأن الفكرة تحتاج إلى من يجرؤ على تنفيذها.

في مدينة طنطا، التي أنجبت عشرات المبدعين، ولد (هاني شنودة) عام 1943، وسط بيئة جمعت بين الثقافة والفن، فشب وهو يستمع إلى الموسيقى كما يستمع الطفل إلى حكايات أمه.

(هاني شنودة).. رحيل الموسيقار الذي فجر ثورة غيرت شكل الأغنية المصرية

(هاني شنودة).. رحيل الموسيقار الذي فجر ثورة غيرت شكل الأغنية المصرية
كانت طنطا مدينة لا تصنع العلماء فقط، بل تخرج منها نجوم الفن أيضًا؛

مدينة تصنع نجوم الفن

كانت طنطا يومها مدينة لا تصنع العلماء فقط، بل تخرج منها نجوم الفن أيضًا؛ أمينة رزق، ومحمد فوزي، وهدى سلطان، ونعيمة عاكف، وزهرة العلا، وعازف الكمان الكبير عبده داغر، بل وحتى عبد الحليم حافظ قضى فيها فترة مدرسًا للموسيقى.. وسط هذا المناخ، نما حلم الطفل الذي قرر أن يجعل الموسيقى لغة حياته.

التحق بكلية التربية الموسيقية، وتخرج عام 1966، لكنه لم يكن يريد وظيفة مستقرة، بل كان يبحث عن صوت جديد، وعن موسيقى لم يسمعها الناس من قبل.

في آواخر الستينيات، انضم إلى فرقة (القطط الصغيرة –  (Les Petits Chats  مع مجموعة من الشباب الذين أصبحوا لاحقًا من رموز الموسيقى، بينهم عزت أبو عوف وعمر خيرت، كانت الفرقة تعزف الروك والموسيقى الغربية، وتسافر إلى لبنان وسوريا، بينما يحلم أفرادها بأن يجدوا مكانًا لهم في المشهد الفني المصري.

وفي إحدى الأمسيات، حضر الأديب العالمي نجيب محفوظ إحدى حفلاتهم، وسأل هاني شنودة سؤالًا بسيطًا: (لماذا لا تقدمون هذه الموسيقى بالعربية؟).

كان السؤال نقطة تحول.. أدرك شنودة أن المشكلة ليست في الأغنية العربية، بل في الطريقة التي تُقدَّم بها، ومنذ تلك اللحظة بدأ مشروعه الحقيقي، فأسس فرقة (المصريين).. الفرقة التي غيرت شكل الأغنية.

قبل أن تولد فرقة (المصريين) كان (هاني شنودة).. قد خاض الحلم الذي لم يكتمل، فقد كان (عبد الحليم حافظ) من المعجبين بعزفه على آلة الأورج، التقيا في الإسكندرية، ثم دعاه العندليب إلى القاهرة، وأهداه آلة أورج حديثة، واتفق معه على تكوين فرقة صغيرة ترافقه في حفلاته الخارجية.

لكن المرض سبق الحلم، فقد رحل عبد الحليم قبل أن يرى المشروع النور، وبقيت تلك التجربة واحدة من أكثر الذكريات تأثيرًا في حياة (هاني شنودة).

وبعد ذلك بفترة خاض مغامرة مع صوت شاب اسمه (محمد منير).. حيث قدم له ألبوم (علموني عنيكي)، ولحن أربع أغنيات، وتولى توزيع الألبوم بالكامل، لكن النجاح تأخر بسبب ظروف سوق الكاسيت آنذاك.

لم يستسلم (هاني شنودة) للحالة بل قرر أن يؤسس مشروعًا موسيقيًا مختلفًا، ومن ثم في الثامن من ديسمبر عام 1977، ولدت فرقة (المصريين)، ولم تكن مجرد فرقة غنائية، بل كانت مدرسة جديدة في الموسيقى، اعتمدت على الهارموني، والغناء الجماعي، والتوزيع الموسيقي الحديث، وأدخلت مفردات وإيقاعات لم تكن مألوفة في الأغنية المصرية.

(هاني شنودة).. رحيل الموسيقار الذي فجر ثورة غيرت شكل الأغنية المصرية

(هاني شنودة).. رحيل الموسيقار الذي فجر ثورة غيرت شكل الأغنية المصرية
جاء دوره مع شاب وقف يغني في إحدى حفلات بورسعيد، كان اسمه (عمرو دياب)

صانع نجومية عمرو دياب

نجح الألبوم الأول نجاحًا كبيرًا، لتبدأ بعدها مرحلة جديدة في تاريخ الموسيقى، وتظهر فرق عديدة سارت على النهج نفسه، وكان (هاني شنودة) يقول دائمًا إن الفرق الموسيقية أضافت للأغنية المصرية بناءً جديدًا، وجعلتها أكثر ثراءً وتنوعًا.

