


بقلم الكاتب الأردني: حسام عطية
ثمة فنانون يصير صوتهم مع الوقت جزءاً من هواء المكان، لا تلاحظه حين يكون، وتشعر بنقصه حين يغيب.. (عمر العبد اللات) واحد من هؤلاء القلائل الذين نجحوا في شيء نادر: أن يصبحوا حاجةً لا مجرد خيار.. ثلاثة عقود ونيف من العطاء الغنائي المتواصل جعلت اسمه مرادفاً للأغنية الأردنية في أذهان جيلين على الأقل، وهذا ليس مديحاً سهلاً بل حقيقة يشهد عليها المسرح قبل الجمهور.
غير أن من يحمل هذا الثقل يجد نفسه أمام رهانات صعبة كلما أراد الخروج من دائرة النجاح المضمون إلى مناطق جديدة، وأغنية (وعلامكي وشلونكي) هي بالضبط لحظة كهذه: رهان على مجهول، أُحسنت فيه النية وأُسيء فيه التقدير.
والسؤال الذي يطره نفسه هنا: هل باتت اللهجات الاردنيه بين التسخير والتسخيف.. وبخاصة أغنية (وعلامكي وشلونكي) للفنان (عمر العبد اللات) “نموذجا.
لكن قبل الدخول في تشريح العمل، لا بد من وقفة عند طبيعة الرهان ذاته، لأن فهم ما أراده الفنان أمر ضروري لفهم أين أخطأ.. الأغنية الشعبية في الوطن العربي تمر بمنعطف حرج: فهي من جهة تحاول الحفاظ على صلتها بالجذر المحلي، ومن جهة أخرى تسعى إلى مواكبة جمهور لم تعد أذنه مدرّبة على الصبر.
في هذا التوتر يعمل (عمر العبد اللات) منذ سنوات، ويمشي على حبل مشدود بين المحلية والانتشار، وقد نجح في ذلك مرات كثيرة بمهارة تشهد على حساسيته الفنية الحقيقية، ما يجعل (وعلامكي وشلونكي) مختلفة هو أنها لا تحاول التوازن بين طرفين، بل تقفز مباشرة إلى تجربة غنائية لم يختبرها من قبل: الغناء باللهجة المحلية لا عنها، واستبدال النظرة الخارجية العاشقة بصوت يدّعي الانتماء إلى الداخل.
الأغنية من كلمات (عمر العبد اللات) وألحانه، وهذا في حد ذاته موقف يستحق الإشارة؛ فالفنان حين يكتب لنفسه يكشف شيئاً إضافياً عن طريقة تفكيره الداخلية، لا يستتر خلف شاعر يُحمَّل المسؤولية في حال تعثر العمل.. لكن هذا الاختيار يجعل الإخفاق، إن وُجد، أكثر عرياً.. فالنص الذي بين يديك هو أنت، لا ظل لك ولا وسيط يخفف من وطأة الحكم.

ثمة فارقاً جوهرياً
و(عمر العبد اللات) ليس غريباً عن الكتابة لنفسه؛ بعض أعماله الأكثر تأثيراً خرجت من قلمه قبل أن تخرج من حنجرته.. لكن ثمة فارقاً جوهرياً بين أن تكتب في عالم تعرفه معرفة عميقة، وبين أن تكتب في عالم تحبه دون أن تسكنه.. الكتابة عن الجبل أسهل من الكتابة من داخله، وأغنية (وعلامكي وشلونكي) تريد أن تكون من الداخل دون أن تملك مفاتيح الغرف.
اللهجة الكركية ليست مجرد مجموعة مفردات مختلفة عن سواها، بل هى نظام صوتي وثقافي قائم بذاته، له منطقه الداخلي في التصعيد والتخفيف، وله مناطق حساسة لا يلمسها إلا من عاش في نسيجها. نبرتها في أصلها تنطوي على كبرياء هادئ، وجدية لا تخلو من دفء، وهي لهجة لا تستسيغ الاستخفاف حتى حين تمزح.
موروثها الغنائي الشفهي ضارب في عمق التاريخ، متجذر في الهجيني والسامر وأشعار الفخر والرثاء، وكلها ألوان تحتاج نفساً طويلاً وأذناً صبورة.
