رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

حكايتي مع الإعلام وصناع الاعلام (41).. بإذن مسبق من (أنس الفقي)

حكايتي مع الإعلام وصناع الاعلام (41).. بإذن مسبق من (أنس الفقي)
أنا، واللواء عبد الجليل الفخراني، والدكتور محمد الزغبي رئيس جامعة قناة السويس آنذاك

بقلم الدكتور: إبراهيم أبوذكري  

بعد أن بدأنا الإعلان عن مشروع مدينة الإنتاج الإعلامي بالإسماعيلية، ودخلنا فعليًا في الإجراءات التمهيدية، حدث ما لم يكن في الحسبان.. وصل خطاب غريب الصياغة من جانب وزير الإعلام (أنس الفقي)، مفاجئ في توقيته ومضمونه، ألقى بظلال كثيفة على المشهد كله.. كان ذلك الخطاب بداية صدام غير متوقع، في لحظة كنا نظن فيها أن الطريق قد أصبح ممهدًا بالكامل.

جاء ذلك في إطار توسيع دائرة الحلم، اجتمعنا ثلاثتنا: أنا، واللواء عبد الجليل الفخراني، والدكتور محمد الزغبي رئيس جامعة قناة السويس آنذاك.. كان اللقاء تأسيسيًا لفكرة أكبر من مجرد تطوير محلي؛ كنا نفكر في مشروع إقليمي ذي بعد عربي.

طرحنا رؤية تقوم على إنشاء كيان إعلامي متكامل في الإسماعيلية، يكون امتدادًا وتكاملًا مع مدينة الإنتاج الإعلامي في السادس من أكتوبر، لا منافسًا لها.. الفكرة لم تكن إنشاء نسخة مكررة، بل تأسيس منظومة متكاملة، تسد ما قد ينقص المدينة الأم، وتضيف أبعادًا جديدة تخدم السوق العربي.

تحدثنا عن ضرورة أن يأخذ المشروع بعدًا عربيًا من خلال التنسيق مع جامعة الدول العربية، بحيث لا تكون المدينة مشروعًا محليًا على أرض الإسماعيلية فحسب، بل منصة إنتاج موجهة إلى السوق العربي ككل.

فالإنتاج لا ينجح بلا سوق، والسوق العربي كان هو الامتداد الطبيعي والرؤية الأوسع وفعلا تم الاتفاق مكتوب ومتبادل لخطابات متبادلة بين المحافظة ومحم. الخمليشي امين عام الجامعة رئيس قطاع الاعلام والإتصال .

كما ناقشنا أهمية التنسيق المباشر مع إدارة مدينة الإنتاج الإعلامي في السادس من أكتوبر، للوصول إلى صيغة تكامل واضحة وتم بالفعل اجتماع مع المحاسب (سيد حلمي) الذي كان متفهما وسعيد بالتجربة وتم الاتفاق علي ما هو قائم هناك ويؤدي دوره بكفاءة يظل في موقعه، وما ينقصه أو يحتاج إلى توسعة أو مساحات جديدة يمكن أن يُستكمل في الإسماعيلية.

حكايتي مع الإعلام وصناع الاعلام (41).. بإذن مسبق من (أنس الفقي)
كان الهدف أن تُقام المدينة الإعلامية عند مدخل الإسماعيلية، لتكون بوابة حضارية جديدة للمحافظة

خدمات إنتاجية متكاملة

فإذا جاء منتج عربي أو مصري يحتاج إلى خدمات إنتاجية متكاملة، يجد أمامه منظومة مزدوجة تعمل بتناغم: ما لا يتوافر في أكتوبر يجده في الإسماعيلية، والعكس صحيح.

بهذا المفهوم، تصبح مدينة الإنتاج الإعلامي في الإسماعيلية امتدادًا طبيعيًا وشريكًا استراتيجيًا لمدينة الانتاج بأكتوبر، لا بديلًا أو منافسًا، فتتكون شبكة إنتاج متكاملة على مستوى الدولة.

