رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

بهاء الدين يوسف يكتب: سهام جلال.. من الفن ما قتل

بهاء الدين يوسف يكتب: سهام جلال.. من الفن ما قتل
(سهام جلال) اتصلت باحمد السقا الذي كان زميل دفعة، لمساعدتها في إيجاد عمل دون استجابة

بقلم الكاتب الصحفي: بهاء الدين يوسف

في هذا الزمن بات معتادا أن يكون من طقوس وداع أي فنان راحل تذكر كم وحجم الاحباطات التي واجهها من أجل إيجاد فرص مناسبة وعادلة للعمل، وها نحن نتابع نفس المسلسل المكرر مع الفنانة (سهام جلال) التي رحلت عن دنيانا، ربما بسبب القهر لكثرة ما تعرضت له من إذلال وهي تطلب عملا ممن ظنت يوما انهم اصدقاء او زملاء.

لكن الكلام عن الاحباطات وخذلان الأصدقاء والزملاء والمهنيين في مصر ليس أكثر من الزبدة التي قيل عنها في مثل شعبي قديم انها تكون كتلة ملحوظة في الليل، لكن لا تلبث ان تسيح مع طلوع نهار اليوم التالي، وهكذا يمكنني المراهنة قياسا على شعبية الفنانة الراحلة وانشغال الناس بالمنتخب الكروي، أن الجميع سينسى ما تعرضت له قبل نهاية الاسبوع الحالي.

ما قالته (سهام جلال) عن اتصالها باحمد السقا الذي كان زميل دفعة، لمساعدتها في إيجاد عمل دون استجابة، أو وعود امير كرارة التي تحولت الى تجاهل الرد على مكالماتها، ليست أولى الاحباطات التي نسمع عنها في الوسط الفني ولن تكون آخرها.

وأتذكر انني قبل عامين كتبت تقريرا مطولا عما أسميته (تسول العمل الفني)، حذرت فيه من خطر اضطرار البعض لقبول المشاركة في إنتاج غير مصري حتى لو لم يكن منصفا لمصر.

بهاء الدين يوسف يكتب: سهام جلال.. من الفن ما قتل
تعرضت الفنانة الراحلة (سهام جلال) وغيرها من الأحياء والأموات من خذلان

إنهيار المنتج المصري

وأعود الآن للكتابة عما تعرضت له الفنانة الراحلة (سهام جلال) وغيرها من الأحياء والأموات من خذلان، ليس في الوسط الفني فقط وإنما في الإعلامي والرياضي، حيث لم يعد هناك صوت يعلو على صوت (الشلة) والمصلحة، وتحول شعار (الصديق وقت الضيق) إلى (شيلني وأشيلك). 

الانهيار الذي لحق بالمنتج المصري وكانت النتائج الحتمية لهذا التحول ذلك التراجع وفقدان مصر أهم عناصر قوتها الناعمة، ما دفع بعض الاخوة العرب للتندر بأن القوة الناعمة المصرية تحولت الى (كبوات ناعمة) تعبيرا عن حجم الانهيار الذي لحق بالمنتج المصري في الفن والإعلام والرياضة.

حتى لا أكون مثاليا أو أفلاطونيا اكثر من أفلاطون نفسه، لا أدعي أن فكرة الشلة قاصرة على مصر فقط، لكن المشكلة لدينا ليس في وجود الشلل وإنما في استحالة اختراقها، بعدما تحولت الى شبكات عنقودية مترابطة من المصالح والمنافع وأحيانا الفساد المتبادل، لدرجة يمكن معها ترقيتها لتصبح مثل المافيا الصغيرة.

صحيح أنه في أي صناعة سينما في العالم، تلعب العلاقات المهنية دورا ما، وحتى في هوليوود لديهم ما يعرف بالـ casting networks أو دوائر التعاون بين مخرجين وممثلين ومنتجين ثابتين، حيث اشتهر مارتن سكورسيزي بتفضيله العمل مع روبرت دي نيرو ثم ليوناردو دي كابريو.

وفي مصر كان من المعتاد أن نشاهد مجموعة من الممثلين المتكررين في كل عمل للمبدع الراحل أسامة أنور عكاشة، امثال الراحلين سيد عبد الكريم وسيد عزمي ومحمد متولي وغيرهم.

لكن الفارق المهم أن الشلل في الزمن الحالي باتت حصونا مغلقة، لا يمكن لأحد الدخول اليها الا من كان ذو حظ عظيم، مثلما لا يمكن الخروج من تلك الحصون إلا إلى النسيان والجلوس في المنزل.

المشكلة في مصر الآن ليست في وجود شلل مغلقة على نفسها، بل في ضيق مسارات الدخول، خصوصا ان الصناعة باتت أصغر، وعدد الإنتاجات أقل، والنتيجة أن نفس الشبكات تستمر لفترات أطول، ويصبح من المستحيل دخول أسماء جديدة مهما كان حجم موهبتها.

بهاء الدين يوسف يكتب: سهام جلال.. من الفن ما قتل
الدكتور ثروت عكاشة

الوزير المستنير ثروت عكاشة

في الستينات مثلا أتاح مسرح الدولة ومسرح التليفزيون وغيرهما من نوافذ الفن والثقافة المصرية في عهد الوزير المستنير ثروت عكاشة، الفرصة لعشرات الفنانين الشباب للصعود على سلم النجومية، وهم الذين حملوا لواء الفن المصري حتى نهاية القرن العشرين.

وقدمت لنا تلك النوافذ فنانين بقيمة (عادل إمام ونور الشريف ومحمود يس وصلاح السعدني)، والمئات غيرهم، ليس لأن أحدا ضمهم إلى شلته، وإنما لأن الصناعة نفسها كانت أوسع من أن يحتكرها أحد، وكانت هناك أبواب متعددة يمكن للموهبة أن تدخل منها.

لهذا فإن قصة (سهام جلال) ليست قصة فنانة لم تجد عملا، بل قصة صناعة لم تعد تعرف كيف تستفيد من أبنائها، صناعة تدفع بعض أصحابها إلى مطاردة فرصة، أو انتظار هاتف لا يرن، أو طلب مساعدة من زميل قديم لا يرد.

كما قلت، سينتهي خلال يومين مزاد (المرثيات) على إحباط (سهام جلال)، ويعود كل شيء كما كان، حيث تبقى الشلل في أماكنها، وتبقى الأبواب مغلقة، وسيواصل كثيرون الانتظار خارجها، لكن السؤال الذي سيبقى معلقا.. كم سهام جلال أخرى ما زالت حية بيننا، تنتظر فرصة لن تأتي؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.