رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

محمود عطية يكتب: معايير لجنة اختبار (الإذاعة)

محمود عطية يكتب: معايير لجنة اختبار (الإذاعة)
ما المعايير التي يتم على أساسها اختيار القراء في السنوات الأخيرة؟

بقلم المستشار: محمود عطية *

الأمل في إعادة النظر في لجنة اختبارات القراء بـ (الإذاعة) والتلفزيون ليس مطلبا عابرا ولا ترفا فكريا بل ضرورة ملحة تمليها مكانة التلاوة في وجدان المصريين وفي ذاكرة العالم الإسلامي كله، فمصر التي صنعت مدرسة التلاوة وأهدت البشرية أصواتا خالدة وأداءات راسخة في الضمير لا يليق بها أن ترى هذا الإرث يتراجع أو يتعرض للتشويه بسبب اختيارات لا تعكس جوهر هذا الفن، ولا تحافظ على أصوله وقواعده

لقد كانت (الإذاعة) والتلفزيون في زمن قريب بوابة عبور لا يدخلها إلا من استوفى شروطا صارمة من الإتقان والدقة والجمال، وكانت لجنة الاختبارات تمثل ميزانا دقيقا لا يجامل ولا يساوم وكان القارئ الذي يحصل على اعتماد رسمي يحمل على عاتقه مسؤولية كبرى تجعله أهلا لأن يكون قدوة ومعلما وصوتا يليق بأن يسمع في كل بيت.

أما اليوم فقد بات السؤال مطروحا بإلحاح حول المعايير التي يتم على أساسها اختيار القراء في السنوات الأخيرة، وهل ما زالت تلك المعايير قائمة أم أنها تراجعت أمام اعتبارات أخرى لا علاقة لها بجوهر التلاوة.

إن الدعوة إلى إعادة تقييم من تم اختيارهم خلال العشر سنوات الأخيرة لا تعني الإقصاء بقدر ما تعني التصحيح، فالمراجعة ليست هدما وإنما بناء وليست تشكيكا وإنما حرص على بقاء المستوى الذي عرفت به مصر عبر عقود طويلة، وإذا كان من الطبيعي أن تختلف الأذواق في جمال الصوت فإن ما لا ينبغي أن يكون محل اختلاف هو إتقان الأحكام لأن التجويد هو الأساس الذي يقوم عليه هذا الفن، وهو الضابط الذي يحفظ للنص القرآني هيبته وصحته.

محمود عطية يكتب: معايير لجنة اختبار (الإذاعة)
استبعاد من تنطبق عليه شروط جمال الصوت مع الإتقان في الأحكام يعد مفارقة يصعب قبولها

علم راسخ بالأحكام

إن استبعاد من تنطبق عليه شروط جمال الصوت مع الإتقان في الأحكام يعد مفارقة يصعب قبولها، لأن الجمع بين هذين العنصرين هو جوهر الاختيار الصحيح فالصوت الجميل وحده لا يكفي إذا لم يسنده علم راسخ بالأحكام، كما أن المعرفة النظرية لا تؤتي ثمارها إذا لم تخرج في قالب صوتي مؤثر يصل إلى القلوب ويوقظ المعاني ويجسدها في أداء حي يلامس السامع ويقوده إلى التدبر والخشوع.

لقد كانت مدرسة التلاوة المصرية نموذجا فريدا يجمع بين العلم والفن بين الدقة والإبداع بين الالتزام والروح، وكانت أسماء الرواد الذين أسسوا هذا الصرح الكبير تمثل قمما لا تزال تتردد أصداؤها حتى اليوم، وكان لكل واحد منهم بصمته الخاصة التي لا تخطئها الأذن.

ومع ذلك كانوا جميعا ينطلقون من أرضية واحدة صلبة قوامها الإتقان التام للأحكام والقدرة على توظيف المقامات توظيفا يخدم المعنى ولا يستعرض المهارة فقط

إن ما نسمعه اليوم في كثير من الأحيان في (الإذاعة) لا يرتقي إلى هذه المدرسة لا من حيث الالتزام ولا من حيث الأداء، فهناك أصوات ترفع حدتها بلا مبرر ويغلب عليها الصخب أكثر من الخشوع وتفتقد إلى التوازن الذي يميز التلاوة الحقيقية، حيث يكون الصوت وسيلة لا غاية ويكون المقام خادما للمعنى لا عبئا عليه.

ومع الأسف يلقى هذا اللون من الأداء نوعا من الإطراء الذي لا يستند إلى معيار علمي أو فني واضح، بل تحركه أحيانا علاقات أو مجاملات أو مجموعات من المصفقين الذين يرفعون من لا يستحق ويقصون من يستحق.

ولا يمكن تجاهل البعد المادي الذي تسلل إلى هذا المجال بشكل لافت في السنوات الأخيرة، حيث أصبح بعض من يطلق عليهم وكلاء أو سماسرة وسطاء بين القارئ والجمهور يتعاملون مع التلاوة كما لو كانت سلعة تخضع لقواعد السوق البحتة، فيتم تضخيم الأجور بشكل مبالغ فيه وتقاسم العوائد بطرق تسيء إلى قدسية هذا الفن وتفرغه من رسالته الأساسية.

وهذا الواقع يطرح تساؤلات مشروعة حول الدور الذي ينبغي أن تقوم به المؤسسات الرسمية في ضبط هذا المجال وحمايته من الانحراف.

