رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

لماذا (متولي وشفيقة) وليس (شفيقة ومتولي)؟.. العنوان أداة لإعادة التأويل

لماذا (متولي وشفيقة) وليس (شفيقة ومتولي)؟.. العنوان أداة لإعادة التأويل

لماذا (متولي وشفيقة) وليس (شفيقة ومتولي)؟.. العنوان أداة لإعادة التأويل

هل يمكن أن يكون ترتيب الأسماء في حد ذاته مدخلًا مختلفًا لفهم الحكاية وليس مجرد اختيار لغوي؟
لماذا (متولي وشفيقة) وليس (شفيقة ومتولي)؟.. العنوان أداة لإعادة التأويل
الدكتورة شيماء سعيد

بقلم الدكتورة: شيماء سعيد

حين يختار صُناع عرض مسرحي إعادة تقديم حكاية شعبية راسخة في الوعي الجمعي، فإنهم لا يواجهون تحدي الحكي من جديد فقط، بل يواجهون سؤالًا أعمق يتعلق بإعادة تشكيل طريقة النظر إلى الحكاية نفسها، ومن هذا المنطلق يأتي عرض (متولي وشفيقة) على خشبة مسرح الطليعة.

حيث يقدم الكاتب (محمد علي إبراهيم)، والمخرج (أمير اليماني) قراءة جديدة لواحدة من أكثر الحكايات حضورًا في الذاكرة الشعبية المصرية، لا بوصفها قصة محفوظة، بل بوصفها نصًا مفتوحًا على التأويل وإعادة القراءة.

ومنذ اللحظة الأولى يفرض العنوان نفسه كسؤال: لماذا جاء الترتيب (متولي وشفيقة) وليس (شفيقة ومتولي)، كما اعتاد الجمهور أن يتلقاها؟، وهل يمكن أن يكون ترتيب الأسماء في حد ذاته مدخلًا مختلفًا لفهم الحكاية وليس مجرد اختيار لغوي؟ الإجابة هنا لا تتعلق بالشكل فقط، بل بالرؤية التي تعيد توزيع مركزية السرد وتفتح الباب أمام قراءة مختلفة تمامًا للحكاية.

لماذا (متولي وشفيقة) وليس (شفيقة ومتولي)؟.. العنوان أداة لإعادة التأويل
هذه الصيغة التقليدية تضع شفيقة في قلب السرد، وتجعل (متولي) مرتبطًا بالفعل النهائي في نهاية الحكاية

قلب العنوان وإعادة بناء الحكاية

في النسخة الشعبية المعروفة يأتي عنوان الحكاية (شفيقة ومتولي) حيث تتصدر (شفيقة) مركز الأحداث بوصفها محور المأساة، بينما يظهر (متولي) باعتباره الأخ الذي ينتهي به الأمر إلى ارتكاب فعل القتل تحت ضغط مفاهيم الشرف والعار.

هذه الصيغة التقليدية تضع شفيقة في قلب السرد، وتجعل (متولي) مرتبطًا بالفعل النهائي في نهاية الحكاية، لكن العرض المسرحي يعيد ترتيب هذا البناء ليقدم اسم متولي في المقدمة، بما يفتح زاوية مختلفة لقراءة الحكاية، وكأن نقطة الانطلاق لم تعد هي الحدث ذاته بل ما يتبعه من أثر.

هذا التحول في ترتيب الأسماء لا يتعلق بطريقة تنظيم النظر إلى القصة فقط، بل بإعادة تشكيل زاوية إدراكها، بحيث لا تُفهم كواقعة مكتملة انتهت عند لحظة بعينها، بل كأثر ممتد يستمر داخل الوعي والنتائج، ومن هذا المنظور لا تبدأ الحكاية من لحظة الفعل، بل من لحظة ما بعده، ولا تُغلق عند لحظة القتل، بل تمتد إلى ما يترتب عليها من انكسار داخلي طويل.

