

بقلم الكاتب الصحفي: رسمى فتح الله
منذ أن عرف الإنسان نفسه، وهو يمنح العين سلطة لا ينازعها فيها شيء، يقول: رأيت، فيطمئن، ويقول: لم أرَ، فيتردد، وكأن الحقيقة لا تكتمل إلا إذا مرّت عبر البصر، لكن الحياة، بين الحين والآخر، ترسل إلينا من يهدم هذه القاعدة في هدوء، ويثبت أن العين ليست سوى نافذة، أما الرؤية الحقيقية فتولد في مكان آخر.. كان (عمار الشريعي) واحدًا من هؤلاء.
لم يرَ (عمار الشريعي) لون السماء، ولا تعاقب الفصول، ولا ملامح الذين أحبهم، لكنه امتلك قدرة نادرة على رؤية ما هو أبعد من الألوان والملامح.
رأى الإنسان في صوته، ورأى الحزن فى صمته، ورأى الفرح في ارتعاشة نغمة، حتى بدا وكأن الله لم يحجب عنه العالم، بل كشف له وجهًا آخر له، لا تدركه العيون.. ولهذا لم يكن غريبًا أن تصبح الموسيقى وطنه الأول.
فالذي لا ينشغل بالصورة، يصبح أكثر قدرة على الإنصات إلى الجوهر؛ وما أكثر ما تخدعنا الصور، وما أقل ما تكذب الأنغام.
حين نستمع إلى موسيقى (عمار الشريعي) في مسلسل (رأفت الهجان)، لا نبحث عن بطل المسلسل، بل نشعر بوطن يتحرك داخلنا.. وحين تنساب ألحان (أرابيسك)، لا نرى الحارة المصرية بقدر ما نستعيد رائحتها، وضحكات أهلها، ودفء لياليها.
الموسيقى هنا لا تصف المكان، بل تعيد خلقه في الوجدان.. وهذا ما يفعله الفن العظيم دائمًا؛ لا ينقل الواقع، بل يمنحنا إحساسًا أعمق به.


لغة تستطيع القلوب فهمها
لم يكن (عمار الشريعي) يؤلف ألحانًا، بقدر ما كان يترجم المشاعر إلى لغة تستطيع القلوب فهمها.. كان يعرف أن الإنسان قد يخفى حزنه بابتسامة، وقد يتظاهر بالقوة وهو يتداعى من الداخل، ولذلك ترك للموسيقى أن تقول ما تعجز الكلمات عن البوح به. ولهذا بقيت ألحانه حية؛ لأنها لم تُكتب للأذن وحدها، بل كُتبت للقلب.
وربما لهذا السبب أيضًا، لم يكن الناس يتحدثون عنه باعتباره موسيقارًا كفيفًا، بل باعتباره موسيقارًا كبيرًا.. لقد انتصر على أخطر ما يمكن أن يواجه الإنسان، لا لأنه فقد البصر، بل لأنه رفض أن يسمح لما فقده أن يصبح تعريفه الوحيد.
كم من أناس يمتلكون كل شيء، ثم يقضون أعمارهم في تعداد ما ينقصهم، وكم من آخرين يبدأون من نقطة يراها الجميع مستحيلة، ثم يصنعون منها طريقًا لا يقدر غيرهم على السير فيه.
ليست المأساة أن تغيب العين، وإنما أن تغيب الرؤية؛ وليست الهزيمة أن يعجز الجسد، وإنما أن يستسلم القلب.
وهذه هى الرسالة التي عاشها (عمار الشريعي) دون أن يعلنها في احاديثه أو يكتبها في كتاب؛ اكتفى بأن يجعلها لحنًا، فبقيت أصدق وأبقى.
وحين كان يجلس أمام الميكروفون فى برنامجه (غواص في بحر النغم)، لم يكن يقدم تاريخ الموسيقى، بل كان يدعو الناس إلى الإصغاء للحياة نفسها.
كان يؤمن أن الذوق يمكن أن يُربّى، وأن الجمال ليس ترفًا، بل ضرورة، وأن الأمم التي تفقد قدرتها على تذوق الفن، تفقد شيئًا من قدرتها على تذوق الحياة.
وربما لهذا تبدو سيرته أكبر من قصة نجاح؛ فقصص النجاح تُقاس بما يحققه أصحابها من مناصب أو شهرة أو ثروة، أما قصة (عمار الشريعي) فتُقاس بما تركه فى وجدان الناس.

أعمال تبقى تؤنس البيوت
هناك فنانون يملأون الدنيا صخبًا، ثم يختفون بمجرد أن ينطفئ الضوء.. وهناك من يغادرون في هدوء، لكن أعمالهم تبقى تؤنس البيوت، وترافق الذكريات، وتربت على أكتاف الحنين كلما مر الزمن.
لقد رحل الرجل، وبقيت موسيقاه شاهدة على أن الإبداع لا يحتاج إلى عينين مفتوحتين بقدر ما يحتاج إلى احساس وبصيرة ..النور الحقيقى ليس ما يدخل من نافذة البصر، بل ما يخرج من نافذة الروح.
ولعل هذا هو الدرس الذي تركه لنا (عمار الشريعي) دون أن يقصده: ليس المهم كم نرى من العالم، بل كم نفهم منه.. فالعين قد تمنحنا الصورة، أما البصيرة فهى وحدها التي تمنحنا المعنى.
وبين الصورة والمعنى، عاش رجل اسمه (عمار الشريعي) ورحل.. لكنه ترك لنا من النور ما يكفى لأن نهتدى به كلما أظلمت الطرق وطالت مسافات الوجد والعشق والغرام في حياتنا.