


بقلم الكاتب السوري: عامر فؤاد عامر
يأتي مسلسل (المقعد الأخير)، 15 حلقة، كمحاولة صريحة لملامسة طبقات متعددة من القهر الاجتماعي، حيث أضاء المسلسل على مسائل مثل التنمّر المدرسي، الفقر بوصفه قدراً يوميّاً، استغلال النساء في سوق العمل، ومرض الزهايمر باعتباره امتحاناً إنسانيّاً وأخلاقيّاً لأفراد العائلة.
أمّا السؤال الذي فرض نفسه بعد متابعة المقعد الأخير؛ هل نجح هذا مسلسل (المقعد الأخير) في تحويل هذه القضايا إلى خطاب درامي حيّ يمسّ وجدان المتلقي، أم أنه اكتفى بتعدادها بوصفها عناوين ثقيلة فقط؟!


انتقالاً من (المقعد الأخير) إلى صدارة الحكاية
اختيار عنوان العمل ليس اعتباطيّاً؛ فـ (المقعد الأخير) يحيل مباشرة إلى صورة الطالبة الجديدة التي تُدفع رمزيّاً إلى الهامش.. التنمّر هنا لا يُطرح كحادثة فرديّة معزولة، بل كبنية سلوكيّة متجذّرة في بيئة مدرسيّة تعكس خللاً تربويّاً واجتماعيّاً أوسع.
لقد نجح النص في رسم ملامح العزلة النفسيّة التي تعيشها الطالبة، وفي تصوير التحالفات الصغيرة داخل الصف المدّرسي بوصفها نسخاً مصغّرةً عن صراعات المجتمع.
غير أن بعض المشاهد مالت إلى المباشرة الوعظيّة، إذ تحوّل الحوار أحياناً إلى خطاب إرشادي أكثر منه تفكيكاً دراميّاً للصراع، ومع ذلك، يُحسب للعمل أنه لم يُخفف من قسوة التنمّر، بل واجهه بواقعيّةٍ تضع المتلقي أمام مسؤوليّة أخلاقيّة واضحة.

الفقر كخلفيّة لا كديكور
طرح مسلسل (المقعد الأخير) الظلم الاجتماعي الذي طال عائلة فقيرة كخلفيّة مأساويّة من جهة، وعاملاً مُحرّكاً للأحداث من جهةٍ ثانية؛ فبدا الفقر هنا ليس نقصاً ماديّاً فحسب، بل منظومة علاقات مختلّة، ورأينا بسبب ذلك فرص عمل هشّة، استغلال العمالة، وانكسارات متراكمة.
مدير المطعم الذي يستغل حاجة الفتيات للعمل مثّل نموذجاً لاستغلال مركّب بين اقتصادي وعاطفي في آنٍ معاً.. الشخصيّة كُتبت بذكاءٍ نسبي؛ فهي ليست شيطاناً كاريكاتوريّاً، بل انتهازيّ يستثمر اختلال موازين القوّة، غير أن المعالجة في بعض الحلقات انزلقت نحو التكرار، وكأنّ العمل يعيد تثبيت الفكرة بدلاً من تطويرها دراميّاً.
كان خطّ مرض الزهايمر من أكثر الخطوط حساسيّةً في مسلسل (المقعد الأخير)، إذ أنه لم يُقدَّم المرض كوسيلة لاستدرار الشفقة، بل كحالة تفكك بطيء للذاكرة ينعكس على الأسرة بأكملها. لحظات النسيان، والالتباس بين الماضي والحاضر، جاءت مكتوبة ومؤدّاة بقدر عالٍ من الصدق، وإن كانت بعض المشاهد قد أطالت الوقوف عند الألم من دون تصعيد درامي موازٍ.


