رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

رضا العربي يكتب: (ضياء العوضي).. عاش بينا من قبل!

رضا العربي يكتب: (ضياء العوضي).. عاش بينا من قبل!
ضياء العوضي
رضا العربي يكتب: (ضياء العوضي).. عاش بينا من قبل!
رضا العربي

بقلم الفلكي: رضا الغربي

تخيّل عزيزي القارئ أن الطبيب (ضياء العوضي) الذي لقي مصرعه قيل يومين ليس طارئًا على زمننا، بل عابرُ عصورٍ يتكرّر حضورُه في هيئاتٍ شتّى.. كأنّه عاش هذا الصدام بعينه من قبل، وتذوّق هذه الحرب الشعواء ذاتها من قبل وسار في السيناريو الإنساني نفسه.. لكن في جسدٍ آخر، وزمنٍ مغاير، وملامح مختلفة.. وكأن الوجود يعيد تدوير حكايته، فيظهر هو كل مرة بصورة جديدة، لكن بروحٍ لا تتبدّل.

هناك أشخاص لا تقرأهم.. بل تشعر أنك تتذكرهم: (ضياء العوضي) واحد من هؤلاء.. حين تقترب من طريقته في النظر إلى الجسد، لا يبدو كمن يتعلم، بل كمن يستعيد ذاكرة قديمة؛ ذاكرة لم تُكتب في كتب، بل سكنت في خلايا الروح.. كأن هناك خيطًا خفيًا يمتد عبر الزمن، يربطه بأطباء لم يلتقِ بهم قط.. ومع ذلك يعرفهم، أو لعلهم هم الذين يعرفونه.

خذ مثلًا ذلك الطبيب الألماني الصارم الذي رأى في الأرز أكثر من مجرد طعام.. لم يكن يقدم وجبة، بل كان يعيد تعريف العلاقة بين الإنسان وجسده.. كان يرى المرض ليس كعدو خارجي، بل كاختلال في نغمة الحياة نفسها.. فاختار أبسط ما في الأرض: الأرز.. ذاك الكائن الأبيض الصامت، ليكون دواءً يعيد الاتزان.

ثم هناك طبيب آخر، أكثر هدوءًا، أقل صخبًا، لكنه يحمل نفس الفكرة في جوهرها: الجسد ليس ساحة حرب، بل حديقة.. وما نزرعه فيها، نحياه.. لم يكن يعالج المرضى بقدر ما كان يعلّمهم كيف لا يمرضون.. كان يردهم إلى الفطرة، إلى النبات، إلى البساطة التي فقدها الإنسان حين ظن أن التعقيد هو طريق القوة.. والعجيب أن (ضياء العوضي)، دون أن يجلس إلى أيٍّ منهما، يتكلم لغتهما.. ليس تقليدًا، بل تطابق.

كأن هناك مدرسة غير مرئية، لا تُدرَّس في الجامعات، بل تُورَّث عبر الوعي.. مدرسة تقول إن الشفاء لا يأتي من الخارج، بل من الداخل حين نزيل ما يعوقه.. وإن الجسد، في حقيقته، لا يحتاج إلى معجزات، بل إلى فرصة.

(ضياء العوضي) لا يتعامل مع المريض كملف طبي، بل كحكاية.. لا يسأل فقط: ماذا تأكل؟ بل يسأل: كيف تعيش؟ لأن المرض عنده ليس رقمًا في تحليل، بل نتيجة فلسفة حياة.. هنا تلتقي طرقه مع أولئك الذين سبقوه.. أو سبقهم، من يدري؟

رضا العربي يكتب: (ضياء العوضي).. عاش بينا من قبل!
Walter Kempner

فكرة (العودة) هى المحور

العودة إلى البساطة.

 العودة إلى الطعام الذي لا يربك الجسد.

 العودة إلى الإيقاع الطبيعي الذي فُقد بين ضوضاء الحداثة.

لكن الفرق الدقيق.. والذي يكاد لا يُرى.. أن (ضياء العوضي) يحمل هذا كله بنَفَس معاصر، بروح تعرف أنها تعيش في زمن مختلف، فلا ترفضه، بل تحاوره. هو لا يدعو إلى الهروب من العالم، بل إلى إعادة ضبط العلاقة معه.

وهنا يظهر البُعد الميتافيزيقي.

هل يمكن أن تتكرر الأفكار عبر أشخاص مختلفين؟

هل يمكن أن يكون الوعي الإنساني نهرًا واحدًا، تتبدل فيه الأسماء، لكن الماء هو ذاته؟

حين تقرأ أو تستمع، قد يخيل إليك أن هؤلاء الثلاثة ليسوا إلا انعكاسات لمرآة واحدة، وُضعت في أزمنة مختلفة.. كل واحد منهم التقط زاوية، لكن الصورة الكاملة واحدة:

الإنسان يستطيع أن يشفي نفسه.. إذا فهم نفسه.

