رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

(قلب مفتوح).. نموذج هزيل للميني دراما (Mini series) التي ترسخ للسطحية!

(قلب مفتوح).. نموذج هزيل للميني دراما (Mini series) التي ترسخ للسطحية!

(قلب مفتوح).. نموذج هزيل للميني دراما (Mini series) التي ترسخ للسطحية!
قصر الحلقات كقناع هش لمواراة الترهل الدرامي والفقر الفكري على مستوى النص
(قلب مفتوح).. نموذج هزيل للميني دراما (Mini series) التي ترسخ للسطحية!
محمد حبوشة

بقلم الكاتب الصحفي: محمد حبوشة

مسلسل (قلب مفتوح) يمثل نموذجا صارخا لأزمة (الميني أو حتى المايكرو دراما) التي تضحي بالجوهر لصالح المظهر؛ حيث وقع المسلسل في فخ (الفخامة البصرية) في حلقة واحدة لا تزيد عن (الدقيقتين على الأكثر)، ولعل صناع المسلسل جنحوا لاستخدام قصر الحلقات كقناع هش لمواراة الترهل الدرامي والفقر الفكري على مستوى النص الذي يبدولي هزيلا للغاية.

النص والسيناريو، يبدو واضحا فيهما غياب المنطق وسقوط الـ (Psychodrama)، والخطيئة الكبرى للعمل تبدأ من الورق، المسلسل يحاول تقديم حبكة تجمع بين الإثارة النفسية والتشويق، لكنه يسقط في فخ الفجوات الدرامية التي لا يمكن التغاضي عنها في الدراما النفسية.

فضلا عن هذا وذاك يبدو واضحا تزييف التحليل النفسي، فالمسلسل يعامل العقد النفسية لشخصياته كـ (إكسسوار) درامي، لا كدوافع حقيقية تحرك السلوك.. فالتحولات النفسية للأبطال تأتي مفاجئة، غير مبررة، وتفتقر إلى التدرج المنطقي، مما يجعل الصراعات تبدو مفتعلة ومفبركة لخدمة (الإثارة) فق، دون النظر للعمق الدرامي.

الحوار في مسلسل (قلب مفتوح) تلقيني بالدرجة الأولى، فبدلا من ترك الأفعال والمواقف تكشف عن أعماق الشخصيات، يعتمد السيناريو على حوارات طويلة ومباشرة يشرح فيها الأبطال دوافعهم، وهو ما يفقد العمل غموضه النفسي المفترض ويهبط به إلى مستوى التلقين المباشر دون وعي.

العمل يعاني من المتلازمة الشائعة في الإنتاجات الحديثة: تغليب الإبهار البصري على حساب السرد، وهذا من ديكورات وإضاءة بلا هوية، فنرى كادرات سينمائية تبدو جميلة إلى حد ما، وإضاءة معتمة (مقصودة) لإضفاء جو من الغموض، وبيوتا فارهة أشبه بمعارض الأثاث.. لكن هذا (التجميل المفرط للصورة) يعزل المشاهد عن واقع القصة الحقيقية.

(قلب مفتوح).. نموذج هزيل للميني دراما (Mini series) التي ترسخ للسطحية!
الإخراج استند إلى الميزانية الضخمة وحركة الكاميرا الرشيقة كوسيلة لتشتيت الانتباه عن ضعف الحبكة

غياب البناء المتماسك للشخصيات

في مسلسل (قلب مفتوح) الصورة تظهر كمخدر، وهو ما يبدو واضحا في أن الإخراج استند إلى الميزانية الضخمة وحركة الكاميرا الرشيقة كوسيلة لتشتيت الانتباه عن ضعف الحبكة.. الصورة هنا لا تخدم النص، بل تحاول جاهدة إخفاء عيوبه، وهو تكنيك يفقد العمل مصداقيته الفنية ويجعله مجرد (كليب) طويل يفتقد لروح الدراما.

في ظل غياب البناء المتماسك للشخصيات، بات الممثلون يتحركون في مساحات ضيقة ومكررة، فعلى مستوى الأداء الخارجي: غرق بعض الأبطال في الانفعالات المصطنعة والمبالغات التعبيرية لتعويض غياب العمق في السطور المكتوبة بطريقة ركيكة في جلها.

