رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

فيلم (دموع الحب) مرثية (محمد عبدالوهاب) الحزينة التى أبكت جمهور الثلاثينات (2/2)

فيلم (دموع الحب) مرثية (محمد عبدالوهاب) الحزينة التى أبكت جمهور الثلاثينات (2/2)
لم أر إنسانا يحب فنه، ويضحي بصحته وماله وراحته من أجل عمله، مثل (محمد عبدالوهاب)

كتب: أحمد السماحي

يعتبر فيلم (دموع الحب) الذي عرض يوم 23 ديسمبر عام 1935 في سينما (رويال) من أفلام الموسيقار (محمد عبدالوهاب) التى حققت نجاحا كبيرا.

وطبعت أسطوانات أغنياته في (ألمانيا) نظرا لعدم وجود شركات أسطوانات في مصر في هذه الفترة، وبيعت منها مئات الآلاف خاصة أسطوانة أغنية (أيها الراقدون تحت التراب) التى بيعت منها عشرات الآلاف، وقد احتفت الصحافة المصرية والعربية بفيلم (دموع الحب) بما يليق به.

في الجزء الأول من (فيلم لا ينسى) نشرنا بعض كواليس الفيلم التى ذكرها مخرجه الرائد (محمد كريم) ومنها ظروف إخراجه للفيلم، وكيفية اختيار أبطاله، والنظام القاسي الذي لجأ إليه مع نجومه (نجاة علي، وسعاد فخري، وسليمان نجيب) لإنقاص وزنهم.

فيلم (دموع الحب) مرثية (محمد عبدالوهاب) الحزينة التى أبكت جمهور الثلاثينات (2/2)
كان يسهر معي، ومع بعض الأصدقاء في غرفة (سبيرو) صاحب سينما (رويال).

كرم عبد الوهاب يتضح في السينما

في هذه الحلقة نستكمل باقي الذكريات حول فيلم (دموع الحب) حيث يقول (محمد كريم): لم أر إنسانا يحب فنه، ويضحي بصحته وماله وراحته من أجل عمله، مثل (محمد عبدالوهاب)، وربما يقال عن (عبدالوهاب) أنه بخيل!.

ولكن الصواب أنه حريص، ولكن في أفلامه كان يصرف آلاف الجنيهات لاتقانها، كان يسهر معي، ومع بعض الأصدقاء في غرفة (سبيرو) صاحب سينما (رويال).

وفي صباح اليوم التالي يحضر بعد ساعة من ابتداء حفلة العرض ليسأل عن رأي الجمهور، ويطمئن على الصوت والصورة، وهو احساس متبادل بيننا.

ولكثرة اهتمامي أنا أيضا بكل جزئية، ظن بعض الناس أني شريك (عبدالوهاب) أو أن لي نسبة مئوية في الربح، ولكن شيئا من ذلك لم يحدث، وإنما هي طبيعتي في عملي، سواء كان بطل أفلامي وممولها (عبدالوهاب) أو غيره.

يضيف (محمد كريم): كما حدث في الأفلام السابقة، فقد كانت زوجتي الغالية معي في كل خطوة، ولا سيما في إعداد الممثلات، وتدريبهن على (الإتيكيت)، وحسن الأداء من الناحية النسائية.

وجاء وقت التصوير، وسافر الجميع على الباخرة (حلوان) إلى بيروت، وكان المصور في هذه الرحلة (بريما فيرا)، وهو إيطالي، وكان قد قام في فيلم (الوردة البيضاء) بتصوير المناظر الخارجية.

ووقفت بنا الباخرة في ميناء (حيفا) كانت في ذلك الوقت بلدا عربيا، وصورت مناظر الميناء العربي، وقبل أن ترسو الباخرة في ميناء بيروت، ركبت زورقا بخاريا مع المصور (بريما فيرا)، ووصلنا إلى الميناء قبل وصول الباخرة.

