جرش الأربعين.. مدينة التاريخ تستعد لكتابة فصل جديد من حكاية الفن العربي

كتبت: سما أحمد
عندما تقترب أيام الصيف من نهايتها في الأردن، تبدأ مدينة (جرش) الأثرية في ارتداء ثوب مختلف. الأعمدة الرومانية العتيقة التي وقفت شاهدة على حضارات متعاقبة، تستعد من جديد لاستقبال أصوات الموسيقى، وخطوات الراقصين، وكلمات الشعراء، وحكايات المبدعين. وكأن المدينة التي تجاوز عمرها آلاف السنين تدرك أن موعدها السنوي مع الفن قد حان.
هذا العام، لا يبدو الموعد عادياً. فمهرجان (جرش) للثقافة والفنون يعود في دورته الأربعين، حاملاً شعاراً يحمل الكثير من الدلالات: (إرث يمتد.. أجيال تلتقي)، شعار لا يلخص دورة واحدة فحسب، بل يختصر رحلة طويلة بدأت قبل أربعة عقود، حين انطلقت الفكرة لتتحول مع السنوات إلى أحد أهم المهرجانات الثقافية والفنية في العالم العربي.
تحت الرعاية الملكية السامية، توقد شعلة المهرجان في الثاني والعشرين من يولية المقبل، إيذاناً ببدء احتفال استثنائي لا يقتصر على استذكار الماضي، بل ينظر أيضاً إلى المستقبل.
وفي الثالث والعشرين من تموز، تفتح أبواب المدينة الأثرية أمام آلاف الزوار الذين سيجدون أنفسهم أمام برنامج ضخم يضم أكثر من 212 فعالية فنية وثقافية وتراثية وعائلية، في مشهد يعكس حجم التطور الذي شهده المهرجان منذ انطلاقته الأولى.
لكن (جرش) الأربعين لا يريد أن يكون مجرد مهرجان للحفلات الغنائية، بل مشروعاً ثقافياً متكاملاً يعيد تعريف العلاقة بين الفن والمعرفة والتراث. ولهذا السبب، تمتد فعالياته هذا العام خارج حدود المدينة الأثرية، لتصل إلى عمّان وعجلون والبلقاء والكرك والعقبة، حيث تنظم ندوات وملتقيات ثقافية تسلط الضوء على ذاكرة المكان الأردني وجمالياته، وتعيد قراءة التراث بوصفه جزءاً من الهوية الوطنية.
في هذه الدورة، يحتل الفكر والأدب مساحة واسعة من المشهد، فمهرجان (جرش) بالتعاون مع رابطة الكتّاب الأردنيين واتحاد الكتّاب والأدباء الأردنيين ودارة الشعراء، يفتح أبوابه لعشرات الندوات والملتقيات والأمسيات الشعرية التي تجمع كتاباً وشعراء ونقاداً من مختلف أنحاء الوطن العربي.
ومن بين أبرز المحطات الثقافية، يأتي (ملتقى السرد العربي) في دورته الثالثة، الذي يحمل هذا العام اسم الروائي الأردني الكبير هاشم غرايبة. ويحمل الملتقى عنوان (تحولات السرد في الألفية الثالثة)، في محاولة لرصد التغيرات التي شهدها الأدب العربي خلال السنوات الأخيرة، والبحث في الأسئلة الجديدة التي فرضتها التحولات الاجتماعية والثقافية والتكنولوجية.