حين تأخذ هذه اللهجة وتضعها في قالب غنائي حديث ذي إيقاع متسارع، تفعل شيئاً أشبه بإرغام شيخ وقور على الجري في سباق.. الشيخ قد يجري، لكنه لن يبدو في أبهى حلله.. اللهجة الكركية تحتاج موسيقى تأخذ وقتها، تسمح للكلمة أن تتنفس قبل أن تنتقل إلى التالية، تحترم الثقل الصوتي لبعض المفردات التي تحمل في داخلها تاريخاً أثقل من مجرد معناها القاموسي.
ما قدّمه العبداللات كان على النقيض من ذلك؛ إيقاع يضغط على الكلمات بدل أن يمنحها فضاءً، ولحن يسير أمام اللهجة لا خلفها.
وهذا يكشف عن إشكالية أعمق في طريقة تعامل الفنانين العرب اليوم مع التراث الشفهي عموماً: فكثيراً ما يُعامَل هذا التراث باعتباره خزاناً من المواد الخام الجاهزة للتوظيف الفوري، لا باعتباره نظاماً حياً له شروط الحياة ومتطلباتها.. تأخذ المفردة وتزرعها، وتتوقع أن تنمو لأنك سقيتها نيةً طيبة.. لكن النبتة التي تُقتلع من تربتها تحتاج أكثر من النية لتعود إلى الازدهار.
النقد الأعمق الذي يمكن توجيهه لكلمات (وعلامكي وشلونكي) ليس أنها بسيطة، فالبساطة في الأغنية الشعبية فضيلة وليست عيباً.. الأغنية الشعبية الحقيقية لا تعتمد على الغموض الشعري ولا على الصور المعقدة؛ هي تعتمد على شيء أصعب بكثير من ذلك: القدرة على تكثيف عاطفة كاملة في سطر واحد.. أن تقول شيئاً بسيطاً تشعر حين تسمعه أن العالم كله وُضع في كفة الميزان الأخرى.

الخيط السردي الداخلي
ما يفتقر إليه النص هو ما يمكن تسميته الخيط السردي الداخلي، ذلك الخيط الذي يربط الكلمة بالكلمة والصورة بالصورة حتى يصير المستمع في نهاية الأغنية في مكان مختلف عن حيث كان.. الكلمات في هذه الأغنية تتراص متجاورةً لا متشابكة، وكأن النص لم يُكتب بل جُمع.. وثمة فارق شاسع بين الاثنين: الكتابة فعل اختيار وحذف وإعادة ترتيب، أما الجمع فهو تراكم. والمستمع يحس بالفرق دون أن يسميه.
بعض أعظم الأغاني الشعبية العربية بُنيت على جملة واحدة قوية تكاد تحمل الأغنية كلها على كتفيها، والباقي توضيح وتفسير وتمديد لتلك الجملة.. هنا لا تجد تلك الجملة المركزية التي تقول لك: توقف هنا، هذا هو البيت.. تسمع الكلمات تمر وتمر دون أن تجد واحدةً منها تمسك بيدك وتقول اجلس معي قليلاً.
والمفارقة أن (عمر العبد اللات) أنتج في مسيرته أغاني تملك هذه الجملة المركزية بامتياز، أغاني تحمل في بنيتها صورة واحدة تسكن الذاكرة وتأبى المغادرة.. لهذا يبدو الفارق بين تلك الأعمال وبين هذه الأغنية فارقاً لافتاً، لا لأن الفنان تراجع بل لأنه ذهب إلى عالم لم يستعد له بالقدر الكافي.
حين يُلحّن فنان لنفسه أغنيةً شعبية تستلهم التراث المحلي، فهو يقف أمام اختيار تأسيسي: هل يذهب إلى حيث تقوده اللهجة موسيقياً، أم يُجلب اللهجة إلى حيث يريد هو؟ الأول صعب لأنه يشترط استسلاماً نسبياً للمادة الخام، أن تُصغي قبل أن تُعبّر.. الثاني أسهل تقنياً لكنه أكثر خطورةً فنياً لأنه يفرض على الموروث مزاجاً غريباً عنه.
اللحن في (وعلامكي وشلونكي) يبدو وكأنه وُلد أولاً، ثم وُضعت عليه الكلمات ذات اللهجة الكركية كثوب.. لا شيء في بنيته الموسيقية يوحي بأن اللهجة هي التي أملته أو حددت مسار حركته.. اللحن سيظل لحناً لو وضعت عليه كلمات بلهجة عمّانية أو بلهجة حوارنة، لن يفقد شيئاً جوهرياً.
