علي عبد الرحمن يكتب: مشهد (الإعلام).. بين 8 جهات إشرافيه!

بقلم الإعلامي: علي عبد الرحمن
ظلت نظم (الإعلام) في دول العالم تحت إشراف وتوجيه وخدمة الأنظمة، وأحيانا الشعوب، حتي بدأت بعض النظم تخرج من عباءة الأنظمة إلي الاستقلاليه والعمل الحر تحت منظمات أو هيئات أو جهات مستقلة، ومن خلال تمويل مستقل أو قد يجمع بين دعم الدول وتبرعات الكيانات والمواطنين بهذه الدول.
وأصبح لدينا أنماط للتبعيه والتمويل مابين (الإعلام) الحكومي في مرجعيته وتمويله، وبين (الإعلام) المستقل في ولائه وتمويله، وبين (الإعلام) المختلط الذي يجمع بين التمويل الحكومي والخاص وبين التوجيه الحكومي مع مراعاة مصالح الممولين،وهذا ما يتم دراسته في كليات ومعاهد (الإعلام).
ومع اختلاف نظام التبعيه او المرجعيه من نظام سياسي لآخر، ففي بعضها يكون (الإعلام) تابعا مباشرة لرئاسة النظام، وفي بعضها يتبع رئاسة الحكومة التي تعين من يمثلها في إدارة هذا الملف وهو منصب ومهام وزير الإعلام، وفي بعضها الآخر تكون الإدارة من خلال مجلس أمناء أو ما شابهه.. ومع اختلاف النظم فإن نظامنا الإعلامي مر بكل هذه الأنماط في إدارة ملف (الإعلام) لديه.
وقد تعددت تبعيه نظامنا الإعلامي من رئاسة الجمهورية إلي رئاسة الحكومة إلي مجلس أعلى، وهذا النمط من المجالس العليا او الهيئات العليا ظهر مؤخرا مع توجه بعض الأنظمة الآخذه في النمو إلى إلغاء وزارة (الإعلام).
باعتبارها شكلا من أشكال الرقابة والتوجيه والحد من حرية التعبير، وسيرا وراء نهج الدول المتقدم في إنشاء مجالس أو هيئات عليا مستقلة تجسد استقلالية وحرية إدارة الملف الإعلامي بشكل مهني موضوعي، وقد بادرت دول المنطقة وخاصة دول الخليج والأردن في إنشاء هذه المجالس العليا.
ونظامنا الإعلامي مر عبر تاريخه بنمط التبعيه لوازارة (الإعلام) ثم وزارة دولة للإعلام ثم المجلس الأعلى، مع إنقسام المشهد الإعلامي لدينا إلي إعلام حكومي رسمي، وإعلام موازي شبه رسمي، وإعلام خاص مستقل، وتنوعت مصادر التمويل من دعم حكومي إلى استثمارات أجهزه سيادية إلى تمويل خاص من أفراد أو شركات أو كيانات اقتصادية.

روافد قوتنا الناعمة
ورغم هذا التنوع في مشهدنا الإعلامي من تبعية أو تمويل ورغم تراكم خبراته وريادته في المنطقه، إلا أن (الإعلام) الرسمي ترهل في شكله ومضمونه وآدائه مما صرف عنه نسب المشاهدة العالية، ونسب الإقبال الإعلاني مما غابت معه أيضا نسب التأثير ودعم روافد قوتنا الناعمة.
وأيضا رغم ما لحق بحراك يناير 2011 من اجتماعات وبحث ومقارنات وصياغات لأفضل النظم واللوائح لإدارة ملف (الإعلام) عالميا من خلال لجنة تشريعات (الإعلام) على مدار عام ونصف، وما أفرزته هذه الاجتماعات من مواد ونصوص تؤسس لقانون المجلس الأعلى لتنظيم (الإعلام) والهيئتين والنقابة.
إلا أن المشهد استمر في ترهله وضعف محتواه وتنافسيته، ثم جاء قرار إلغاء وزارة (الإعلام) وظهور المجلس والهيئتين والنقابة، ثم عودة الوزارة كوزارة دولة للتنسيق بين الجهات المتداخله في صناعة المشهد الإعلامي.
ومع استمرار حالات التراجع في المحتوى والمنافسة والمشاهدة والعوائد والتأثير، وظهور بعض محاولات الإصلاح وأفكار التطوير، وجهود القطاع الموازي والخاص في تقديم بعض الجديد في المحتوي والعوائد والتسويق.
إلا أن مشهدنا الإعلامي مازال مشتتا في إدارته ومحتواه وبحثه عن سبل العودة إلي بساط الريادة، ومازال مشتتا في تبعيته ونظم التوجيه والإشراف، وكذا مصادر التمويل وحجم الموارد المتاحة.
ومشهدنا الإعلامي دخل دوامة متعددة المصادر في جهات التوجيه والإشراف – كما سيرد سرده – مما أثر كثيرا على مرونة الأداء وحرية التصرف وتعدد التعبير وتحقيق العدالة الإعلامية والصمود في تنافسية السوق وخلق بيئه تنافسية لا احتكارية، وهذه الجهات المتداخلة في إدارة وتوجيه وسائل ومحتوي مشهدنا الإعلامي هى:
- رئاسة الجمهورية ومن يمثلها في توجيه الوسائل الإعلاميه بالمشهد الإعلامي المصري.
- رئاسة الحكومة متمثلا في منصب وزير (الإعلام) أو وزير الدولة للإعلام.
- الأجهزة السيادية وتوجهاتها وتداخلاتها.
- المجلس الأعلى لتنظيم (الإعلام) وسلطته الإشرافية التنظيمية.
- الهيئتين الوطنيتين للإعلام والصحافة وسلطاتهما التنفيذية.
- نقابتي الصحفيين والإعلاميين ودورهما في ضبط أداء المهنة والعاملين فيها.
- المجتمع المدني بخبراته ومتخصصيه من رواد وأساتذة المهنة والمهتمين، إضافة إلى ضغوط العاملين بالمؤسسات الإعلامية وأعضاء المجالس النيابية والجماهير وضغوط الوكلاء الإعلانيين.