جزء من الذاكرة الوطنية
كما يخصص مهرجان (جرش) ندوة بعنوان (السردية الأردنية: مدينة جرش نموذجاً)، حيث تتحول المدينة نفسها إلى موضوع للبحث والحوار، فتُقرأ حكاياتها التاريخية والثقافية بوصفها جزءاً من الذاكرة الوطنية للأردنيين.
وعلى الجانب الفني، يبقى المسرح الجنوبي القلب النابض للمهرجان، والوجهة الأولى لعشاق الطرب والموسيقى. هنا تبدأ الحكاية مع الفنانة ماجدة الرومي التي تفتتح أولى الليالي الغنائية في الثالث والعشرين من تموز.. عودة تحمل بعداً رمزياً، فهي تستعيد مشاركتها الأولى في جرش عام 1986، وكأن الدورة الأربعين تعيد وصل الخيوط بين البدايات واللحظة الراهنة.
وفي الليلة التالية، يتحول المسرح إلى مساحة استعراضية ضخمة مع العرض العالمي (ألف ليلة وليلة) لفرقة كركلا اللبنانية، التي تعود هى الأخرى إلى (جرش) بعد عقود من مشاركتها الأولى. وبين الرقص والموسيقى والمشاهد البصرية المبهرة، يستعيد الجمهور سحر الحكايات الشرقية بروح معاصرة.
وتتوالى الليالي بعد ذلك بوتيرة لا تهدأ.. جورج وسوف يحضر بصوته الذي رافق أجيالاً من عشاق الطرب، وأحمد سعد يقدم تجربته الغنائية الحديثة، فيما يشكل العرض المسرحي الغنائي (أم كلثوم) محطة خاصة تستعيد العصر الذهبي للأغنية العربية من خلال رؤية درامية جديدة كتبها الدكتور مدحت العدل.
كما يحتفي المسرح الجنوبي بالتراث من خلال أمسية فرقة أبناء الجبال الشركسية، قبل أن يستقبل عبادي الجوهر وإليسا والشامي ولين الحايك وعبير نعمة ومروان خوري، وصولاً إلى تامر حسني الذي يسدل الستار على ليالي المسرح الجنوبي في الثاني من آب.
أما المسرح الشمالي، فيبدو هذا العام وكأنه مختبر مفتوح للتجارب الموسيقية المتنوعة، فمن الليلة الأردنية التي تحتفي بالغناء المحلي، إلى المشاريع الموسيقية المعاصرة التي تمزج بين التراث والحداثة، يقدم المسرح برنامجاً غنياً يجمع بين الأصوات العربية والعالمية.
ويشهد المسرح حضوراً لافتاً للموسيقار اللبناني العالمي إبراهيم معلوف، أحد أبرز عازفي الترومبيت في العالم، إلى جانب عروض أوركسترالية مبتكرة، ومشروعات تفاعلية مثل تجربة المايسترو المغربي بودشار التي تعتمد على مشاركة الجمهور في صناعة العرض الموسيقي.
كما تستضيف خشبة المسرح الشمالي فرقة (فينيكس) العالمية التي تقدم عرض (النار والضوء)، وهو أحد أكثر العروض البصرية إثارة، حيث تمتزج المؤثرات الضوئية بالحركات الاستعراضية في تجربة تدهش الجمهور وتخطف الأنفاس.

منصة يومية للإبداع الأردني
ولا يتوقف الحراك الثقافي عند المسرحين الرئيسيين، فمسرح أرتميس يتحول إلى منصة يومية للإبداع الأردني، عبر أكثر من ثلاثين فعالية ثقافية وشعرية وفلكلورية، فيما يحتضن الهيبودروم عشرات الفرق القادمة من مختلف أنحاء العالم.
ومن إيطاليا إلى اليابان، ومن روسيا إلى كوريا الجنوبية، ومن الصين إلى الفلبين، تحضر ثقافات متعددة لتلتقي في جرش، إلى جانب فرق عربية من فلسطين ومصر وسوريا والعراق وتونس والسودان والسعودية والكويت وقطر وغيرها، في مشهد يؤكد مكانة المهرجان كمنصة للحوار الثقافي بين الشعوب.
ولأن المهرجان يخاطب جميع أفراد الأسرة، فقد خصص برنامجاً متكاملاً للأطفال والعائلات يضم عروضاً مسرحية وترفيهية وكوميدية، إضافة إلى فعاليات متنوعة تقام في الساحة البيضاوية ومسرح الصوت والضوء، لتتحول جرش إلى فضاء مفتوح للفرح والمعرفة في آن واحد.
وفي جانب آخر من المشهد، يواصل مهرجان (جرش) دعمه للفنون المسرحية من خلال الدورة الرابعة لمهرجان المونودراما، الذي يركز على (مسرح الممثل الواحد)، ويمنح مساحة للتجارب المسرحية الجديدة، بما يعزز الحراك المسرحي المحلي والعربي.
وكما جرت العادة، لا ينسى (جرش) تكريم رموز الإبداع. ففي دورته الأربعين، يحتفي بالفنانة الأردنية القديرة قمر الصفدي كشخصية الدورة، تقديراً لمسيرتها الفنية الطويلة، كما يكرم الفنان السوري عبد المنعم عمايري والنجمة اللبنانية جوليا قصّار، اعترافاً بإسهاماتهم في إثراء المشهد الفني العربي.
ومع اقتراب موعد الافتتاح، تبدو (جرش) وكأنها تستعد لعرس ثقافي كبير، فالأعمدة الحجرية العتيقة التي شهدت تعاقب الحضارات، ستشهد مرة أخرى لقاء الفنانين والمثقفين والجمهور في مساحة واحدة تجمع بين الماضي والحاضر.
وهناك، بين التاريخ والفن، وبين الذاكرة والحلم، سيكتب مهرجان جرش فصلاً جديداً من حكايته الممتدة منذ أربعين عاماً، مؤكداً أن الثقافة قادرة دائماً على تجديد نفسها، وأن الفن الحقيقي يظل قادراً على جمع الأجيال مهما تغيرت الأزمنة.