وكان المناخ العام مهيئًا للفكرة؛ فالحماس كان مشتركًا، والرغبة في وضع الإسماعيلية على خريطة الإنتاج الإعلامي العربي كانت واضحة.. كما بدأنا في ترتيب تنسيق إقليمي مع محافظات الجوار: الشرقية، السويس، وبورسعيد، بحيث يصبح المشروع نواة لتنمية أوسع في إقليم القناة بأكمله، لا مجرد مشروع داخل حدود محافظة واحدة.

في تلك المرحلة، لم نكن نفكر في مشروع استثماري فقط، بل في صناعة موقع جديد للإسماعيلية على الخريطة الثقافية والإعلامية العربية.

كان الهدف أن تُقام المدينة الإعلامية عند مدخل الإسماعيلية، لتكون بوابة حضارية جديدة للمحافظة، وأن تتحول الإسماعيلية بأكملها إلى منطقة تصوير مفتوحة.. طبيعتها الساحرة، وامتدادها على قناة السويس، وتنوع بيئاتها العمرانية والزراعية، كانت تمنحها ميزة نادرة تجعلها استوديو طبيعيًا للتصوير الخارجي، بينما تُقام الاستوديوهات والمنشآت الفنية الحديثة داخل المدينة المقترحة.

بدأ اللواء عبد الجليل الفخراني خطوات جادة، فخصص لنا 73 فدانًا من أراضي الاستثمار بالمحافظة، وشرعنا في استكمال الإجراءات الرسمية بصورة منظمة.

تحركت بعدها إلى منطقة الخليج والمملكة العربية السعودية لعرض المشروع على مستثمرين عرب.. كانت الاستجابة قوية ومفاجئة في حجمها؛ فقد تجاوزت التعهدات الاستثمارية ما يقارب مليار دولار، وهو رقم كان ضخمًا للغاية في ذلك التوقيت.

لم يكن الأمر وعودًا شفهية فقط، بل اتخذنا خطوات عملية: حصلنا على توكيلات، وعيّنا مكتبًا قانونيًا لمتابعة الإجراءات، كما تم اختيار مكتب استشاري للتصميمات تحت إشراف رئيس جامعة قناة السويس، لضمان خروج المشروع بمعايير احترافية تليق بطموحه العربي.

وكونت شركة تضامنية بغرفة تجارة الإسماعيلية مع عدد من رجال الاعمال العرب وعدد ضخم من المنتجين المصريين العاملين على الساحة العربية وتم شراء شقة للإدارة المؤقتة.

حكايتي مع الإعلام وصناع الاعلام (41).. بإذن مسبق من (أنس الفقي)
كان ذلك الخطاب بداية صدام غير متوقع، في لحظة كنا نظن فيها أن الطريق قد أصبح ممهدًا بالكامل

الخطاب الذي غيّر المسار

وفي موازاة ذلك، جرت اتصالات مكثفة مع جامعة الدول العربية، وتحديدًا مع قطاع الإعلام والاتصال.. كان هناك تنسيق مباشر بيني وبين محافظ الإسماعيلية، وبمشاركة السفير (محمد الخمليشي)، حتى وصلنا إلى تصور نهائي يقضي بأن يكون المشروع تحت مظلة قطاع الإعلام والاتصال بالجامعة العربية، وبموافقة الأمين العام، ليكتسب صفة عربية رسمية تمنحه ثقلًا سياسيًا واقتصاديًا.

وبعد أن بدأنا الإعلان عن المشروع، ودخلنا فعليًا في الإجراءات التمهيدية، حدث ما لم يكن في الحسبان.. وصل خطاب غريب الصياغة، مفاجئ في توقيته ومضمونه، ألقى بظلال كثيفة على المشهد كله. كان ذلك الخطاب بداية صدام غير متوقع، في لحظة كنا نظن فيها أن الطريق قد أصبح ممهدًا بالكامل.

بينما كنا نظن أن المشروع قد تجاوز أخطر مراحله، وأننا أصبحنا على أعتاب التنفيذ الفعلي، وصل الخطاب الذي قلب الموازين كلها.

