

بقلم الكاتب الصحفي: بهاء الدين يوسف
بينما توجه حجاج بيت الله الحرام لرمي الجمرات الذي يعد الطقس قبل الأخير في مناسك الحج، نتوجه بسؤال الى المعنيين بالشأن الإعلامي هو متى نرجم (شياطين الإعلام) في مصر؟!
في مشعر منى يقف كل حاج أمام الأعمدة الثلاثة، ويلتقط حصى صغيرة ليرجم بها الشيطان، في استعادة رمزية للحظة القديمة التي حاول فيها إبليس إغواء النبي إبراهيم ومنعه من تنفيذ أمر الله، فكان الرد هو الرجم والطرد والإعلان الواضح بأن الشر مهما تجمل أو حاول الإقناع، يظل شرا يجب مقاومته.
ففي حياتنا الحديثة لم تعد الشياطين بقرون وذيول حمراء مثل صورتها النمطية في أذهاننا، بل ترتدي بدلات أنيقة، وتجلس تحت أضواء الاستوديوهات، وتتحدث بثقة عبر شاشات التلفزيون، وتقدم نفسها باعتبارها صوت الحكمة والوطنية والعقل.
كما ولم تعد تسكن الكهوف المظلمة كما صورتها الأساطير، وإنما يقطنون في قصور وفلل فاخرة في أرقى المنتجعات السكنية.. هؤلاء هم (شياطين الإعلام)، أو شياطين العصر الحديث.
الشيطان في جوهره، لا يجبر أحدا على شيء.. هو فقط يزين الباطل، ويحول الخوف إلى فضيلة، والاستسلام إلى حكمة، والكذب إلى ضرورة وطنية، والإعلامي الانتهازي أيضا لا يقول للناس (أنا أضللكم)، بل يتحدث باسم الوطن والخوف على الدولة والاستقرار والمصلحة العامة، بينما تكون مصلحته الشخصية هي المحرك الحقيقي لكل شيء.
ثم تأتي اللحظة المعتادة دائما، حين تضعف السلطة أو تتغير المعادلات، فتبدأ عملية تغيير الأقنعة، يتحول المادح إلى ناقد، والمحرض إلى حكيم، ويتسابقون.. ليس فقط في القفز من السفينة قبل أن تغرق، وإنما للحاق بسفينة أخرى يتعشمون أنها ستؤمن لهم مصالحهم.

تناقضات عمرو أديب
لعل الكثيرون شاهدوا فيديوهات تم فيها تجميع تناقضات عمرو أديب بين آراء قالها وقت أن كان مبارك رئيسا ثم هجومه المكثف عليه بعد رحيله، ومؤخرا قرر إعلامي جديد من باشاوات العصر الحالي أن يشرب جرعات مكثفة من مشروب بيريل و(يسترجل) ويكيل الذم لعصر مبارك الذي لم نكن نسمع له صوتا.
وعندما رد عليه علاء ابن مبارك لم يخجل أو حتى يتحلى بفضيلة الصمت، وإنما رد على الرد بنفس الطريقة التي لم يكن يفكر في أن يتبعها وقت أن كان مبارك في السلطة، وغدا أو بعد غد لن يكون مفاجئا إذا خرج ليكيل الاتهامات للعصر الحالي ورئيسه وكأنه لم يكن أحد أدوات تجميله.
المؤسف أن بعض هؤلاء لا يكتفون بالدفاع عن السلطة، ولا تنفيذ ما يملى عليهم، وإنما يختارون (التجويد) من خلال التحريض المعنوي ضد أي شخص يختلف مع المسؤول، فحولوا السياسة إلى معركة بين وطنيين وخونة، و احتكروا الوطنية للمسؤولين اولا ثم لأنفسهم.
هذا السلوك يذكرني بمشهد قديم للراحل العبقري (السيد راضي) حين كان يقدم دور مهرج الفرعون في أحد سلاسل (لا اله الا الله)، حيث دخل في حوار مع بعض الناس خارج القصر، وعندما سخروا من ارائه انفعل غاضبا وهو يهددهم بقوله (الويل لمن عصاني)، ثم ت.وقف فجأة كأن سلكا كهربائيا مسه والتفت حوله وأكمل قائلا (أو عصى الفرعون الاله)
لا توجد مشكلة في أن يؤيد أي إعلامي هذا الرئيس أو هذا المسؤول أو ذاك، ولا توجد مشكلة كذلك في أن يراجع الإنسان نفسه ومواقفه ويعدل منها، لكن المصيبة هي في تحول مواقفهم فور سقوطه، ليس نتيجة مراجعات فكرية لا سمح الله، وانما انعكاسا لسلوك انتهازي تتبدل فيه القناعات حسب مكان الكرسي الأقرب إلى السلطة.
وأتذكر هنا إعلاميين كانوا يؤيدون الرئيس الأسبق ومحسوبون على نظامه، لكنهم بعد سقوطه لم يتلونوا أو يحاولوا ركوب الموجة العائدة الى شاطئ الامان كما فعل غيرهم وانما ثبتوا على مواقفهم المعلنة او استسلموا لها، ودفعوا الثمن بابعادهم القسري عن الأضواء وربما العمل الإعلامي كله، رغم كفاءة بعضهم.
واذا كان المعنيون بالشأن الإعلامي في مصر لديهم حساباتهم التي تدفعهم للإبقاء على هذه النوعية من الإعلاميين.. توهما أنهم يطيلون أمد بقائهم، حتى ولو كان ذلك غير صحيح وفقا لمؤشرات قياس الرضا العام عن الأداء السياسي، وكذلك توجه النسبة الأكبر من المصريين الى وسائل اعلامية بديلة، فإن الواجب أن يوجه كل مصري السؤال المشار إليه في بداية المقال لنفسه.
فإذا كان الحجاج يرجمون الشيطان كل عام لأنه حاول تضليل البشر، فمتى يرجم المصريون (شياطين الإعلام) الذين ضللوا الناس ولا يزالون؟! الذين باعوا الخوف والصمت والتصفيق باعتبارهم أدلة على حب الوطن.