رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

محمود عطية يكتب: وداع راق للفنان الكبير (هاني شاكر)

محمود عطية يكتب: وداع راق للفنان الكبير (هاني شاكر)
الحافظ على قدسية اللحظة، وتحول دون اقتحام المتطفلين والباحثين عن الكاميرات

بقلم المستشار: محمود عطية *

لم يعد الموت في أيامنا تلك اللحظة المهيبة التي تصمت أمامها الأصوات وتنحني لها النفوس وتستعيد فيها المجتمعات شيئًا من إنسانيتها الغائبة، بل أصبح في أحيان كثيرة مناسبة للفوضى والاستعراض وخطف الصور والبحث عن الترند، وكأننا فقدنا القدرة على التمييز بين الحزن الحقيقي وبين سوق صاخب يتنافس فيه البعض على الظهور ولو فوق أكتاف الموتى ووسط دموع أسرهم وأصدقائهم والمحبين لهم، حتى وصل بنا الحال إلى أن تضطر أسرة فنان راحل بحجم (هاني شاكر) إلى الاستعانة بشركة متخصصة في تنظيم العزاء.

ويأتي هذا بهدف الحافظ على قدسية اللحظة، وتحول دون اقتحام المتطفلين والباحثين عن الكاميرات وأصحاب الهواتف المحمولة الذين يتعاملون مع العزاء، كما لو كان مهرجانًا فنيًا أو مناسبة للهو والانتشار على مواقع التواصل الاجتماعي.

والحقيقة أن المسألة هنا لا تتعلق أبدًا بانتقاد فكرة الاستعانة بشركة للتنظيم ولا التقليل من دور هؤلاء الشباب الذين اجتهدوا في نقل نموذج معمول به في دول كثيرة تحترم النظام والخصوصية والهدوء في مثل هذه المناسبات.

بل على العكس فإن ما قاموا في جنازو وعزاء (هاني شاكر) به يعكس إدراكًا حقيقيًا لحجم التدهور الذي أصاب سلوكيات بعض الناس ممن لم يعودوا يدركون الفارق بين الواجب الإنساني وبين التطفل الرخيص.

ذلك التطفل الذي يتخفى أحيانًا خلف شعارات المحبة والاهتمام بينما هدفه الحقيقي هو اقتناص صورة أو فيديو أو مشهد يحقق له بعض المشاهدات والتفاعل

لقد أصبحنا نرى في كثير من العزاءات مشاهد لا تليق أبدًا بحرمة الموت ولا بوجع الفقد حيث يندفع البعض إلى التصوير بشكل هستيري، ويتسابق آخرون للوصول إلى الصفوف الأولى لا لتقديم واجب العزاء وإنما للظهور أمام الكاميرات، بينما يتحول المشهد كله إلى فوضى عارمة تختلط فيها أصوات الصراخ بدفع الأجساد وتحركات الثيران التي يطلق عليها بودي جاردات.

محمود عطية يكتب: وداع راق للفنان الكبير (هاني شاكر)
في أحيان كثيرة مجرد أشخاص غلاظ لا يملكون من ثقافة التنظيم شيئًا بل يضيفون إلى المشهد توترًا

الاستعراض الاجتماعي والإعلامي

وهم في أحيان كثيرة مجرد أشخاص غلاظ لا يملكون من ثقافة التنظيم شيئًا بل يضيفون إلى المشهد توترًا وعنفًا واستعراضًا للقوة لا يليق بمقام الموت وهيبة الوداع،

والمؤسف أن هناك من غضب من فكرة التنظيم نفسها وكأن احترام عزاء (هاني شاكر) أصبح جريمة أو كأن منع الفوضى تعدٍ على الحريات.

بينما الحقيقة أن ما تعودنا عليه خلال السنوات الأخيرة هو الفوضى لا النظام والتطفل لا الاحترام والضجيج لا الوقار، حتى بات من يريد الحفاظ على الهدوء يبدو وكأنه يفعل شيئًا استثنائيًا مع أن الأصل في العزاء أن يكون مكانًا للدعاء والمواساة لا ساحة للاستعراض الاجتماعي والإعلامي.