فيلم (دموع الحب) مرثية (محمد عبدالوهاب) الحزينة التى أبكت جمهور الثلاثينات (2/2)
كان أخواننا اللبنانيون يعرضون كل يوم علينا لونا جديدا من ألوان فتنة الطبيعة

ولائم اللبنانيين تسببت في زيادة وزن نجاة

تمكنا بذلك من تصوير ركاب الباخرة الحقيقيين، ومعهم ممثلو الفيلم (دموع الحب) أثناء النزول إلى البر، وفي بيروت بدت المآدب، والدعوات من علية القوم، وكبار الشخصيات.

وكان أخواننا اللبنانيون يعرضون كل يوم علينا لونا جديدا من ألوان فتنة الطبيعة، عسى أن يغرينا هذا الجمال الفضاح بالمزيد من الصور.

وبدأ وزن (نجاة علي) بطلة الفيلم يتزايد لدرجة أن الفساتين ضاقت عليها، ولما كنت أنبهها إلى ذلك تقول لي أنها ستستعيد رشاقتها عندما تسافر باريس، بعكس (سعاد فخري) فكانت نقيض (نجاة) أضربت عن حضور الحفلات والولائم، فحافظت على رشاقتها.

ومن الشخصيات التى قابلتنا في لبنان الشاعر (بشارة الخوري) أو الأخطل الصغير، وكان (سليمان نجيب) يحبه حبا جارفا، وكانا متلازمين كالإنسان وظله.

وفي لبنان صورنا (الشلالات) وهى مناطق في حاجة إلى كثير من الحذر والحيطة عند التنقل فيها، وثبتنا الكاميرا بين الصخور لنصور (سليمان نجيب، ونجاة علي، وسعاد فخري) ونحن نعلم أن أقل انحراف يؤدي بنا في جوف الوادي السحيق.

وكان تصميمي على تصوير هذا المنظر مصدر مضايقات مستمرة لنا من (جبران بيضا) الذي كان صورة حية للمنتج الذي يحاول أن يوفر أكبر عدد من الملاليم ويربح أكبر عدد من آلاف الجنيهات.

وكانت رحلتنا إلى الشام منذ البداية على غير إرادته بل لا أبالغ إذا قلت أنها كانت رغم أنفه، كان (بيضا) ينتهز كل فرصة ليذكرنا بأنه مقبل على خسائر لا قبل له باحتمالها، وكان يستعطف لنسرع في انجاز العمل توفيرا للوقت والمال.

يتابع (محمد كريم) ذكرياته عن فيلم (دموع الحب) فيقول: كنا نثير دهشة المارة في لبنان، فكانوا يتوقفون ثم ينظرون إلينا نظرات كلها إستغراب، ثم ينصرفون إلى حال سبيلهم.

فيلم (دموع الحب) مرثية (محمد عبدالوهاب) الحزينة التى أبكت جمهور الثلاثينات (2/2)
في مركب صغير (قارب) في إحدى الترع تحيط بشاطئيها الأشجار الجميلة الرائعة

قارب عبدالوهاب ونجاة

كان من مناظر فيلم (دموع الحب) منظر لعبد الوهاب ونجاة علي، أو (فكري، ونوال) وهما في مركب صغير (قارب) في إحدى الترع تحيط بشاطئيها الأشجار الجميلة الرائعة.

عن هذا المشهد يقول (محمد كريم) : كان المنظر شاعريا رائعا، وكان علينا أن نصور هذا المنظر في مصر، لأنه من المناظر اليتيمة التى ينفرد بها الريف المصري، ولأنه من المتعذر أن نجد له مثيلا في باريس.

وبحثنا طويلا عن مكان مناسب، إلى أن وجدت ترعة تحلى شاطئها بأجمل وأروع الأشجار، وبحثت عن (قارب أو فلوكة) إلى أن وجدت واحدة في (السنبلاوين) وكانت هذه الفلوكة قذرة ثقيلة من ذلك النوع الذي يستخدمه الصيادون في الريف عام 1915.

ونقلناها على سيارة نقل إلى مكان التصوير، كنت قد اعتزمت تصويرها من على بعد، على أن أقوم بالتصوير القريب في باريس، فكان لا يهمني شكل القارب ولا طبيعته.

ولكن الذي يهمني لكي ينجح المنظر أن تجلس (نجاة علي) في مواجهة (عبدالوهاب) الذي يقوم بالتجديف، وينتقل بحبيته من مكان إلى مكان في هذا الجو الحالم.

