
بقلم الباحث المسرحي الدكتور: كمال زغلول
الجمالية شعور نفسي بالشخصية المسرحية، ينتج عن التأثيرات الجمالية للشخصية الممثلة، وكما يوجد شخصية جمالية، يوجد أيضا شخصية (الثلاثي القبيح)، التي تتآمر وتتصارع مع هذه الشخصيات الجمالية، وهذا ينتج عنه في النصوص صراع نفسي عميق مما يسبب الألم، ويضع المشاهد في حالة من التكشف والمقارنة بين البعد النفسي ، للشخصيات التي تمثل أمامه.
ونلحظ هذا البعد النفسي الخفي في (الثلاثي القبيح): (القاضي فايد.. وغانم.. وعزجل أخو رزق)، وهذا (الثلاثي القبيح) لا ناقة لهم ولا جمل في حياة رزق وخضرة، ولكن الحقد الدفين في أنفسهم، دمر حياة فارس القبيلة وزوجته بلا أي سبب، سوى الحقد النفسي.
فلم يتهم أي فرد في القبيلة خضرة، في عرضها سواء من الرجال أو النساء، ولكن (الثلاثي القبيح) هم من فعلوا هذا الفعل ونري بداية المؤامرة في مجلس الملك سرحان في المشهد الآتي:
فرحوا بيه كبار وصغار
جام العرب هنوا ابن نايل
لف بيه علي الجمع كله
الشاعر : خد بالك من الرواية
جال العرب فعل في محله
خيار رجال نعم الرباية
وجه جدام القاضي يا رجال
وموجود بجنبه غانم
جالسة العرب يمين وشمال
مولاي بالخلق عالم
جدام غانم العبد دلي
والقاضي ينظر بعينه
والعرب الكل سامعه
كلام للرجال سامعينه
فا جرب القاضي وكشف الثام
(أول ما دليه العبد جدام القاضي اللي هو قاضي العرب فايد لسه ما كانش بجي بدير
القاضي فايد فعندما دلوا الغلام جدام القاضي):
بص القاضي وشال اليثام
جاري وعارف الكتايب
لما شاف شكل الغلام
لجيه اسمر جال دي اخر عجايب
لجي الولد صغير اسمر اللون
جال سبحان رب الخلايج
يعني ده فعل غير موزون
ده ما فيش في مثله خلايج
جوم مال علي غانم القاضي
هما الاتنين

مجلس الملك سرحان
ونرى في المشهد أن جميع الحاضرين في مجلس الملك سرحان، هنوا رزق، ولم يشككوا في نسب الطفل، بل عمت الفرحة الجميع لزق، إلا أن القاضي فايد فعل فعلته ومكر مكره وتآمر على رزق وخضرة الشريفة، وفي قبح جرئ، تطاول هو وغانم على خضرة الشريفة.
الشاعر (ماله علي بعض القاضي وغانم):
جال القاضي سبحان الله
جال القاضي سبحان الله
اهي حاضره رجال الهلايل
مثل الوجه ده فينا ما راناه
لا لون خضره ولا لون ابن نايل
يعني جايبة الواد اسمر اللون
باين من عبيد الجلايب
سبحان من عمر الكون
عشنا وراينا العجايب
جوم غانم جاله
يا قاضي ما تلومش عليها
الشاعر: (شوف غانم يعمل الفتنة الفتنة وعرة جوي):
جاله غانم ما تلومش علي
ما جعدتها بلا عيال طالت
واصل يا قاضي الرازق جاعد حي
يمكن انها خضرة العبد مالت
فجال القاضي
جال القاضي يا سلام علي فعل النسا ده يغير الحي
الشاعر ( يغير اللحي يعني قال يعني
جال فعل النسا يغير الحي
أمع البعيد والجرايب