يفتتح العرض بعودة (متولي) من السجن إلى بيت العائلة في جرجا، لكنه لا يعود إلى مكان مألوف بقدر ما يدخل فضاء مشبع بالذكريات والأشباح والأصوات، حيث يتحول البيت إلى كيان حي والجدران إلى ذاكرة تتكلم، لتصبح الذاكرة نفسها عنصرًا فاعلًا داخل السرد.

ومن هنا لا تُبنى الحكاية على الواقعية المباشرة، بل على عالم أقرب إلى الحلم الممزوج بالكابوس، يتداخل فيه الماضي مع الحاضر وتصبح (شفيقة) حاضرة رغم غيابها الجسدي، وفي هذا السياق لا يُقدَّم (متولي) بوصفه بطلًا شعبيًا منتصرًا أو مجرد قاتل مدفوع بفكرة الشرف، بل كإنسان مهزوم يواصل الحياة بعد خروجه من السجن وهو يحمل داخله عبء الذنب والخوف والوحدة.

لماذا (متولي وشفيقة) وليس (شفيقة ومتولي)؟.. العنوان أداة لإعادة التأويل
مفاهيم مثل الشرف والعار ليست مجرد خلفية أخلاقية

المجتمع بوصفه فاعلًا في صناعة المأساة

لا يتوقف العرض عند حدود الشخصيات، بل يذهب إلى أبعد من ذلك حين يضع المجتمع نفسه في موقع الفاعل الأساسي في صناعة الحدث، فمفاهيم مثل الشرف والعار ليست مجرد خلفية أخلاقية.

بل منظومة ضغط كاملة تتحكم في السلوك وتوجه القرارات، والفقر والخوف من الفضيحة والعادات المتوارثة ونظرة الآخرين تتحول إلى قوة غير مرئية لكنها حاضرة بقوة في كل لحظة من لحظات السرد، وهكذا لا تبدو الجريمة نتيجة قرار فردي معزول، بل نتيجة تراكم طويل من الضغوط الاجتماعية التي تجعل الفعل يبدو وكأنه الخيار الوحيد الممكن.

هذا التحول في زاوية النظر ينقل الحكاية من مستوى الإدانة الفردية إلى مستوى الفهم البنيوي الأوسع، حيث يصبح المجتمع جزءًا من النص وليس مجرد إطار له، وبذلك يعيد العرض مساءلة الفكرة الشعبية التقليدية عن المسؤولية ليطرح بديلًا أكثر تعقيدًا يقوم على فهم شبكة العلاقات التي أنتجت الحدث بدل اختزاله في طرف واحد.

لماذا (متولي وشفيقة) وليس (شفيقة ومتولي)؟.. العنوان أداة لإعادة التأويل
لم يكتفِ العرض بتقديم هذه العلاقة في مرحلة عمرية واحدة

بناء العلاقة بين متولي وشفيقة كمدخل درامي

ولأن العرض يختار أن يروي الحكاية من زاوية (متولي)، فقد كان من الضروري أن يؤسس لعلاقته بشفيقة بصورة تجعل المتفرج يدرك حجم الندم الذي يشعر به بعد قتلها، ولم يكتفِ العرض بتقديم هذه العلاقة في مرحلة عمرية واحدة.

بل اعتمد على بناء زمني متشظٍ يتنقل بين الطفولة والمراهقة والشباب، في حركة مستمرة بين الماضي والحاضر تعكس اضطراب ذاكرة متولي وحالته النفسية الممزقة.

وقد أسهم هذا البناء في منح العلاقة بين الشقيقين عمقًا إنسانيًا واضحًا، إذ شاهد المتلقي مراحل تشكلها وتطورها قبل الوصول إلى لحظة الانهيار، وجاء تجسيد شفيقة عبر أكثر من ممثلة ليخدم هذه الرؤية، فحملت الطفلة (دالا حربي) ملامح البراءة الأولى للشخصية.