وهذا بحد ذاته حكم: الموسيقى التي تنجح في حمل خصوصية اللهجة يجب أن تكون مختلفة حين تُزال اللهجة منها، لأن العلاقة بينهما علاقة عضوية لا تزيينية.
أما التوزيع الموسيقي، فقد جاء في الخانة الآمنة التجارية: إيقاع احتفالي، آلات مألوفة، مزاج يذكّر بأغاني الأفراح الخليجية أكثر مما يذكّر بالروح البدوية الجنوبية الأردنية.. ولا يُقال هذا ذماً للموسيقى الخليجية، بل إشارةً إلى أن التوزيع لم يكن خادماً للهوية المعلنة للأغنية.
التوزيع الموسيقي حين يكون ذكياً يُعمّق الهوية، وحين يكون محايداً يُضعفها، لأن الحياد في الفن ليس موقفاً وسطاً بل هو في الغالب انحياز خفي لما هو سائد.

(العبد اللات) صوتاً ذا حضور
يمتلك (عمر العبد اللات) صوتاً ذا حضور لا يُكتسب ولا يُتعلم في الغالب، هو شيء يأتي مع الإنسان أو لا يأتي.. صوت ذو بصمة واضحة لا تتشابه مع سواها، وفيه شيء من الدفء الريفي الذي يجعلك تثق بصاحبه قبل أن يُنهي جملته الأولى.. هذا ما جعله يصمد طويلاً في مشهد غنائي تتغير فيه الأذواق وتتبدل الوجوه بسرعة مذهلة.
غير أن الصوت الجيد يحتاج نصاً يستحق ليكتمل.. العلاقة بين الصوت والكلمة في الأغنية علاقة تبادلية لا أحادية الاتجاه: الكلمة الجيدة تسحب من الصوت طاقات كامنة لم يعرفها، والنص الهش يجعل حتى الصوت القوي يبدو مجهوداً في فراغ.
حين تسمع العبداللات يؤدي أغانيه الوطنية الكبرى، يظهر في صوته شيء يشبه الإيمان الحقيقي، انخراط لا تمثيل، وكأن الكلمات تجد فيه موطنها الطبيعي وهو يجد فيها وطنه.. في (وعلامكي وشلونكي) يبدو الصوت كأنه يحاول إقناع نفسه قبل أن يُقنعك.
ليست المشكلة في الأداء التقني؛ التقنية موجودة والخبرة واضحة.. المشكلة في أن الأداء هنا يشتغل في الفراغ الذي خلّفه النص، يحاول تعبئته بالحيوية والإيقاع، لكن الفراغ الذي يتركه النص الضعيف لا تملأه الطاقة الأدائية، بل تكشفه وتضيء حوافه.
لفنان المحترف يصير في مثل هذه الحالة مثل معمار بارع يُكمل مبنى على أساس هش: تجده يُضيف أعمدة من هنا وزخرفة من هناك، لكن كل ما يُضاف يُذكّرك بما ينقص لا يُنسّيكه.
ما تطرحه هذه الأغنية يتجاوز تقييم عمل بعينه إلى سؤال أكبر وأكثر إلحاحاً: ما الذي حدث للهجات العربية المحلية في عصر وسائل التواصل الاجتماعي؟.. اللهجات الإقليمية في الوطن العربي كانت حتى وقت قريب نظماً حية معقدة تحمل في طياتها تاريخاً ومناخاً وطريقة في رؤية العالم.. كل مفردة فيها تحمل خلفها طبقات من الاستخدام والدلالة، وكل نبرة تحمل موقفاً اجتماعياً واضحاً.

مستخدمي الفضاء الإلكتروني
ما فعلته المنصات الرقمية بهذه اللهجات هو نوع من التسطيح المنظم: أخذت أكثر المفردات غرابةً وأشدها وقعاً على الأذن غير المعتادة، ووضعتها في سياقات كوميدية مبالغ فيها، حتى صارت هذه المفردات في أذهان كثيرين مرادفاً للتندر والمبالغة لا للتعبير الطبيعي.
اللهجة الكركية تحديداً عانت من هذه الظاهرة؛ إذ بات بعض مستخدمي الفضاء الإلكتروني يتداولون نسخة مشوّهة منها، مضخّمة في حروفها وخارجة عن سياقاتها الأصلية، تُضحك الغريب وتُحرج أبناء المنطقة أنفسهم.
