


بقلم الكاتب والسيناريست: أحمد صبحي
هناك أعمال فنية لا يمكن اختصارها في مراجعة عابرة أو تحليل سريع، لأنها تتجاوز حدود الترفيه وتتحول إلى تجربة إنسانية وفكرية كاملة، وفيلم (البداية) واحد من هذه الأعمال النادرة.
إنه ليس مجرد فيلم كوميدي أو عمل سياسي ساخر، بل رؤية عميقة لطبيعة الإنسان حين يجد نفسه أمام السلطة والخوف والمصلحة والرغبة في البقاء.. ولذلك بقي فيلم (البداية) حاضرًا في الذاكرة حتى اليوم، لأن الأفكار التي ناقشها لم تكن مرتبطة بزمن معين، بل مرتبطة بطبيعة البشر أنفسهم.
الفن الحقيقي لا يغيّر الإنسان بشكل مباشر، لكنه يجعله يرى الحقيقة بوضوح.. يضعه أمام نفسه، ويترك له حرية الاختيار: هل يستمر كما هو، أم يحاول أن يتغير؟، وهذه هى القيمة الحقيقية للفن؛ أن يفتح العيون على ما نحاول تجاهله في حياتنا اليومية.
ومن هنا جاءت قوة (البداية)، لأنه لم يقدم خطبًا مباشرة أو شعارات صاخبة، بل نقل صورة دقيقة للمجتمع والسلطة والعلاقات الإنسانية في أبسط الظروف وأكثرها قسوة.
تبدأ الحكاية بسقوط طائرة تحمل مجموعة مختلفة من الأشخاص، يمثل كل واحد منهم نموذجًا من المجتمع.. يجد الجميع أنفسهم في صحراء معزولة، لا قانون فيها ولا دولة ولا مؤسسات، ويصبح عليهم أن يصنعوا عالمًا جديدًا كي يتمكنوا من الاستمرار في الحياة.


سقوط الطغيان لا يبدأ بالقوة دائمًا
وهنا تظهر الفكرة العبقرية التي بنى عليها (لينين الرملي) العمل بالكامل: الإنسان، مهما ابتعد عن الحضارة، يعيد تكوين السلطة من جديد، ويعيد إنتاج الصراع نفسه، وكأن هذه الطبيعة جزء لا ينفصل عنه.
الحياة تحتاج إلى نظام، والنظام يحتاج إلى قوانين، والقوانين تحتاج إلى من يفرضها ويحافظ عليها. لكن المشكلة تبدأ حين تتحول السلطة من وسيلة لحماية الناس إلى أداة للسيطرة عليهم.
هنا يظهر الطاغية الذي يعتقد أن القوة تمنحه الحق في التحكم في الآخرين، وأن الناس مجرد أدوات لخدمته.. الجهل يجعل الإنسان عبدًا دون أن يشعر، والخوف يجعله يقبل ما كان يرفضه من قبل، أما الإعلام والتملق فيساعدان أحيانًا على صناعة صورة مزيفة للطاغية حتى يصدق أنه فوق الجميع.
لكن فيلم (البداية) يوضح أيضًا أن الطاغية، مهما امتلك من نفوذ، يظل هشًا من الداخل. فهو يحتاج دائمًا إلى خوف الناس منه، وإلى استمرار صورتهم عنه باعتباره الأقوى والأذكى.. وحين يفقد احترام الآخرين، يبدأ سقوطه الحقيقي، حتى لو ظل يمتلك السلطة ظاهريًا.
ومن أجمل ما قدمه الفيلم أن سقوط الطغيان لا يبدأ بالقوة دائمًا، بل يبدأ أحيانًا بالسخرية. حين يتحول الحاكم إلى مادة للتهكم، يفقد جزءًا كبيرًا من هيبته، لأنه يكتشف أن الناس لم تعد تخشاه كما كان يتصور.
وقد أظهر فيلم (البداية) كيف يستطيع ذكاء الناس البسيط أن يهزم الغرور المتضخم. فالشعب قد يبدو صامتًا أو ضعيفًا، لكنه يراقب ويفهم أكثر مما يتخيل المتكبرون.. يبدأ الأمر بالمجاملة الزائدة والتفخيم المستمر، حتى يصدق الطاغية الصورة الوهمية التي صُنعت له، فيفقد القدرة على رؤية الحقيقة، ويصبح سقوطه مسألة وقت فقط.
ومن النقاط المهمة في الفيلم شخصية المسؤول عن المجموعة، التي قدمها الفنان الكبير جميل راتب.. كان من المفترض أن يسعى إلى احترام الناس لا إلى حبهم، لأن العامة لا يمنحون ثقتهم بالكلمات وحدها، بل بالأفعال والعدل والقدرة على اتخاذ القرار.
قد يكره الناس المسؤول كشخص، لكنهم يتقبلونه إذا شعروا أنه يحافظ على مصالحهم ويحمي حياتهم ويطبق القانون بعدالة. الهيبة الحقيقية لا تأتي من الخوف وحده، بل من الإحساس بأن هذا الشخص يستحق موقعه.
أما على المستوى الفني، فقد كان (لينين الرملي) في قمة إبداعه.. كتب نصًا يجمع بين الكوميديا والفلسفة والسياسة دون تعقيد أو ادعاء، وصنع شخصيات قريبة من الواقع رغم طابعها الرمزي. وكعادته، كانت الكوميديا عنده نابعة من الموقف نفسه ومن تناقضات البشر، لا من الإفيهات السريعة فقط.
بينما جاء إخراج صلاح أبو سيف بسيطًا وواضحًا، مدركًا أن الفكرة العظيمة لا تحتاج إلى استعراض مبالغ فيه، بل تحتاج إلى صدق في التقديم وإيقاع يصل بسهولة إلى المشاهد.
في النهاية، يظل (البداية) أكثر من مجرد فيلم؛ إنه مرآة تكشف طبيعة الإنسان حين يمتلك السلطة أو يخضع لها، وتجعلنا نفهم أن القوة الحقيقية ليست في القهر، بل في وعي الناس وقدرتهم على التمييز بين الحق والوهم. ولذلك سيبقى هذا العمل علامة مهمة في تاريخ السينما المصرية، لأنه جمع بين الفن والفكر والمتعة في صورة نادرة يصعب تكرارها.