ليست المسألة إذن حمية أرز، ولا نظامًا نباتيًا، ولا قائمة ممنوعات ومسموحات. المسألة أعمق: هى إعادة تعريف معنى الصحة نفسها.

الصحة ليست غياب المرض.. بل انسجام.

وحين يتحقق هذا الانسجام، لا يعود الجسد ساحة شكوى، بل يصبح رسالة صامتة تقول: لقد فهمت أخيرًا.

ربما لم يعش (ضياء العوضي) حياة أولئك الأطباء، لكن الأكيد أن شيئًا منهم يعيش فيه.

في عالمٍ يزدحم بالأدوية، ويضيق بالصحة، يخرج عليك ثلاثة أطباء، كأنهم اتفقوا سرًا على أن يختلفوا علنًا: Walter Kempner، وJohn A. McDougall، و(ضياء العوضي).

ثلاثة وجوه، وثلاثة طرق، لكن الطريق في النهاية واحد: (قل لي ماذا تأكل، أقل لك من أنت… وكيف ستمرض، وكيف سوف تشفى).

كيمبنر، هذا الألماني الصارم، لم يكن يؤمن بأنصاف الحلول.. الرجل تعامل مع المريض كما يتعامل الكيميائي مع تجربة خطيرة:. كل شيء محسوب.. الأرز بالجرام.. الملح يكاد يكون جريمة.. الدهون خطيئة لا تُغتفر.

رضا العربي يكتب: (ضياء العوضي).. عاش بينا من قبل!
John A. McDougall

دعونا نُطعم الإنسان

لم يكن يقدم طعامًا.. بل كان يكتب (روشتة من الأرز).

تخيل أن طبيبًا يعالج ضغط الدم والفشل الكلوي بطبق أرز!

يبدو الأمر ساخرًا… لكنه لم يكن كذلك لمن شُفوا.

ثم يأتي ماكدوغال… أكثر هدوءًا، أقل توترًا، كأنه يقول:

(لماذا كل هذا العنف؟ دعونا نُطعم الإنسان، لا أن نعاقبه!).

نفس الفكرة.. لكن بروح مختلفة:

بطاطس، أرز، عدس، فول، مائدة فقيرة في نظر الأغنياء، لكنها غنية في نظر الجسد.

هو لا يريدك أن تدخل المستشفى لتُشفى.. بل يريدك ألا تدخلها من الأساس.

أما (ضياء العوضي).. فقصته مختلفة.

هو لا يخاطب مريضًا في عيادة ألمانية، ولا أمريكيًا يبحث عن حمية على الإنترنت..

هو يخاطب إنسانًا بسيطًا، يأكل كما وجد أباه يأكل، ويعيش كما وجد الناس يعيشون.

لا يستطيع أن يقول له: (كُل أرز فقط).

ولا يستطيع أن يقنعه أن يترك كل ما يحب فجأة.

فكان الحل عنده: التدرّج.. التبسيط.. الاقتراب دون صدمة.

كأنه طبيب.. وواعظ.. وصديق على مائدة واحدة.

الثلاثة، رغم اختلافهم، يجتمعون على سرٍ صغير جدًا.. وخطير جدًا:

أن الإنسان لا يمرض فجأة… بل (يأكل مرضه) يومًا بعد يوم.

وأن الشفاء، في جوهره، ليس في الدواء!

بل في رفع ما أفسد الجسد قبل أن نبحث عمّا يصلحه.

كيمبنر يقول لك: (امتنع.. تُشفى).

ماكدوغال يقول: (غيّر.. تعش).

(ضياء العوضي) يقول: (افهم… وستعرف ماذا تفعل).

لكن الحقيقة التي لا يقولها أحد صراحة:

أن أصعب شيء في العلاج ليس المرض.. بل الإنسان نفسه.. لأنك قد تتحمل ألم الجسد.. لكن هل تتحمل حرمان العادة؟.. هنا يصبح السؤال الحقيقي:

ليس أي نظام هو الأفضل.. بل: أي قلبٍ مستعد أن يلتزم؟، وأي عقلٍ مستعد أن يقتنع؟،

وهكذا.. بين طبق أرز عند كيمبنر، وطبق بطاطس عند ماكدوغال، ومائدة مصرية يحاول (ضياء العوضي) إصلاحها!

تدور الحكاية كلها حول شيء واحد: (هل نأكل لنعيش.. أم نعيش لنأكل؟).

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.