والأكثر إزعاجًا أن بعض من يطلق عليهم المشخصاتية، أو حتى بعض من يقدمون أنفسهم باعتبارهم مطربين ومغنين تحولوا هم أيضًا إلى جزء من هذه الظاهرة المؤسفة، فأصبح حضورهم في كثير من المناسبات مرتبطًا بالبحث عن الكاميرا واللقطة والترند أكثر من ارتباطه بالمواساة الحقيقية أو احترام حرمة الموت.

وكأن البعض لم يعد يرى في العزاء سوى فرصة جديدة للظهور الإعلامي أو إثارة الجدل أو تصدر مواقع التواصل الاجتماعي حتى، ولو كان ذلك على حساب مشاعر أسرة مكلومة أو لحظة وداع يفترض أن يسودها الصمت والوقار.

ومن هنا يمكن فهم التصرف الراقي الذي قامت به أسرة الفنان الراحل (هاني شاكر)، حين قررت أن تجعل العزاء منظمًا ومحترمًا يليق بتاريخ الرجل وأخلاقه ومسيرته الطويلة، فالرجل مهما اختلف البعض أو اتفق مع آرائه الفنية أو الإدارية يبقى واحدًا من أكثر الفنانين تهذيبًا واحترامًا في الوسط الفني.

وقد أجمع الجميع تقريبًا على أدبه الجم ورقيه الإنساني وحرصه الدائم على الحفاظ على صورة الفنان المصري وهيبة الفن نفسه

لقد كان (هاني شاكر) يمثل نموذجًا لفنان نشأ في زمن كانت فيه للكلمة قيمة وللصوت مكانة وللظهور قواعد تحكمه، ولذلك لم يكن غريبًا أن يدخل في صدامات عديدة خلال فترة توليه نقابة المهن الموسيقية، حين حاول التصدي لما وصفه كثيرون بالتلوث السمعي.

ومحاولات فرض أنماط غنائية هابطة على الذوق العام تحت دعاوى الحرية والتجديد بينما الحقيقة أنها كانت في أحيان كثيرة مجرد إسفاف لفظي وضجيج لا علاقة له بالفن ولا بالرسالة التي يفترض أن يحملها الغناء

محمود عطية يكتب: وداع راق للفنان الكبير (هاني شاكر)
تعرض (هاني شاكر) بسبب مواقفه تلك إلى ضغوط وهجوم متواصل من أطراف عديدة

الفنان الحقيقي لا يعلو صوته إلا بالغناء

وقد تعرض (هاني شاكر) بسبب مواقفه تلك إلى ضغوط وهجوم متواصل من أطراف عديدة بعضها كان يرى في موقفه محافظة زائدة، وبعضها كان منزعجًا من محاولته وضع معايير واحترام لفكرة الفن نفسها، وربما لهذا السبب فضل في النهاية الانسحاب والاستقالة.

لأنه بطبيعته الهادئة وأخلاقه الرفيعة لم يكن من النوع الذي يجيد الصخب أو الدخول في معارك طويلة تقوم على التجريح والإهانة، وهو الذي تربى على أن الفنان الحقيقي لا يعلو صوته إلا بالغناء ولا يفرض حضوره إلا بالاحترام

ولذلك فإن مشهد وداعه حمل قدرًا كبيرًا من التقدير الذي يستحقه ليس فقط من جمهوره ومحبيه، وإنما أيضًا من الدولة نفسها، حين صدر نعي الرئيس له في لفتة تعكس قيمة الرجل ومكانته وما تركه من أثر فني وإنساني، فحين ينعى رئيس الدولة فنانًا فإن الأمر يتجاوز المجاملة إلى الاعتراف بأن هذا الإنسان كان جزءًا من القوة الناعمة المصرية، ومن الذاكرة الوجدانية لجيل كامل عاش على صوته وأغانيه ومواقفه

كما أن التعاطف الكبير الذي حظي به (هاني شاكر) في سنوات سابقة حين فقد ابنته الشابة كشف بوضوح حجم المحبة التي يحملها الناس له فقد رأى الجميع يومها أبًا مكسور القلب لا نجمًا متعاليًا ولا فنانًا منعزلًا عن الناس وكانت تلك اللحظات كاشفة لإنسانية الرجل وبساطته وصدقه.

