رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

رضا العربي يكتب: أنت تسال و(الكون) يجيب !

رضا العربي يكتب: أنت تسال و(الكون) يجيب !
منذ فجر الحضارات، والإنسان يحاول أن يخترق جدار الغيب، لا ليهدمه، بل ليصنع فيه نافذة
رضا العربي يكتب: أنت تسال و(الكون) يجيب !
رضا العربي

بقلم الفلكي: رضا العربي

تخيّل أنك استيقظت ذات صباح، لا ككل صباح، بل كأنك خرجت من ليل الوجود إلى يقينٍ لا تشوبه شبهة.. لا أسئلة بعد الآن، ولا قلق يتسلل بين الفكرة وأختها.. كل تلك الأسئلة التي كانت تطرق رأسك كمطرٍ عنيف – عن (الكون) والخالق، والمصير، والحساب، والعدل، والحق، والباطل – صارت أمامك مكشوفة، واضحة كمرآةٍ صافية لا غبش فيها.

في تلك اللحظة، لن يكون أول إحساس هو الفرح.. بل الصدمة.. لأن الإنسان، في جوهره، لا يخاف الجهل بقدر ما يخاف اليقين الكامل.. الجهل مساحة للحلم، للشك، للتأويل، أما اليقين المطلق فهو نهاية الرحلة، أو هكذا يبدو.. أن تعرف الإجابة النهائية عن كل شيء، يعني أنك بلغت تخوم ما بعد السؤال، وما بعد السؤال.. صمت.. لكن ماذا لو قيل لك إن هذا الصمت ليس نهاية (الكون)، بل باب؟

منذ فجر الحضارات، والإنسان يحاول أن يخترق جدار الغيب، لا ليهدمه، بل ليصنع فيه نافذة.. تنوّعت الوسائل، من التأمل إلى الوحي، من الفلسفة إلى الحساب، من الحدس إلى الرموز.. لكن ظل هناك دائمًا تيار خفي، علم لا يُكتب في الكتب، ولا يُدرّس في المدارس، بل يُنقل همسًا.. من عقلٍ إلى عقل، ومن روحٍ إلى روح.

علم يُقال إنه لا يمنحك (الإجابة) بقدر ما يعيد تشكيل سؤالك ذاته.. هذا العلم، الذي تشير إليه، والمعروف باسم (الإي تشينغ) أو كتاب التحولات الصيني، ليس مجرد نظام تنبؤ أو أداة عرافة كما يتصوره السطحيون.. بل هو، في عمقه، بنية رياضية -فلسفية تعكس حركة (الكون) ذاته.. هو محاولة لترجمة الإيقاع الكوني إلى رموز، والرموز إلى معانٍ، والمعاني إلى بصيرة.

رضا العربي يكتب: أنت تسال و(الكون) يجيب !
هذه هي طبيعة اللحظة التي أنت فيها

الإي تشينغ يجيب

الإي تشينغ لا يقول لك: (هذه هي الحقيقة النهائية).

بل يقول: (هذه هي طبيعة اللحظة التي أنت فيها).

وهنا يكمن الفرق الجوهري.. فالإنسان حين يسأل: هل هناك حساب؟ هل هناك جنة ونار؟ هل هذا الدين أو ذاك هو الحق؟ – هو في الحقيقة لا يسأل فقط عن (الإجابة)، بل عن موقعه هو داخل هذا الكون. يريد أن يعرف: أين أقف أنا من كل هذا؟

الإي تشينغ يجيب بطريقة مختلفة: لا يضعك أمام حكمٍ نهائي، بل يضعك داخل حركة… يخبرك أن الكون ليس كتابًا مغلقًا، بل نصٌ يُكتب باستمرار.. وأنت أحد حروفه.

في هذا العلم، لا يوجد ماضٍ منفصل، ولا مستقبل غامض، بل هناك تدفق واحد، أشبه بنهرٍ لا يتوقف.. أنت لا (تسافر عبر الزمن) بالمعنى الحرفي، بل تصبح واعيًا بأنك دائمًا في قلب الزمن، وأن اللحظة الحاضرة تحمل في طياتها بذور الماضي وخرائط المستقبل.

وهذا ما جعله، في نظر بعض العارفين، قريبًا من علوم أخرى في التراث العربي، كعلم الجفر المنسوب – بحق أو بغير حق – إلى الإمام علي.. كلاهما يشتركان في فكرة أن (الكون) يمكن قراءته، لا كظواهر منفصلة، بل كنظام رمزي عميق، حيث كل شيء يدل على شيء.

لكن الفارق أن هذه العلوم، مهما بلغت دقتها، لا تعطيك (حقيقة نهائية) عن الغيب بمعناه المطلق.. بل تعطيك مفاتيح لفهم الأنماط، والإشارات، والاحتمالات.

وهنا تأتي المفارقة التي قد تبدو صادمة: ربما الإجابات التي تبحث عنها ليست مخفية.. بل غير قابلة لأن تُعطى في صيغة إجابة واحدة.

لأن سؤالًا مثل: (هل هناك حياة بعد الموت؟).

ليس سؤالًا علميًا فقط، ولا فلسفيًا فقط، بل وجودي.

والأسئلة الوجودية لا تُحسم، بل تُعاش.

لو امتلكت علمًا يمنحك كل الإجابات، فستفقد شيئًا لا يقل أهمية عن الإجابة نفسها: الدهشة.

والدهشة هي أصل المعرفة.

رضا العربي يكتب: أنت تسال و(الكون) يجيب !
هل يمكن معرفة كل الإجابات؟

الغيب أقل رعبًا

بل ربما – وهذا هو الاحتمال الأعمق – أن (الكون) لم يُخفِ الإجابات عنا عجزًا، بل رحمة. لأن الإنسان لو حُمل دفعة واحدة على يقينٍ مطلق، لاحترق به.

الإي تشينغ، في صورته الأكثر نضجًا، لا يعدك بكشف الغيب، بل يدربك على قراءة الحاضر بعمقٍ يجعل الغيب أقل رعبًا.

لا يقول لك: (هذا هو المصير)، بل يقول: (هذه هي اتجاهات الريح… فأبحر بحكمة)،

وهنا يتحول العلم من أداة للسيطرة إلى أداة للفهم، ومن محاولة لامتلاك الحقيقة إلى محاولة للتناغم معها.

في النهاية، ربما السؤال الحقيقي ليس:

هل يمكن معرفة كل الإجابات؟

بل: هل نحن مستعدون لتحمّلها إن عرفناها؟

لأن المعرفة الكاملة ليست نورًا فقط..

بل مسؤولية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.