إن التلاوة ليست حفلا غنائيا ولا عرضا استعراضيا، بل رسالة لها قدسيتها وخصوصيته، ومن ثم فإن تحويلها إلى مجال للمزايدات المالية يهدد جوهرها ويضعف ثقة الجمهور في القارئ وفي المؤسسة التي منحته الاعتماد، وإذا استمر هذا الاتجاه دون تصحيح فقد نجد أنفسنا أمام جيل جديد يرى في التلاوة وسيلة للكسب السريع لا طريقا للعلم والتجويد والارتقاء الروحي.

محمود عطية يكتب: معايير لجنة اختبار (الإذاعة)
أهمية دور نقابة القراء التي يفترض أن تكون حارسا لهذا الفن وصوتا يدافع عن معاييره ويصون مكانته

دور نقابة القراء

ومن هنا تبرز أهمية دور نقابة القراء التي يفترض أن تكون حارسا لهذا الفن وصوتا يدافع عن معاييره ويصون مكانته فإذا غاب هذا الدور أو ضعف فإن المجال يصبح مفتوحا لكل من هب ودب دون ضابط أو رادع وهو ما نلمسه في بعض الممارسات التي لا تتناسب مع تاريخ التلاوة في مصر ولا مع مكانتها في قلوب الناس.

إن الحديث عن ما يسمى بفنكوش المقامات يفتح بابا آخر للنقد، حيث يتم أحيانا تقديم المقامات على أنها غاية في ذاتها ويتم تضخيم دورها بشكل مبالغ فيه حتى تتحول إلى نوع من الاستعراض الذي قد يبتعد عن روح التلاوة وجوهرها، فالمقامات في أصلها أدوات تعبيرية تساعد القارئ على تجسيد المعنى وإيصال الإحساس لكنها ليست بديلا عن الإتقان ولا مبررا للتكلف، وإذا أسيء استخدامها تحولت إلى عبء على النص وإلى وسيلة للفت الانتباه على حساب الخشوع.

إن الإصلاح المطلوب لا يتحقق بقرار واحد ولا بإجراء شكلي، بل يحتاج إلى رؤية متكاملة تبدأ بإعادة تشكيل لجنة الاختبارات، بحيث تضم علماء تجويد متمكنين وخبراء في الأداء الصوتي وأصحاب خبرة طويلة في هذا المجال، ويكون معيارهم الأول والأخير هو الإتقان الحقيقي بعيدا عن أي اعتبارات أخرى.

كما يتطلب الأمر وضع آليات واضحة لإعادة تقييم من تم اعتمادهم خلال السنوات الماضية، وفق معايير معلنة وشفافة تضمن العدالة وتمنح كل ذي حق حقه.

كذلك ينبغي إعادة الاعتبار لمسارات التأهيل والتدريب بحيث لا يقتصر الأمر على الاختبار النهائي، بل يسبقه برنامج إعداد متكامل يمر فيه القارئ بمراحل متعددة من التعلم والتقويم تحت إشراف أساتذة معتمدين يوجهونه ويصححون أخطاءه ويصقلون موهبته، حتى يصل إلى المستوى الذي يؤهله للظهور عبر الإذاعة والتلفزيون وهو واثق من أدواته وقادر على تمثيل هذه المدرسة العريقة.

محمود عطية يكتب: معايير لجنة اختبار (الإذاعة)
لابد من تفعيل دور الرقابة المهنية التي تتابع أداء القراء بعد اعتمادهم وتقدم لهم تغذية راجعة مستمرة

دور الرقابة المهنية

ولابد أيضا من تفعيل دور الرقابة المهنية التي تتابع أداء القراء بعد اعتمادهم وتقدم لهم تغذية راجعة مستمرة وتلفت نظرهم إلى أي انحراف عن القواعد أو تراجع في المستوى، لأن الاعتماد ليس نهاية الطريق بل بدايته والمسؤولية تظل قائمة ما دام القارئ يتصدر المشهد ويؤثر في جمهور واسع.

أما على صعيد الجانب المادي فينبغي وضع أطر تنظيمية تحدد العلاقة بين القارئ والجهات التي تتعامل معه بشكل يحفظ كرامته ويمنع الاستغلال، وفي الوقت نفسه يضع حدا للمبالغة غير المبررة في الأجور ويقضي على ظاهرة السماسرة الذين يتربحون على حساب الفن والرسالة، ويمكن في هذا السياق الاستفادة من تجارب مهنية أخرى نجحت في تنظيم أسواقها دون أن تفقد روحها.

إن استعادة بريق مدرسة التلاوة المصرية ليست أمرا مستحيلا فالمواهب لا تزال موجودة والقدرات لم تنضب، لكن الأمر يحتاج إلى بيئة حاضنة تكتشف هذه المواهب وترعاها وفق معايير دقيقة وتمنحها الفرصة الحقيقية للظهور بعيدا عن الضوضاء والمجاملات، كما يحتاج إلى إرادة صادقة لدى القائمين على هذا الملف بأن الإصلاح ممكن وأن الحفاظ على هذا الإرث واجب لا يقبل التأجيل.

وفي النهاية يبقى الأمل قائما في أن نشهد مرحلة جديدة تعود فيها (الإذاعة) والتلفزيون إلى دورهما الريادي في تقديم نماذج لامعة في الإتقان والأداء، وأن تستعيد التلاوة مكانتها التي تستحقها في وجدان الناس.

وأن يشعر المستمع حين يفتح جهازه أنه أمام صوت يليق بكلام الله صوت يجمع بين العلم والجمال ويعكس تاريخا طويلا من العطاء والتميز لا مجرد صخب عابر سرعان ما ينطفئ دون أثر.

* المحامي بالنقض – منسق ائتلاف مصر فوق الجميع

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.