وحين يأتي فنان ليغني بهذه اللهجة، يجد نفسه أمام عدوّ غير مرئي: الصورة الذهنية المسبقة التي صنعتها المنصات، وهى صورة أصعب من الصورة الحقيقية لأنها راسخة في ذاكرة الجمهور بقوة التكرار.
هذا لا يعني أن الغناء باللهجات المحلية مستحيل أو محفوف بمخاطر لا تُتجاوز، بل يعني أن من يُقدم على هذه المحاولة مدعو إلى أن يكون أكثر حذراً وأعمق تهيؤاً مما كان يكفي قبل عشرين سنة.. الفنان الذي يغني بلهجة محلية في هذا الزمان هو في موقع من يحاول إعادة الاعتبار لشيء أُسيء فهمه أمام جمهور لم تُصحَّح صورته بعد.
وهذا عمل يحتاج ليس فقط حباً بل معرفة دقيقة ووعياً مزدوجاً بطبيعة اللهجة وطبيعة الجمهور في آنٍ واحد.
ثمة تمييز ضروري بين نوعين من الإخفاق الفني: الأول هو إخفاق الكسل، حين يستسهل الفنان ويكتفي بما دون طاقته الحقيقية، ويُقدّم ما يضمن القبول على حساب ما يستحق المجازفة.. والثاني هو إخفاق المغامرة، حين يمد الفنان يده نحو شيء بعيد عنه قليلاً، فلا تصله أصابعه كلها لكن المحاولة نفسها تشهد على حيوية لم تموت.
(وعلامكي وشلونكي) تنتمي إلى النوع الثاني بوضوح، وهذا ما يجعل الحكم عليها أمراً أكثر تعقيداً من مجرد قول نجحت أو فشلت.. الفنان الذي يقف في مكانه الآمن ويُردد ما نجح به مرة تلو الأخرى لا يُخطئ بالمعنى الفني المباشر، لكنه يموت ببطء أمام جمهور يرى ولا يقول.
والفنان الذي يمشي إلى الأمام دون أن يصل هو على الأقل يُبقي الحركة حية، ويحرض الجمهور على التفكير بدل الاسترخاء.

قراءة العمل بعين صادقة
لكن هذا لا يعني أن الإخفاق يستحق الاحتفاء دون تمحيص.. الإخفاق يُحترم حين يُعترف به ويُتعلم منه، ويصبح وبالاً حين يُغطّى بالتبريرات وتُحوَّل حوله حرب دفاعية تمنع أصحابه من الرؤية الصافية.. ما يحتاجه (عمر العبد اللات) في هذه المرحلة ليس من يُبرر له ولا من يُهاجمه، بل من يقرأ هذا العمل بعين صادقة ويضعه في سياقه الحقيقي: محاولة جادة لم تنضج بعد.
تتركنا (وعلامكي وشلونكي) أمام تساؤل لا تجيب عنه الأغنية وحدها، ولا تُريح منه شعبيتها أو إخفاقها: كيف تغني عن الهوية المحلية في زمن أصبحت فيه الهوية المحلية سلعةً تتنافس عليها الخوارزميات؟، وهل يكفي الانتماء العاطفي لبناء فن يخدم الموروث حقاً، أم أن الانتماء وحده نقطة بداية تحتاج إلى أن تنضم إليها المعرفة والصبر والبحث؟
(عمر العبد اللات) أكبر من أن تحكم عليه أغنية واحدة، وأكبر من أن يكون محصناً من أن تُحكم عليه أغنية واحدة. الفنان الحقيقي لا يبني جدراناً حول نفسه ولا يطلب من جمهوره إعفاءه من المساءلة باسم التاريخ.. تاريخه الطويل يجب أن يكون حافزاً على التدقيق لا درعاً في وجهه، لأن الفن لا يعيش على الذاكرة وحدها بل يتجدد بالحاضر ويُمتحن فيه.
والأغنية العربية اليوم، بكل ما تعانيه من أزمة نصوص وسطوة السرعة وهيمنة الانتشار الرقمي على معايير النجاح، تحتاج من فنانيها الكبار موقفاً مختلفاً عما اعتدنا: أن يكونوا أكثر حذراً في اختياراتهم لا لأنهم خائفون بل لأنهم يعرفون قيمة ما يحملون.
كل أغنية يُصدرها فنان في مستوى (عمر العبد اللات) هى موقف من مستقبل الأغنية الأردنية، سواء أراد ذلك أم لم يُرد.. وهذه مسؤولية لا يُخففها الحب، ولا تُلغيها النية الطيبة.