ولذلك لم يكن غريبًا أن يحظى بهذا القدر من الاحترام عند رحيله وأن يحرص كثيرون على أن يكون وداعه لائقًا به كما كان في حياته

إن الأزمة الحقيقية التي نعيشها اليوم ليست فقط في تراجع الذوق الفني أو الاجتماعي بل في تآكل الإحساس العام بحرمة الأشياء، فكل شيء أصبح مباحًا للتصوير والتعليق والسخرية والاقتحام حتى الموت نفسه لم يعد ينجو من هذا العبث وكأن مواقع التواصل الاجتماعي نجحت في تحويل بعض البشر إلى آلات تبحث عن المحتوى بأي ثمن حتى لو كان الثمن هو انتهاك خصوصية أسرة مكلومة أو إفساد لحظة وداع أخيرة.

لقد اختلطت عند البعض مفاهيم الحضور الاجتماعي بالاستعراض، وأصبح كثيرون يذهبون إلى العزاءات لا بدافع المواساة، بل بدافع إثبات الوجود والتقاط الصور مع المشاهير ومراقبة ردود الأفعال وتصوير لحظات البكاء والانهيار، وكأن الألم الإنساني تحول إلى مادة للفرجة والاستهلاك الرقمي وهذا في حد ذاته مؤشر خطير على حجم التغير الذي أصاب القيم والسلوكيات في المجتمع

محمود عطية يكتب: وداع راق للفنان الكبير (هاني شاكر)
 يجب أن يكون جرس إنذار يدفعنا إلى إعادة التفكير في الطريقة التي نتعامل بها مع المناسبات الإنسانية

وضع ضوابط تمنع الفوضى

ولعل ما فعلته أسرة (هاني شاكر) يجب أن يكون جرس إنذار يدفعنا إلى إعادة التفكير في الطريقة التي نتعامل بها مع المناسبات الإنسانية عمومًا ومع الموت خصوصًا، فلا عيب أبدًا في التنظيم ولا في وضع ضوابط تمنع الفوضى وتحفظ للناس حقهم في الحزن الهادئ والوداع الكريم، بل إن العيب الحقيقي هو أن نعتبر الفوضى أمرًا طبيعيًا وأن نهاجم كل محاولة لإعادة الاحترام إلى المشهد العام.

إن المجتمعات الراقية لا تقاس فقط بما تملكه من مبانٍ وطرق ومشروعات، وإنما أيضًا بمدى احترامها للإنسان في لحظات ضعفه وحزنه ومقدار قدرتها على الفصل بين العام والخاص وبين الواجب الإنساني والرغبة في الاستعراض، وما أحوجنا اليوم إلى استعادة هذا المعنى بعدما أصبحت الكاميرا حاضرة في كل شيء حتى في أكثر اللحظات خصوصية وألمًا.

لقد كان وداع (هاني شاكر) محترمًا وهادئًا يليق بتاريخه وبأخلاقه وكان قرار أسرته بالاستعانة بشركة للتنظيم تصرفًا حضاريًا لا يستحق الهجوم بل يستحق التقدير لأنه حافظ على وقار العزاء ومنح محبي الرجل فرصة حقيقية للدعاء له بعيدًا عن الزحام المفتعل والضجيج والفوضى التي اعتدنا رؤيتها في مناسبات كثيرة خلال السنوات الماضية

وفي النهاية يبقى الدرس الأهم أن الاحترام لا يرتبط بالموت فقط، بل بالحياة كلها فمن عاش محترمًا يستحق أن يودع باحترام، ومن حافظ على أدبه وإنسانيته وفنه الراقي طوال عمره يستحق أن تكون لحظة رحيله امتدادًا لهذا الرقي لا ساحة للفوضى والابتذال.

وربما كان أكثر ما يليق بهاني شاكر في رحلته الأخيرة أن يتحول عزاؤه إلى رسالة تقول إن الوقار ما زال ممكنًا، وإن احترام الموتى ليس رفاهية بل ضرورة أخلاقية وإنسانية لا تستقيم المجتمعات من دونها.

* المحامي بالنقض – منسق إئتلاف مصر فوق الجميع.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.