عدم الالتزام بالتوجيهات
وعلي ماسبق سرده يظل مشهدنا الإعلامي مضغوطا بين توجيهات (الوزارة والمجلس الأعلى والهيئتين والنقابتين والأجهزه السيادية والمجتمع المدني والعاملين والنواب والمعلن والمشاهد).. أي إنه لكي يسير أموره اليومية في العمل عليه أن يراجع كل هذه الجهات الثمانيه أو يراجع ثوابتها وتوجيهاتها حتي لايقع في خطأ عدم الالتزام بالتوجيهات.
وهذا حملا على عاتق متخذي القرار الإعلامي، مما يربك آدائه، ويعرقل تنفيذه، ويزرع الخوف داخلهم من فردية اتخاذ القرار، وسط كل هذا التشابك والتداخل والتعدد في التوجيه، وهذا مانتج عنه هذا الترهل والسطحيه والتشابه وعدم المنافسة وعدم مرونة الإجراءات والأداء وعدم الحصول على نسب عالية من المشاهده والعوائد والتأثير.
وإذا كنا قد اعترفنا بترهل إعلامنا وعدم ملائمته لقيم مصر وقامتها، رغم كثرة وسائله وتشابه إنتاجه وكثرة مصروفاته، ولاحظنا كم الجهات المتداخلة في صناعة القرار الإعلامي، وصعوبة اتفاقهم علي أمور مهنية كثيرة، وأستوعبنا كم الضعف في خبرات الكوادر التي تدير مفاصل المشهد الإعلامي، مما نتج عنه هذه العشوائيه الظاهره في مشهدنا الإعلامي.
والتي لم ينفع معها دعوات إصلاح المسار ودعوات التطوير وشعارات عودة الروح ومعظم المحاولات الفردية اأو المحدودة في اتجاه تعديل بعضا مما هو قائم في مشهدنا الإعلامي.
وعلى ماتقدم من تعدد جهات الإشراف، وتعدد التوجيهات، وضعف حرية التصرف لدي القيادات، وتعدد الدعوات للإصلاح والتطوير، وعدم الخروج بتصور وطني لإصلاح وتهذيب وتطوير وفاعلية (الإعلام) والنفقات الباهظه عليه، أرى أننا ندور في فراغ لا ضوء في نهاية مساره.
وأري أن المواجهة الأشد إنجازا ليست كل ماسبق ولكن تحديد من هو أبو (الإعلام) ومن يحركه، لابد من وضع خطة قومية للإصلاح: تشمل خططا إدارية عصرية وخططا إنتاجية مهنية وخططا مالية استثمارية ومجلسا أو هيئة أو جهة أو شخص يدير تنفيذ هذه الخطة القومية والوقوف علي فرصها وتحدياتها.
ووضع الحلول لآية عراقيل تواجه تنفيذها ويكون مسئولا أمام رئاسة الجمهورية أو رئاسة الحكومة أو مجلسا للخبراء أو الأمناء ومسئولا أيضا أمام شعبه ووطنه.. حمي الله مصر وأصلح إعلامها وأعلى صوتها وصورتها وقوى روافد ريادتها وتأثيرها.. اللهم آمين، وتحيا دوما مصر.