ومن هنا غابت الكيمياء الحقيقية بين الشخصيات، وتحولت الصراعات الثنائية إلى مواجهات متوقعة تفتقر إلى الذكاء الدرامي، حيث يتحرك الممثل كأداة في يد مخرج يهتم بـ (شكله في الكادر) أكثر من اهتمامه بالصدق الشعوري للشخصية في تحولاتها النفسية.

حيث تجد تعارضا صارخا بين المظهر الخارجي الأنيق (الفخامة البصرية والديكورات المودرن) وبين الأداء التمثيلي الفج الذي يعود بالمشاهد إلى عصور الميلودراما القديمة، والمبالغات الفنية المرفوضة في الدراما النفسية الحديثة.

أضف إلى ذلك أن هذا المزيج الغريب بين الترهل والزعاق يعكس أزمة توجيه إخراجي وغياب تام لـ (الهارموني) أو (الانسجام الفني)، ويتجلى في مظاهر واضحة، ومن ثم يظهر الترهل.. فبسبب بتر السياق وغياب البناء المنطقي للأحداث، تجد الممثلين في كثير من المشاهد يدخلون في حالة من (البرود) أو التكرار؛ حيث لا يوجد تصاعد حقيقي في المشهد الدرامي الواحد.

الحوارات تبدو ميتة ومطاطة رغم قصر الحلقات، والممثل يلقي سطوره دون إيمان حقيقي بها، مما خلق حالة من الترهل الإيقاعي داخل المشهد الواحد، والانتقال المفاجئ بين هذا البرود (الترهل) وبين الصراخ الفج (الزعاق) جعل الأداء يبدو مهتزا وغير متزن، ولا يعبر عن الجالة الشعورية للشخصيات في سياق الأحداث.

ويمكنني القول أن مسلسل (قلب مفتوح) هو دليل آخر على أن الكاميرات الأحدث والديكورات الأكثر فخامة لا يمكنها إحياء نص ميت إكلينيكيا.. العمل افتقد إلى (المشرط الدرامي) الذي يغوص في تشريح البنية النفسية لشخصياته، واكتفى بتقديم قشرة بصرية لامعة تخفي وراءها فراغا حكائيا لا يترك أي أثر حقيقي لدى المشاهد الواعي.

نقطة الضعف القاتلة في مسلسل (قلب مفتوح) هى تلك التي جعلت العمل يبدو وكأنه (مبتور) هو قصر حجم الحلقات (سواء من حيث عدد الدقائق أو قلة عدد الحلقات الإجمالي) تحول من ميزة (الإيقاع السريع) إلى أداة لتدمير أي فرصة لبناء إثارة حقيقية أو تصاعد درامي منطقي يخدم تراتب الأحداث.

(قلب مفتوح).. نموذج هزيل للميني دراما (Mini series) التي ترسخ للسطحية!
عندما يبتر السياق، تنهار البنية الفنية للعمل برمته

انهيار البنية الفنية للعمل

فبتر السياق هو النتيجة الحتمية عندما يتحول قصر الحلقات من (أداة لضبط الإيقاع) إلى (مقصلة) تطيح بمنطق الأحداث وتماسكها الهيكلي، في الدراما، السياق (Context) هو الحاضنة التي تجعل أي حدث، أو تحول، أو رد فعل قابلا للتصديق، وعندما يبتر هذا السياق، تنهار البنية الفنية للعمل برمته.

بسبب ضيق زمن الحلقات، اعتمد المخرج على الاختزال المشوه، فبدت الحلقات وكأنها مجموعة من المشاهد المنفصلة (Sketches) التي جمعت على عجل في غرفة المونتاج، وليست نسيجا دراميا متصلا.. هذه القفزات غير المدروسة في السرد قطعت حبل التواصل الشعوري؛ فالمشهد لا يسلمك للمشهد الذي يليه بمنطقية، بل يقذفك إليه قذفا، مما أفقد العمل انسيابيته وأفرغه من أي عمق حكائي.

وترتيبا على هذا فإن الخطأ الإخراجي والكتابي الفادح هنا هو الاستسهال؛ فالسيناريو لا يملك الوقت ولا العمق الفني ليعبر عن صدمة الشخصية أو تحولها عبر الأفعال، فيلجأ فورا إلى المونولوجات الخطابية المباشرة والفجة في مجملها.