النفس البشرية وأمراضها
ويصور الشاعر ما بنفسية فايد القاضي وغانم تجاه رزق، لقد اغتالوا رزق نفسيا ومعنويا، وليس لهم ناقة ولا جمل بالموضوع برمته، ولكن النفس البشرية وأمراضها، واتهموا خضرة بأنها مالت للعبد، والحجة أنها لم تنجب من رزق أولاد طيلة عشر سنوات ، لأنها ترغب في الخلفة.
إن المقابلة الجمالية في هذا المشهد بين شخصيات خيرة وشخصيات قبيحة، فالخيرة تحسن لذوات النفوس الضعيفة، والنفوس الضعيفة لا تكتفي ـ بل ينتظرون اللحظة للانقضاض، على من أحسنوا إليهم، ويتصاعد التوتر داخل المجلس، ويأتي عزجل ، ويهم بقتل الطفل، ويسبب الوقيعة بن رزق وزجته بسبب مال رزق الوفير ونرى هذا في المشهد التالي:
شافه عزجل سكر بلاه كيف
فارس وغيظ نيده
وجام علي الولد ساحب سيف
وعاوز يجطع الواد بإيده
فجام رزق علي القدمين
وجال عاب فيك يا خوي غلامي
ادي العرب الكل حاضرين
رجال حافظه النظامي
كل النوازل يا حزجل ولا دي
كل النوادر
كل النوادر يا عزجل ولا دي
أدي رجال تشهد جبالك
جولي اذا كان عاب اخوي ولدي
يا أخي جولي وانا أقطع لسانه
يا عيني اة..
عزجل:جاله فين يا مجنون ولدك
عزجل جاله يا خوي فين والدك
عيشنا وراينا العجايب
د هانت جبت ظفار لبلدك
ده جيباه من عبد جلايب
آه يا عين..
دي جايبه الولد اسمر اللون
لا لونك ولا لون الشريفه
يبجي فين ولدك يا مجنون
حمول البلاء مش خفيفه

صعوبة الموقف وقسوته
ومن هذا المشهد يتم اتهام خضرة بأنها أتت بالطفل من عبد، بدون أيه بينة، ويصور الشاعر أقوال عزجل، واغتياله النفسي لأخيه، بكلمات قاتلة: (ده أنت جبت ظفار لبدلك، ده جيباه من عبد، ده لا لونك ولا لون الشريفة، يبجى فين ولدك يا مجنون). وفي هذا المشهد يعبر الشاعر عن صعوبة الموقف وقسوته ويقول (حمول البلاء مش خفيفة)، ليصور لنا هذا (الثلاثي القبيح) ونفسيتهم تجاه رزق بن نايل.
إن المقابلة بين شخصيات السيرة ونفوسهم، يعد جمالية في النقد النفسي لشخصيات المجتمع، ويبرز الشاعر هذا من خلال الرؤية النفسية لجميع شخصيات السيرة، ويختتم هذا الموقف بخروج خضرة الشريفة من نجد، وهى تناجي نفسها بأقوال تفضح هذه الشخصيات في المشهد التالي:
جالت يا نجد منك رحلنا
كما ن و ان بكيت اوعوا تلومني
انا ريت مامتي وتطلع رحلنا
ولا العرب كانوا يتهمونا
لكن روح لسرحان وقوله
ربي يعمر ديارك
ياللي فعلت الخير كله
بين العرب يعلي وقارك
وروح لغانم وجوله
ده عين الغضب وعيالك
ياللي فعلت للشر كله
رب العرش يتم عيالك
ياعين..
وروح للقاضي وجوله
جوله يا شيخ روح جل جهدك
روح يا شيخ يجل جهدك
واللي في علمه ربك يتامه
بين العرب تفضل لوحدك
وتصبح عيالك يتامي
يا .. من حجها تدعي عليه
لقد وضحت طبيعة غانم النفسية بقولها، وروح لغان وقوله ده عين الغضب وعيالك يا اللي فعلت الشر كله رب العرش يتم عيالك، وتقول لفايد روح يا شيخ يجل جهدك واللي في علمه ربك يتمه بين العرب تفضل لوحدك وتصبح عيالك يتام.
لقد أظهرت خضرة في دعائها على هذه الشخصيات مدى حقارة تلك الشخصيات ولجأت إلي الله لينتقم منهم، ولكنها لم تنسي من فعل الخير معها وكرمها الملك سرحان وقالت
لكن روح لسرحان وقوله
ربي يعمر ديارك
ياللي فعلت الخير كله
بين العرب يعلي وقارك
وكذا تبرز خضرة بحديثها مع نفسها، الجمالية الخاصة بموقف الملك سرحان من رزق ومنها، وبين شخصيات (الثلاثي القبيح) التي فعلت فعلتها، وانهت حياتها في نجد مع زوجها رزق.
ولكنها بعد فترة من الزم تعود إلي نجد معززة مكرمة إلي زوجها رزق وابنها أبو زيد، وتنكشف المؤامرة بعد سنين عاشتها خضرة في أرض العلامات، وهكذا نرى القبح في هؤلاء الشخصيات، ونرى الجمال في شخصية الملك سرحان.