السيد اللواء / عبد الجليل الفخراني، محافظ الاسماعيلية

تحية طيبة وبعد،،،

وفقاً لما تردد مؤخراً في بعض الصحف ووسائل الإعلام حول إنشاء مدينة للإنتاج الاعلامي بمحافظة الإسماعيلية، ونظراً لأن مثل هذا النشاط الاعلامي يجب أن يكون في إطار يتوائم مع السياسات والاعتبارات الإعلامية والاقتصادية بالشكل الذي يحقق تكامل في المنتج الاعلامي مع اختلاف أنواعه، ودون أن يترتب عليه أي تعارض في الأهداف أو النشاط الاقتصادي.

وعلى ضوء ما سبق يرجى موافاتنا بالمعلومات المتعلقة بهذا الموضوع من حيث طبيعة النشاط والأهداف والمشاركون أو المساهمون والمعلومات التفصيلية المتعلقة بالموضوع وذلك حتى يمكن دراستها بواسطة المختصين للوقوف على الجدوى والآثار الإعلامية والاقتصادية لهذا الموضوع.

مع وافر التحية والتقدير …

وزير الإعلام

(أنس الفقي)

تأشيرة السكرتارية المحافظ:

عرض علي معالي السيد الوزير المحافظ، وأمر بالتكرم بالتوصية بإدارة الإعلام للتنسيق مع المهندس / إبراهيم أبو ذكرى والعرص على سيادته خلال اسبوع للرد على السيد وزير الاعلام (أنس الفقي).

بتاريخ 8/4/2008

السيد اللواء / عبد الجليل الفخراني

تحية طيبة.. وبعد،،،

تلقيت بكل التقدير كتابكم رقم 208 بتاريخ 26/ 4/ 2008 بشأن اعتزام محافظة الإسماعيلية بالتعاون مع جامعة قناة السويس، واتحاد المنتجين العرب لأعمال التليفزيون عقد المؤتمر الثاني فى مجال الاستثمار بعنوان (المؤتمر الثان للإنتاج والتنمية والاستثمار، إسماعيلية 2008).

وموضوعه الرئيسي هو (الإنتاج الإعلامي إنتاج وتنمية واستثمار) وذلك خلال الفترة من 13 حتى 16 مايو 2008، وطلب وضع هذا المؤتمر تحت رعايتي وحضوري لفعالياته

وإذ أرجو التكرم بقبول اعتذاري عن عدم إمكانية رعايتي أو حضوري للمؤتمر المشار اليه … أود التأكيد على بعض النقاط الهامة وهى:

أن وثيقة مبادئ تنظيم البث الفضائي الإذاعي والتليفزيوني في المنطقة العربية قد أقرها السادة وزراء الإعلام العرب فى اجتماعهم الاستثنائي الذي عقد بمقر جامعة الدول العربية بالقاهرة يومي 12، 13 فبراير 2008، وأن الجهة الوحيدة المنوطة ببحث ووضع آلية تطبيق هذه الوثيقة هى اللجنة الدائمة للإعلام العربي بجامعة الدول العربية.

حكايتي مع الإعلام وصناع الاعلام (41).. بإذن مسبق من (أنس الفقي)
الإنتاج الإعلامي من صميم عمل واختصاص وزارة الإعلام

اختصاص وزارة الإعلام

أن عقد المؤتمرات أو إنشاء أي كيانات جديدة تتعلق بمجال الإعلام (بما في ذلك الإنتاج الإعلامي من صميم عمل واختصاص وزارة الإعلام) دون غيرها من الجهات الأخرى)، وذلك لضمان عدم تعارضها مع السياسات والأهداف والاعتبارات الإعلامية أو مع السياسة العامة للدولة والتحايل على ذلك بإقامتها تحت شعار مسميات عديدة ومنها تشجيع الاستثمار.

لذا أرجو التكرم بالإحاطة، واتخاذ ما ترونه مناسباً نحو موافاتنا بالمطلوب بكتابنا قم 596 بتاريخ 8/4/2008 بشأن طلب موافاتنا بالمعلومات التفصيلية المتعلقة نشاء مدينة للإنتاج الإعلامى بمحافظة الإسماعيلية حتى يتسنى لنا دراسة جدواها

وتفضلوا سيادتكم بقبول فائق التحية والاحترام،،،

مع واد التحية

وزير الإعلام

(أنس الفقي).