نجد البطل يقف ليتحدث بلسان فصيح وخطابي عن خيبته، أو فلسفته في الحياة، أو أسباب شره، وكأنه يقرأ من كتاب علم نفس أو يعطي المشاهد كتالوج) لتفسير تصرفاته، وهو ما يجرد العمل من أي ذكاء درامي يذكر بالضرورة.

الخطابية جعلت الحوار يبدو مصطنعاً، ومقحما، ولا يتناسب مع طبيعة العصر أو واقعية الشخصيات.. الشخصيات المودرن التي تعيش في تلك البيئات الفخمة والأنيقة التي يستعرضها المخرج، تتحدث فجأة بلغة مسرحية شعاراتية (Theatrical) مليئة بالعبارات الرنانة والتعميمات الجوفاء التي لا تثمن ولا تغني من جوع.

هذا التناقض الصارخ بين واقعية المظهر الخارجي وخطابية اللفظ خلق فجوة واسعة جعلت المشاهد يعجز عن تصديق أن هؤلاء بشر حقيقيون يمرون بأزمات حقيقية، وبدلاً من ترك النهاية أو المصائر تقدم تساؤلاتها الفلسفية للمشاهد، سقطت الخطابية في فخ التلقين الأخلاقي.

بحيث تحولت بعض المشاهد المواجهة والمفاصل الدرامية إلى ما يشبه المحاكمات الصورية، حيث يتبادل الأطراف اتهامات وخطباً رنانة حول (الخير والشر، والوفاء، والخيانة)، هذه النبرة الوعظية أفقدت السيكودراما منطقتها الرمادية الجذابة، وحولتها إلى ثنائية أبيض وأسود مسطحة ومملة إلى حد كبير.

النتيجة الفنية: عندما يبتر السياق، تفقد (الفخامة البصرية) أي قيمة لها؛ فما فائدة الكادر السينمائي المبهر والإضاءة الساحرة إذا كانت اللقطة تنقل حدثا مبتورا لا سياق له ولا عمق؟.. المسلسل اختار أن يضحي بـ ألف باء السرد الدرامي في سبيل مظهر خارجي سريع وعصري، فجاء النتاج مشوها لا يعلق بالذاكرة طويلا.

(قلب مفتوح).. نموذج هزيل للميني دراما (Mini series) التي ترسخ للسطحية!
قصر الحلقات بهذا الشكل أسفر عن كوارث هيكلية واضحة

كوارث هيكلية واضحة

في عالم الدراما النفسية والتشويق، قصر الحلقات بهذا الشكل أسفر عن كوارث هيكلية واضحة، وذلك يتمثل في حرق (التشويق) قبل أن يولد، فالإثارة الحقيقية (Suspense) لا تعتمد على المفاجأة الصادمة فحسب، بل على (الانتظار والترقب) وهذا خطأ هيكلي في المسلسل.

ومن هنا فإن قصر وقت الحلقة لم يمنح النص المساحة الكافية لزرع الشكوك، أو بناء الغموض، أو ترك المشاهد يتساءل ويتوقع.. الأحداث كانت تلهث لتقطع المسافات وتصل إلى (النهاية القفلية) لكل حلقة بشكل متعجل، مما جعل المفاجآت تبدو مجانية ومفتعلة، وليست نتيجة طبيعية لتطور الأحداث بمنطقي.

لكي يشعر المشاهد بالإثارة والخوف على الشخصية، يجب أولا أن (يعيش) معها ويتفهم دوافعها ومخاوفها.. قصر الحلقات جعل المخرج والكاتب يمران مر الكرام على المحطات النفسية التحولية للأبطال.

الانتقال من مرحلة الاستقرار إلى الانهيار، أو من الشك إلى اليقين، كان يحدث في دقائق معدودة، وهو ما يعرف بـ (الدهس الدرامي)، فلم نعد نرى صراعا نفسيا، بل مجرد (لوحات استعراضية) سريعة لنتائج هذا الصراع المفتعل من الأساس.

بسبب ضيق الوقت التلفزيوني والرغبة في إنهاء الحبكة سريعا، سقط مسلسل (قلب مفتوح) في فخ (الحلول الجاهزة والمستعجلة)، الألغاز التي كان ينبغي أن تستغرق وقتا لتفكيكها بذكاء، كانت تحل فجأة عبر مصادفات ساذجة أو اعترافات مجانية من الشخصيات لمجرد إغلاق الحلقة، مما أفقد (الإثارة) قيمتها، وتحول التشويق إلى نوع من التلقين التجاري الذي يستخف بعقلية المشاهد الذي لا يرى ضالته في هذا النوع من الدراما.