عودة يارا صبري وجهاد عبدو
شكّلت عودة (يارا صبري) إلى الدراما السوريّة المنفّذة محليّاً إحدى نقاط الجذب الأساسيّة في مسلسل المقعد الأخير.. أداء يارا اتسم بالهدوء والسيطرة على الانفعال، مع قدرة واضحة في التعبير عبر التفاصيل الصغيرة، نظرة، صمت، ارتباك محسوب.. فحضورها لم يكن استعراضيّاً، بل مندمجاً في النسيج العامّ.
أمّا (جهاد عبدو)، فقد قدّم أداءً يتكئ على خبرته الطويلة، خصوصاً في المشاهد ذات الحمولة النفسيّة الثقيلة، حضوره منح العمل ثقلاً دراميّاً، وإن بدا في بعض اللحظات أكبر من مساحة الشخصيّة المكتوبة بحدّ ذاتها.
لاحظنا أيضاً أجيال عدّة من الممثلين، والأداء جاء متفاوتاً، بعضهم نجح في الإمساك بخيط الشخصيّة ومنحها أبعاداً داخليّة واضحة، فيما بدا آخرون أسرى الانفعال الخارجي أو الإلقاء الخطابي، ومع ذلك، يُسجَّل للعمل أنه أتاح مساحات تمثيليّة حقيقيّة.
ولم يحصر الأداء في إطار نمطي جامد، كما منح فرصة لقاء الجمهور مع ممثلات تركن حضورهن الجميل في أعمال دراميّة منذ سنوات مثل رنا جمول وأسيمة يوسف.
لابدّ من التنويه لأداء الفنّانة (ماسة جمال)، فهي بشكلٍ أو بآخر كانت بطلة متفرّدة، منحت الشخصيّة صدقاً وعفويّة، جعلت الدور ينبض بالحيويّة والحضور، مما يبشّر بوجهٍ درامي جديد، نتفاءل بحضورها الدرامي المستقبلي.


النص: طموح كبير ومأزق التكثيف
النص يُحسب له جرأته في جمع قضايا متعددة ضمن 15 حلقة فقط، وهو خيار يفرض إيقاعاً مكثّفاً.. غير أن هذا الطموح أوقعه أحياناً في ازدحام موضوعي؛ فبدلاً من تعميق بعض الخطوط، بدا وكأنه يفتح ملفاتٍ أكثر مما يستطيع إغلاقه بإحكام.
كان العمل في أفضل حالاته حين ركّز على العلاقات الإنسانيّة الدقيقة، وفي أضعفها حين انشغل بتأكيد رسالته الاجتماعيّة بوجهٍ مباشر.


واقعيّة الإخراج البصريّة
اعتمد مسلسل (المقعد الأخير) في مستوى الإخراج على واقعيّة بصريّة واضحة، من حيث الإضاءة الطبيعيّة في كثير من المشاهد، كاميرا قريبة من الوجوه في لحظات الانكسار، وكوادر ضيّقة تعكس الاختناق النفسي.. هذه الخيارات خدمت الخط الاجتماعي، ومنحت بعض المشاهد قوّة تأثيريّة ملموسة.
لكن الإيقاع لم يكن متوازناً دائماً؛ إذ شهدت بعض الحلقات ترهّلاً في المنتصف، مقابل نهاياتٍ مشدودةٍ نسبيّاً. أمّا الانتقالات بين الخطوط الدراميّة احتاجت أحياناً إلى مزيد من السلاسة لتفادي الشعور بالتقطيع.


هل اقترب من هموم المتلقي؟
يمكن القول إنّ مسلسل (المقعد الأخير) نجح إلى حدٍّ بعيدٍ في ملامسة قضايا حقيقيّة يعيشها الجمهور مثل التنمّر، الفقر، الاستغلال، المرض، وغيرها. قوته الأساسيّة كمِنت في صدقه وجرأته، وضعفه في ميله أحياناً إلى التقريريّة.
(المقعد الأخير) هو عمل لا يدّعي الكمال، لكنّه يقدّم نموذجاً لدراما اجتماعيّة تحاول أن تكون مرآة لا زينة.. وفي مشهد درامي يميل أحياناً إلى الترفيه الخالص، تبدو هذه المحاولة جديرة بالتقدير والنقاش.