(هاني شنودة) يراهن على المستقبل بإحياء (بحلم معاك).. وتينا وزياد ظاظا في مواجهة الزمن

كتب: أحمد السماحي
ليست كل الأغنيات قابلة لأن تُولد من جديد، فهناك أعمال ترتبط بزمانها، وبالأصوات التي صنعتها، وبالذاكرة التي احتضنتها حتى تصبح جزءًا من وجدان أجيال كاملة، لكن الموسيقار (هاني شنودة) يبدو مؤمنًا بأن الأغنية الحقيقية لا تعرف الشيخوخة، وأن اللحن الصادق قادر على عبور الزمن كلما وجد من يمنحه روحًا جديدة دون أن ينتزع منه ملامحه الأصلية.
من هنا جاءت مغامرته الجديدة بإعادة تقديم أغنية (بحلم معاك)، إحدى العلامات المضيئة في مشواره مع الفنانة الكبيرة (نجاة الصغيرة)، ولكن هذه المرة بلغة موسيقية تنتمي إلى عام 2026، حيث تمتزج الرومانسية التي عرفتها الأغنية منذ ميلادها بإيقاعات معاصرة.
ويجتمع فيها صوت المطربة الشابة تينا، أحدث اكتشافات هاني شنودة، مع نجم الراب زياد ظاظا في تجربة تبدو للوهلة الأولى جريئة، لكنها تحمل في جوهرها فلسفة موسيقية تقوم على الحوار بين الأجيال لا الصدام بينها.
ولم يكن اختيار (هاني شنودة) للأغنية عشوائيًا. فـ (بحلم معاك) ليست مجرد عمل ناجح من أرشيف نجاة الصغيرة، وإنما واحدة من الأغنيات التي شكلت نقطة تحول في مسيرة (قيثارة الغناء العربي)، فعندما طُرحت لأول مرة عام 1979.
جاءت مختلفة عن السائد وقتها، سواء في البناء اللحني أو في التوزيع الموسيقي الذي قدمه هاني شنودة، والذي كان آنذاك يقود ثورة هادئة في الموسيقى العربية، ساعيًا إلى تحرير الأغنية من القوالب التقليدية دون أن يفقدها دفئها الشرقي.

بين البساطة والحداثة
كانت كلمات الشاعر الكبير عبد الرحيم منصور تحمل حالة إنسانية رقيقة، بينما منحها (هاني شنودة) لحنًا يجمع بين البساطة والحداثة، لتصبح الأغنية واحدة من أبرز محطات التعاون بينه وبين نجاة الصغيرة، وهو التعاون الذي أثمر لاحقًا عن أعمال خالدة، من بينها الأغنية الشهيرة (أنا بعشق البحر)، التي ما زالت حتى اليوم واحدة من أيقونات الأغنية العربية.
بعد ما يقرب من نصف قرن، يعود (هاني شنودة) إلى العمل نفسه، لكنه لا يعود إليه باعتباره ذكرى جميلة فحسب، بل باعتباره مشروعًا فنيًا جديدًا، فهو لا يقدم نسخة مستنسخة من الماضي، وإنما يعيد قراءة الأغنية بعين موسيقي عاش تطورات المشهد الغنائي.
ويعرف أن الأذن المعاصرة أصبحت تبحث عن إيقاعات مختلفة، وأن نجاح أي إعادة تقديم لا يتحقق بتكرار الأصل، وإنما بإضافة رؤية جديدة تحترم الماضي وتخاطب الحاضر.
وفي هذا السياق، جاء اختياره للمطربة تينا ليكون إعلانًا عن ميلاد صوت جديد يراهن عليه، فشنودة، الذي اكتشف عبر مسيرته عددًا من المواهب، يرى أن تينا تمتلك إحساسًا قادرًا على استيعاب المدرسة الكلاسيكية، وفي الوقت نفسه لديها المرونة التي تسمح لها بالتحرك داخل التوزيعات الحديثة دون افتعال أو مبالغة.
أما المفاجأة الأكبر فتمثلت في وجود زياد ظاظا، أحد أبرز نجوم الراب في مصر، في عمل ينتمي في الأصل إلى زمن مختلف تمامًا عن عالمه الفني، لكن هذه المفارقة هي تحديدًا ما أراده (هاني شنودة)؛ إذ يؤكد أن الموسيقى لم تعد تعترف بالفواصل الجامدة بين الأنماط، وأن الراب، حين يُستخدم بذكاء، يمكن أن يصبح امتدادًا للحكاية الغنائية لا عنصرًا دخيلًا عليها.
وأوضح (هاني شنودة) أن اختياره لزياد ظاظا جاء لقناعته بأنه يمتلك أسلوبًا خاصًا في الأداء، إلى جانب تأثيره الواضح بين الشباب، وهو ما يمنح الأغنية فرصة للوصول إلى جمهور جديد ربما لم يعش زمن نجاة الصغيرة، لكنه يستطيع اكتشاف جمال الأغنية من خلال لغة موسيقية يفهمها ويتفاعل معها.
النسخة الجديدة من (بحلم معاك)، التي أصبحت متاحة عبر موقع يوتيوب والمنصات الموسيقية المختلفة ومحطات الإذاعة، جاءت بإنتاج شركة GAMMA ميوزيك للمنتج محمد جابر، في خطوة تؤكد أن شركات الإنتاج بدأت تنظر إلى إعادة إحياء التراث الموسيقي باعتباره مشروعًا إبداعيًا، لا مجرد استثمار في النوستالجيا.

نجاح الأغنية الأصلية
لكن ما يلفت الانتباه في التجربة هو أن (هاني شنودة) لم يحاول أن ينافس الماضي، بل سعى إلى محاورته، فهو يدرك أن أداء نجاة الصغيرة لا يمكن استنساخه، وأن سر نجاح الأغنية الأصلية كان في خصوصية صوتها وإحساسها، لذلك اختار أن يبتعد عن المقارنة المباشرة، وأن يفتح بابًا جديدًا للأغنية، يسمح لها بأن تعيش حياة أخرى بصوت مختلف وروح مختلفة.
وتأتي هذه التجربة أيضًا لتؤكد أن (هاني شنودة) ما زال يحتفظ بروح المغامر التي عرفها الجمهور منذ بداياته. فعلى الرغم من كونه أحد أهم رواد الموسيقى الحديثة في العالم العربي، فإنه لا يزال يبحث عن مساحات جديدة للتجريب، ويؤمن بأن الفنان الحقيقي لا يعيش على أمجاد الماضي، بل يواصل صناعة المستقبل.
ربما تكون (بحلم معاك) في نسختها الجديدة أكثر من مجرد أغنية أعيد توزيعها؛ إنها رسالة فنية تقول إن الأعمال العظيمة لا تموت، وإنما تنتظر من يعيد اكتشافها، وبين رهافة الكلمات التي كتبها عبد الرحيم منصور، واللحن الذي صاغه (هاني شنودة) قبل سبعة وأربعين عامًا، وصوت تينا، وحضور زياد ظاظا، تولد نسخة جديدة تحمل احترامًا للماضي، لكنها تنظر بثقة إلى المستقبل.
وهكذا، يثبت (هاني شنودة) مرة أخرى أن الموسيقى ليست أرشيفًا مغلقًا، بل كائن حي يتغير مع الزمن، وأن الأغنية الجميلة قادرة دائمًا على أن تحلم من جديد.. وأن تجعل أجيالًا جديدة تحلم معها.