الوجبات الدرامية السريعة قد تناسب أعمال الحركة الخفيفة، لكنها تقتل عمق التشويق النفسي.. ولهذا اختصر مسلسل (قلب مفنوح) الزمن على حساب المنطق، فجاءت الإثارة باهتة ومسطحة، ولم تنجح (الفخامة البصرية) في تعويض هذا الفقر في الوقت والعمق اللذين يرويان عطش مشاهد متشوق لدراما حقيقية.

ظني أنه بالفعل، يمثل مسلسل (قلب مفتوح) نموذجا هزيلا للميني دراما (Mini series)، ويكشف عن فهم قاصر ومشوه لهذا القالب الفني الحديث؛ حيث تم التعامل مع (الميني دراما) على أنها مجرد (قص وتكثيف كمي) للحلقات، وليس كبنية درامية مكثفة ذات جودة نوعية. على جناح النص والأداء.

(قلب مفتوح).. نموذج هزيل للميني دراما (Mini series) التي ترسخ للسطحية!
اللجوء إلى (الميني دراما) هنا لم يكن خيارا فنيا نابعا من حاجة النص

بتر المراحل التمهيدية للصراع

في التجارب العالمية الناجحة، يلجأ إلى الميني دراما لتقديم حبكات شديدة التماسك والتركيز، تخلو من الحشو التلفزيوني التقليدي (المط والتطويل)، لكن في حالة (قلب مفتوح)، تحول القالب إلى نقمة لأسباب بنيوية تتعلق بالشكل والمضمون.

ياسادة: الميني دراما الناجحة تعتمد على التكثيف  (Density)؛ أي أن كل دقيقة، وكل كادر، وكل جملة حوارية تحمل دلالة نفسية أو تحرك الحبكة خطوة إلى الأمام، لكن ما حدث في (قلب مفتوح) لم يكن تكثيفا، بل كان بترا وتلخيصا مخلا؛ حيث بترت المراحل التمهيدية للصراع، وحذفت التفاصيل التي تمنح القصة منطقيتها، فخرج العمل أشبه بـ (ملخص مطول) لمسلسل كان ينبغي أن يُنفذ بشكل أعمق لخدمة الدراما.

وهنا ألفت إلى أنه ليس كل نص يصلح ليكون (ميني دراما)، الأعمال التي تتناول السيكولوجيا المعقدة، والجرائم النفسية، وتفكك العلاقات الإنسانية تحتاج بطبيعتها إلى (نفس درامي) يتيح للشخصيات أن تتنفس وتتطور.

اختيار هذا القالب القصير لقصة مركبة – دون إعادة صياغتها بذكاء لتناسب الصيغة المكثفة – جعل المسلسل يبدو كمن يحاول حشر لوحة جدارية ضخمة داخل إطار صورة صغيرة، فتشوهت الملامح وضاعت التفاصيل في سياق الأحداث.

كما أثبت مسلسل (قلب مفتوح) أن اللجوء إلى (الميني دراما) هنا لم يكن خيارا فنيا نابعا من حاجة النص، بل كان خيارا تجاريا بحتا؛ لمواكبة (موضة) المنصات الرقمية، ولتقليل أيام التصوير مع الحفاظ على ميزانية ضخمة تذهب بالكامل لـ (الديكورات والفخامة الخارجية) وأجور النجوم التي تشهدا انفجار مريعا في الأعمال الطويلة.

المحصلة النهائية: هى منتج تلفزيوني (سريع الاستهلاك  – Fast-food Drama) يبهر العين في اللحظة الأولى، لكنه يترك المشاهد بعد النهاية بحالة من عدم الرضا والفراغ الفني.

باختصار: مسلسل (قلب مفتوح) قدم أسوأ ما في الاختصار (وهو السطحية) ودمر ميزات الميني دراما (وهى التركيز والقوة)، ليظل مجرد تجربة بصرية براقة تفتقر إلى النضج الهيكلي والعمق الحكائي الذي يتطلبه هذا النوع من الأعمال التي تشهد انتشارا سريعا الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.