لم يكن يؤمن (هاني شنودة) بأن الفنان يولد مشهورًا، بل كان يؤمن بأن الموهبة تحتاج فقط إلى من يراها، لذلك كان أول من آمن بمحمد منير، ثم جاء دوره مع شاب آخر وقف يغني في إحدى حفلات بورسعيد، كان اسمه (عمرو دياب).

طلب منه أن يترك مدينته، وينتقل إلى القاهرة، ويدرس الموسيقى، ولم يكتف بذلك، بل قدمه للجمهور في ألبوم (يا طريق)، فلحن له أربع أغنيات، ووزع الألبوم كاملًا، وفتح له أبواب التعاون مع كبار الشعراء مثل صلاح جاهين وعبد الرحيم منصور وشوقي حجاب، ولم يكن (هاني شنودة) يقدم مطربًا جديدًا، بل كان يصنع مستقبل الأغنية المصرية.

وفي الأغنية أيضا تعاون (هاني شنودة) مع نجاة الصغيرة، فقدم لها روائع مثل (أنا بعشق البحر، وبحلم معاك)، كما لحن لفايزة أحمد، وأسهم في تطوير شكل الأغنية المصرية الحديثة.

على جانب آخر من مشواره الطويل، امتدت بصمة (هاني شنودة) إلى السينما، فكتب الموسيقى التصويرية لما يقرب من 170  عملًا بين السينما والمسرح والدراما، فقد كانت ألحانه جزءًا من نجاح أفلام مثل (المشبوه، الحريف، الغول، غريب في بيتي، شمس الزناتي، عصابة حمادة وتوتو).

وفي هذه الأعمال السينمائية كان (هاني شنودة) يعتقد بأنه لم تكن الموسيقى التصويرية بالنسبة إليه خلفية للمشهد، بل كانت بطلًا خفيًا يحكي ما تعجز الصورة عن قوله في سياق شريط سينمائي طويل.

ولم يتوقف عن الحلم.. في عام 2025، أعاد إحياء فرقة (المصريين) بأصوات شابة، مؤمنًا بأن الموسيقى الحقيقية لا تعرف العمر، وفي يوليو 2026، قدم آخر بصماته بإعادة توزيع أغنية (بحلم معاك) بمشاركة زياد ظاظا وتينا، ليؤكد للمرة الأخيرة أن اللحن الجميل يستطيع أن يعبر الأجيال.

(هاني شنودة).. رحيل الموسيقار الذي فجر ثورة غيرت شكل الأغنية المصرية

(هاني شنودة).. رحيل الموسيقار الذي فجر ثورة غيرت شكل الأغنية المصرية
حصل (هاني شنودة) على جائزة الدولة التقديرية في الفنون

جائزة الدولة التقديرية

قبل ذلك بثلاثة أعوام، حصل (هاني شنودة) على جائزة الدولة التقديرية في الفنون، وقال وقتها كلمات لخصت علاقته بوطنه: (أنا صناعة مصرية.. وأهل بلدي هم أصحاب الفضل في كل ما وصلت إليه).

كما احتفت به المملكة العربية السعودية في ليلة استثنائية على مسرح أبو بكر سالم بالرياض، شارك فيها أكثر من 150 عازفًا، وغنى خلالها محمد منير وعمرو دياب وأنغام وغيرهم من النجوم الذين حملوا شيئًا من بصمته.

رحل (هاني شنودة)، لكن الموسيقى التي تركها ستظل تعزف نيابة عنه.. ستظل تعيش في مقدمة فيلم أحببناه، أو أغنية رددناها، أو صوت مطرب اكتشفه وآمن به قبل الجميع.

كان لديه يقين راسخ بأن الموسيقى لا تُقاس بعدد السنوات، بل بعدد القلوب التي تلامسها، واليوم، بينما يطوي الستار صفحة أحد أهم رواد التجديد الموسيقي في العالم العربي، يبقى اسمه حاضرًا في كل نغمة خرجت من عباءة الحداثة، وفي كل فنان بدأ الطريق لأن هاني شنودة قرر يومًا أن يمنحه الفرصة.

وأخير نقول: يصعب اختزال (هاني شنودة) في قائمة أغانٍ أو أفلام، لأن تأثيره الحقيقي يكمن في الأفكار التي زرعها داخل الموسيقى العربية، لقد غيّر مفهوم التوزيع الموسيقي، وأعاد تعريف دور الفرقة الغنائية، وصنع جسورًا بين الموسيقى الشرقية والحداثة، واكتشف أصواتًا أصبحت علامات في تاريخ الغناء.

واليوم، بعد أكثر من نصف قرن من الإبداع، سيظل اسمه حاضرًا كلما ذُكرت الموسيقى التي سبقت زمنها، أو الأغنية التي كسرت القوالب، أو الملحن الذي كان يرى المستقبل قبل أن يصل إليه الجميع.

هاني شنودة ليس مجرد موسيقار… بل فصل كامل من تاريخ الفن المصري، ستبقى نغماته تعيش في ذاكرة الملايين، وتؤكد أن الموسيقى الحقيقية لا يحدها زمن، وأن الإبداع الصادق لا يشيخ أبدًا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.