وواجهتنا العقبة الأولى، فقد كان المجدافان ثقيلين يزن الواحد منهما ما لا يقل عن عشرين كيلو جراما، فكيف يستطيع (عبد الوهاب) المسكين أن يحركهما؟

ولكن هذه المشكلة استطعت التغلب عليها بأن أستأجرت أربعة أشخاص يغوصون تحت الماء، ويدفعون القارب إلى الاتجاه المطلوب في الوقت الذي يجاهد فيه في تحريك المجدافين.

فيبدو المنظر أمامك وكأنه هو الذي يقوم بالتجديف وأن ضربات مجدافيه هى التى تدفع (القارب) على سطح الماء، وأثناء ذلك انقض على وجه (عبد الوهاب) سرب من الدبابير الصفراء.

وما كاد يراها تحاصر وجهه، حتى صرخ وهب من مكانه واقفا، فمالت (الفلوكة) على أحد جانبيها، وأوشكت (نجاة علي) على السقوط، لولا خروج الرجال من الماء وحاولوا بينها وبين السقوط في الترعة.

وحاول (عبد الوهاب) الهرب من الدبابير، فهم بإلقاء نفسه في الماء، ويبدو أن الدبابير أحست مدى ما بذلنا من جهد في تصوير هذا المنظر فقفلت راجعة من حيث أتت لنبدأ العمل من جديد.

فيلم (دموع الحب) مرثية (محمد عبدالوهاب) الحزينة التى أبكت جمهور الثلاثينات (2/2)
من ضمن المناظر التى صورت في مصر أيضا، مشهد المقابر

المقابر صورت في مصر

يسترجع الرائد السينمائي الراحل (محمد كريم) ذكرياته فيقول: من ضمن المناظر التى صورت في مصر أيضا، مشهد المقابر، فقد كان من بين مناظر فيلم (دموع الحب) منظر للمقابر التى ضمت جثمان (نوال) حبيبة (عبدالوهاب).

وكان عليه في إحدى زياراته لحبيبته أن يغني أغنيته الحزينة (أيها الراقدون تحت التراب، جئت أبكي على هوى الأحباب) التى كانت تبكي النساء والشباب بقوة في السينما، ويخرجون مناديلهم ويمسحون بها دموعهم.

فيلم (دموع الحب) مرثية (محمد عبدالوهاب) الحزينة التى أبكت جمهور الثلاثينات (2/2)
من المناظر الشاقة المرهقة التى كانت في الفيلم منظر تلاميذ المدرسة التى كان يعمل فيها (عبد الوهاب)

منزل (بطرس بيضا) أصبح مدرسة

من المناظر الشاقة المرهقة التى كانت في الفيلم منظر تلاميذ المدرسة التى كان يعمل فيها (عبد الوهاب) مدرسا للموسيقى، وفي مصر الجديدة، وفي منزل (بطرس بيضا) وبالتحديد في الفناء الصغير الملحق بهذا المنزل أقمنا ديكور الفصل الدراسي.

وبدأنا نجمع التلاميذ الصغار الذين لا يزيد عمر الواحد منهم على 12 عاما من كل جهات القاهرة، وكانت تعترضنا عقبات كثيرة أهمها موافقة أوياء أمور التلاميذ على تصويرهم، وثانيا جمعهم في وقت واحد.

وعليك أن تخيل في سنة 1934 وأن لك ابنا صغيرا عمره ثماني سنوات وأنه تأخر خارج المنزل إلى ما بعد السادسة مساء، فما بالك إذا كان التأخير يجاوز منتصف الليل؟

ومن أجل هذا لقينا الأمرين!، وكان التليفون لا يهدأ ولا ينقطع عن الرنين، والسماعة لا تستقر في مكانها، والأسلاك تحمل عشرات الأحتجاجات على تأخير الأطفال.

وكانت بعض الأمهات تحضر بسيارات التاكسي، وتدخل مندفعة، وبعد أن تلقي علينا دشا باردا تختطف ابنها وتخرج مسرعة.