وجاءت تأشيرة سكرتارية المحافظ علي الخطاب مثل سابق، عرض علي معالي السيد الوزير المحافظ ، وأمر التكرم بالتوجيه لإدارة الاعلام للتنسيق مع المهندس إبراهيم أبو ذكري، والعرض علي سيادته خلال ثلاثة أيام.

 قرار كهذا في دولة بحجم وثقل مصر، ومعداد سكاني يتجاوز المائة مليون، يبدو  ضرباً من الخيال أو محاولة لحبس المحيط في زجاجة.. (الرواية الواحدة في دولة المائة مليون: زمن الإذن المسبق).

في مفارقة تاريخية تستحق التأمل، يخرج قرار يختزل إعلام دولة بحجم مصر في “توقيع واحد”؛. ممنوع الحديث إلا بإذن مسبق من (أنس الفقي).. كيف يمكن لعقل إداري أن يتصور إمكانية (لجم) وجدان مائة مليون نسمة، وتحويل آلاف المنابر والصحف والعقول إلى مجرد صدى لصوت واحد؟ هذا القرار لم يكن مجرد إجراء تنظيمي، بل كان إعلاناً عن تأميم الوعي.

لماذا يمثل هذا القرار (سقطة استراتيجية)؟

 1- خنق التعددية: تحويل الإعلام إلى (كتالوج) موحد يقتل الإبداع ويجعل الرسالة الإعلامية باهتة لا تصل للقلب ولا تقنع العقل.

 2- صناعة الفراغ : عندما يمنع الإعلام الرسمي الحديث، يترك الساحة فارغة للشائعات والسموم الخارجية لتملأ العقول، فالفراغ الإعلامي هو العدو الأول للأمن القومي.

 3- انفصال عن الواقع: كيف يمكن لشخص واحد، مهما بلغت قدراته، أن يحيط بتفاصيل حياة مائة مليون إنسان أو يراقب نبض شوارع تمتد من الإسكندرية إلى أسوان؟

الدرس المستفاد:

لقد أثبت التاريخ أن (الإذن المسبق) لا يحمي الأوطان، بل يحول الإعلام إلى جسد بلا روح.. الإعلام الحقيقي لا يحتاج إلى “تصريح مرور”، بل يحتاج إلى ميثاق شرف وضمير مهني

بينما كنا نبحث في يومياتنا عن (إعلام العقول الراجحة)، يذكرنا هذا القرار بزمن (تكميم الحناجر)، لنعرف قيمة ما نصبو إليه اليوم في من إعلام حر، مسؤول، وواعٍ، لا ينتظر إذناً من أحد لقول الحقيقة، بل يستمد شرعيته من انتمائه لتراب هذا الوطن.

في تلك اللحظة الفارقة من تاريخ مشروعي، كنت أقف على أرض صلبة، مسنوداً بطموح لا يحده سقف. لم يكن المشروع مجرد حبر على ورق، بل كان ملحمة استثمارية تتجاوز قيمتها (مليار دولار) في منطقة قناة السويس الواعدة.

كان حولي شركاء نجاح متوجين بالحماس؛ من اللواء الفخراني الذي كان يرى في المشروع مستقبلاً للمحافظة ويشعر بالفخر تجاه كل خطوة، إلى الدكتور محمد الزغبي رئيس جامعة السويس الذي قدم الدعم الأكاديمي والبحثي، وصولاً إلى قائمة مساهمين شريفة تضم أكثر من (مئتي مصري) بخلاف الأشقاء العرب الذين وضعوا رهانهم على قدرتنا على الإنجاز.

بينما كنت أنتظر أن نُكافأ على هذا الزخم، وأن يفتح الإعلام أبوابه للاحتفاء بهذا النموذج الاستثماري الفريد، صُعقت بذاك (الجدار البيروقراطي) العازل.. خطاب يحمل توقيع وزير الإعلام (أنس الفقي).