بينما واصلت (منة اليماني) بناء هذه الصورة في مرحلة المراهقة، بما حافظ على خيط إنساني متصل جعل شفيقة حاضرة في الوجدان حتى في غيابها، كما قدمت “يسرا المنسي) شخصية شفيقة في مرحلة الشباب بحضور مؤثر، مبتعدة عن الصورة النمطية للمرأة المذنبة، لتجسدها كإنسانة لها أحلامها وهشاشتها وظروفها الخاصة.

واستطاع (محمد فريد) في دور (متولي) أن يحمل ثقل العرض بأكمله عبر أداء اعتمد على الانكسار الداخلي أكثر من الانفعال المباشر، فبدا متولي أسيرًا لذكرياته ومطاردًا بندمه في كل لحظة.

وهنا يُحسب للمخرج (أمير اليماني) نجاحه في اختيار فريق التمثيل بما يتوافق مع طبيعة الشخصيات ومسارها النفسي، لتتحول العلاقة بين متولي وشفيقة من مجرد خلفية للأحداث إلى القلب العاطفي الذي ترتكز عليه رؤية العرض بأكملها.

لماذا (متولي وشفيقة) وليس (شفيقة ومتولي)؟.. العنوان أداة لإعادة التأويل
في عرض (متولي وشفيقة) لم تكن الجوقة مجرد مجموعة من المعلّقين على الأحداث

 امتداد لعالم متولي النفسي

وبما أن العرض يختار منذ عنوانه أن يضع (متولي) في مركز الحكاية، فإنه لا يكتفي بإعادة سرد ما حدث لشفيقة، بل يتتبع ما جرى داخل وعي متولي نفسه بعد وقوع المأساة، ومن هنا لعبت الجوقة دورًا محوريًا في خدمة هذه الرؤية، والجوقة في الأصل عنصر أساسي في المسرح اليوناني القديم.

وكانت تتكون من مجموعة من المؤدين الذين يعلقون على الأحداث ويشرحون خلفياتها ويعبرون عن رأي الجماعة تجاه ما يحدث على الخشبة، لتعمل كحلقة وصل بين الشخصيات والجمهور.

وفي عرض (متولي وشفيقة) لم تكن الجوقة مجرد مجموعة من المعلّقين على الأحداث، بل تحولت إلى تجسيد حي للوعي الجمعي الذي يطارد البطل ويلاحقه بذكرياته وأحكام المجتمع عليه، كما تم دمج أفراد الجوقة داخل التكوين البصري للعرض.

فبدوا أحيانًا وكأنهم جزء من الديكور ذاته، يخرجون من الجدران ويعودون إليها، حتى اختلط حضورهم بالمكان إلى درجة جعلتهم امتدادًا لذاكرة متولي وأشباح ماضيه.

وقد جاء هذا التكوين البصري من خلال ديكور اعتمد على البساطة الرمزية والمرونة في التحول، من تصميم (محمد سعد) بما سمح للجوقة بالاندماج مع الفضاء المسرحي والتشكل داخله كجزء حي منه، وبذلك لم تؤدِّ الجوقة وظيفة السرد أو التعليق فقط.

بل شاركت في بناء الحالة النفسية والبصرية للعرض، مؤكدة أن متولي لا يواجه جريمته وحده، بل يواجه مجتمعًا كاملًا ما زال يسكن داخله.

وبذلك لا يكون تغيير ترتيب العنوان مجرد اختيار شكلي، بل مدخلًا لإعادة قراءة الحكاية من زاوية مختلفة تكشف ما وراء الحدث وظروفه، فالعرض لا يتعامل مع القصة كحدث منته، بل كناتج لتراكم اجتماعي ونفسي ممتد، ليصبح العنوان نفسه جزءًا من المعنى لا مجرد اسم للعمل، بل أداة لإعادة مساءلة الحكاية الشعبية من جديد.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.