فيلم (دموع الحب) مرثية (محمد عبدالوهاب) الحزينة التى أبكت جمهور الثلاثينات (2/2)
بدأ الاستعداد للسفر إلى باريس، وكانت أسرة الفيلم تتكون من 30 شخصا بين ممثلات وممثلين وموسيقيين وإداريين

السفر إلى باريس

بعد تصوير بعض المناظر في مصر ولبنان، بدأ الاستعداد للسفر إلى باريس، وكانت أسرة الفيلم تتكون من 30 شخصا بين ممثلات وممثلين وموسيقيين وإداريين، وسبقهم (عبد الوهاب) إلى إيطاليا، للاستشفاء فيها فترة من الزمن استعدادا للعمل الشاق الذي ينتظره.

ووصل الجميع إلى باريس، وكانت أهم مشكلة واجهتنا في باريس هى الحفاظ على وزن (نجاة علي) التى سئمت من النظام القاسي الذي اتبعته معها في الأكل، وبدأت تتأفف وكانت تبكي باستمرار من الجوع.

وفي أحد الأيام حضرت إليّ بعد أن كاد صبرها ينفذ وقالت لي: يا أستاذ كريم أنا عاوزة أرجع مصر! فهدأتها وقلت لها تحملي يا نجاة وبكره حاتعرفي قيمة المجهود الذي تبذليه عندما تري نجاحك.

وفي باريس ذهبت إلى مكاتب الكومبارس، وكان المدير في هذه المكاتب يستقبلني، ويقدم السيجار الفاخر، ومشروبات مختلفة، ثم مجموعة ألبومات كتب على كل منها رقم معين، وسعر معين.

ونظرا لأن الجنيه المصري كان سعره أعلي بكثير من الدولار، فكانت الألبومات مكتوب عليها مبالغ بسيطة بالنسبة لنا كمصريين فتجد صور مكتوب عليها 75 قرش، و40 قرش، وجنيه، وخمسة جنيهات، وهذا الأجر عن عمل الكومبارس لمدة ثماني ساعات.

فلجأت إلى ألبومات الصور من فئة خمسة جنيهات للظهور في حفلة ساهرة سأصورها، ويوم التصوير لاحظت أن جميع فتيات الكومبارس يقفن بجانب بعضهن صامتات.

ولا تحاول واحدة منهن أن تتحدث إلى جارتها ولا تحاول واحدة أن تجلس على كرسي مهما طال وقوفها خوفا من أن ينثني ثوبها، وعندما أنادي على واحدة كانت تأتي إليّ كلمح البصر.

وتكفي إشارة واحدة لتنفيذ المطلوب لأنها تعرف بحكم خبرتها كيف تمشي وتعرف مكان الكاميرا والأضواء وأين تظهر جمالها أو ثوبها.

فيلم (دموع الحب) مرثية (محمد عبدالوهاب) الحزينة التى أبكت جمهور الثلاثينات (2/2)
كان يسجل أغنية من الفيلم بطريقة (البلي باك)، ولاحظ أن هناك شيئا غير مظبوط في تسجيل الصوت

أذن محمد عبدالوهاب

حدث مرة ونحن في (باريس) أن (عبد الوهاب) كان يسجل أغنية من الفيلم بطريقة (البلي باك)، ولاحظ أن هناك شيئا غير مظبوط في تسجيل الصوت، وأظهر ضيقه، ودعاني وبعض الموسيقيين والممثلين وسمعنا الأغنية.

فأجمعنا كلنا على أنه لا عيب فيها، ولكن (عبد الوهاب) صاحب الأذن الموسيقية الحساسة، طلب من (إلياس بيضا) أن يحدث مدير البلاتوه الذي نصور فيه في هذا الخطأ.

وفي اليوم التالي حضر ثلاثة من كبار المتخصصين في الصوت، وكانوا يهودا، وقد أحضروا معهم آلات قياس الصوت، وبعد ساعات صاح رجل عجوز بأعلى صوته (الشاب عنده حق) ـ يقصد عبد الوهاب ـ وهكذا ظهر أن أذن (عبد الوهاب) كشفت على الفور ما صعب على أدق آلات قياس الصوت اكتشافه.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.