حكايتي مع الإعلام وصناع الاعلام (41).. بإذن مسبق من (أنس الفقي)
وجدتُ نفسي أمام معضلة وجودية

منطق (المنع) في مواجهة لغة الأرقام

كان القرار غريباً، بل ومستفزاً لعقلية تؤمن بالاستثمار: ممنوع الحديث عن الإعلام إلا بإذن مسبق.. وجدتُ نفسي أمام معضلة وجودية؛ كيف لدولة تتخطى المائة مليون نسمة، وتطمح لجذب رؤوس الأموال العالمية، أن تُختزل منصاتها الإعلامية في (فرمان) واحد؟

كتبتُ ردي للمحافظ، وفي صدري غصة.. وفي عقلي تساؤلات حارقة.

* كيف أقنع المساهمين المئتين بأن مشروعهم الذي وُلد عملاقاً يجب أن يبقى (خفياً) حتى يرضى عنه مقص الرقيب؟

* هل يُعقل أن يتحول “الإعلام” من وسيلة للترويج للتنمية إلى أداة لتعطيلها؟

* كنت أتخيل أنني في بلد يفتح ذراعيه للمستثمرين، فإذا بي أجد نفسي مضطراً لاستئذان “موظف” لأتحدث عن نجاح شارك فيه مئات المصريين بمدخراتهم وعقولهم.

المفارقة المؤلمة

بينما كان اللواء الفخراني يزهو بالمشروع كإنجاز قومي على أرض السويس، كان خطاب الوزير يشدنا للخلف، وكأن هناك من يخشى من (نجاح لا يمر عبر قنواته الخاصة)، أدركتُ حينها أنني لا أحارب فقط من أجل (بناء مشروع)، بل أحارب من أجل انتزاع حق التعبير عن هذا البناء.

كان ردي للمحافظ صريحاً ومرّاً: إننا لا نبني جدراناً من الأسمنت فحسب، بل نبني جسوراً من الثقة.. وخطاب الوزير اليوم هدم من جسور الثقة ما عجزت عنه أعتى الأزمات الاقتصادية.

السيد اللواء / عبد الجليل الفخراني

محافظ الإسماعيلية

تحية طيبة وبعد،

إشارةً إلى الخطاب الوارد من معالي وزير الإعلام (أنس الفقي) بشأن الاعتذار عن رعاية أو حضور فعاليات (المؤتمر الثاني للإنتاج والتنمية والاستثمار – الإسماعيلية 2008)، وما تضمّنه من تأكيدات تتعلق باختصاصات تنظيم الشأن الإعلامي، نتشرّف بعرض الآتي:

أولًا: الإطار العربي والمؤسسي

إن موضوعات الإنتاج والتنمية والاستثمار الإعلامي طُرحت وتداولت ضمن فعاليات عربية رسمية وبمشاركة مؤسسية، في سياق أعمال مجلس وزراء الإعلام العرب، بما يرسّخ الطبيعة المؤسسية للطرح ويؤكد اتساقه مع الأطر العربية المعتمدة.

ثانيًا: الاختصاص المشترك

إن المشروعات ذات الطبيعة التنموية والاستثمارية في المجال الإعلامي يمكن مباشرتها بشراكات بين المحافظات والجامعات والجهات المهنية، مع الالتزام بالسياسات العامة للدولة. ويستند ذلك إلى الكتاب الإداري السابق الذي حدّد صلاحيات المحافظة في إنشاء مشروعات إعلامية ذات طابع تنموي.

ثالثًا: الدور المهني للاتحاد

يُعد اتحاد المنتجين العرب لأعمال التليفزيون جهة مهنية عربية معترفًا بها، وله دور أصيل في عقد المؤتمرات المتخصصة وطرح المبادرات الإنتاجية والتنموية، بما يدعم بيئة الاستثمار الإعلامي.

رابعًا: الطابع العلمي والتنموي للمؤتمر

جاء تنظيم المؤتمر بالشراكة مع جامعة قناة السويس بما يضفي بعدًا علميًا وبحثيًا، ويؤكد أن الهدف تنموي/استثماري لا تنظيمي للبث الفضائي، ومن ثم لا يندرج ضمن اختصاص تنظيمي حصري.

خامسًا: الشفافية الإجرائية

لا مانع لدينا من موافاة الجهات المختصة بكافة البيانات التفصيلية المطلوبة حول مشروع مدينة الإنتاج الإعلامي بمحافظة الإسماعيلية، دعمًا لدراسة الجدوى واستكمال الإجراءات وفق الأطر القانونية.

وعليه، نلتمس التكرم بالتوجيه باستمرار التنسيق المؤسسي بين الجهات المعنية، تأكيدًا لمشروعية المبادرة وتحقيقًا للمصلحة العامة.

وتفضلوا بقبول فائق الاحترام،

إبراهيم أبوذكري

رئيس الاتحاد

تبع هذا الخطاب استدعاءات متكررة للمحافظ إلى القاهرة. وبعد إحدى تلك المقابلات، عاد إليّ اللواء عبد الجليل الفخراني بوجه مختلف، قال لي بصراحة:

(أنا لا أريد خلافًا مع هذا الرجل وأقوال لا تصلح للنشر … متابعا هو واصل إلى الرئاسة، والجميع يعلم حجم نفوذه).

وحذرني من الاستمرار في التصعيد، وأكد أن الدخول في صدام مباشر قد تكون كلفته أكبر من طاقة المحافظة.

حكايتي مع الإعلام وصناع الاعلام (41).. بإذن مسبق من (أنس الفقي)
بدأت الحملة الإعلامية.. شنت صحف محسوبة على الوزير هجومًا شرسًا على المشروع

وانطلقت الحملات الإعلامية بالقاهرة

ثم بدأت الحملة الإعلامية.. شنت صحف محسوبة على الوزير هجومًا شرسًا على المشروع، وخصصت بعض الإصدارات – ومنها جريدة شاشة – صفحات كاملة للتشكيك في جدوى الفكرة والطعن في المساهمين.. لم يكن الهجوم على المشروع فحسب، بل على المستثمرين أنفسهم، الذين تجاوز عددهم المائتي مساهم مصري، فضلًا عن المؤسسين العرب.

بدأت الاتصالات تتوالى عليّ من السعودية وأبو ظبي والكويت.. كان القلق واضحًا في أصواتهم.. قالوا لي بصراحة: (نحن نحب الاستقرار، ولا نريد الدخول في صدام مع الدولة).

من وجهة نظرهم، كانوا قد تعاملوا مع ممثل الدولة في الإسماعيلية، ومع جهات رسمية، ومع جامعة الدول العربية، وكان الإطار القانوني يبدو متكاملًا ومشروعًا. لكنهم اكتشفوا فجأة أن وزير الإعلام – وهو صاحب الولاية الأقوى في هذا الملف – لم يكن ضمن الدائرة المؤيدة للمشروع، بل أصبح رأس الحربة في مواجهته.

وهنا اتضح أن الصراع لم يكن إداريًا فحسب، بل صراع صلاحيات ونفوذ.. فالمشروع الذي رأيناه تكاملًا مع المدينة القائمة، رآه الوزير تهديدًا مباشرًا لها، بل وربما تقليلًا من مركزيتها.

تحولت الأجواء من حماس واستعداد للتنفيذ إلى ارتباك وخوف.. المستثمرون يتراجعون، والمحافظة تتحفظ، والصحافة تهاجم، والرسائل الرسمية تحمل نبرة اتهام لا تشجيع.

هكذا، وفي لحظة درامية فارقة، هوى المعول على رأس الحلم؛ لينتقل المشروع من كونه أيقونة ترفرف في سماء الاستثمار العربي إلى ملف ملتهب تتجاذبه أروقة السياسة وصراعات النفوذ.

لقد كان هذا السقوط هو الاختبار الحقيقي الذي كشف عورة المشهد: فالفكرة التنموية، مهما بلغت عبقريتها، تظل هشّة أمام تعارض المصالح، والإطار القانوني – على متانته – يظل عاجزاً ما لم تباركه مراكز القوة. وفي نهاية المطاف، وُئد المشروع في مهده بقرارٍ لم يراعِ مئات المساهمين ولا مصلحة الوطن.

لتُكتب كلمة النهاية في قصةٍ انتصر فيها (النفوذ) على (الفكرة)، وتراجع فيها منطق (البناء) أمام منطق (السيطرة)، تاركاً وراءه غصة في قلب كل من آمن بأن العمل وحده يكفي لصناعة التغيير.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.