في ذكرى صلاح جاهين .. كيف جسدت رسومه مشاعر المصريين الوطنية

بقلم الكاتبة الأكاديمية: أميرة السمني
أن تكون فنانًا يعني أن تكون مرهف الحس صادق الوجدان، تحمل في قلبك قضايا وطنك كأنها قضاياك الخاصة، وهكذا كان (صلاح جاهين).. تحل ذكراه في هذا الشهر (21 أبريل)، تسبقها ذكرى مدرسة بحر البقر (8 أبريل)، وتليها ذكرى تحرير سيناء الغالية (25 أبريل).
لذا أرى الوقت مثاليًا لإحياء ذكراه بعرض رسومه الوطنية، ليكون استكمالًا لمقالي السابق “على اسم مصر: مصر في أشعار (صلاح جاهين).
بدأ (صلاح جاهين) مسيرته مع فن الكاريكاتير عام 1955 في مجلة روز اليوسف وهو في الخامسة والعشرين من عمره، ثم انتقل إلى جريدة صباح الخير منذ عددها الأول، وبعدها إلى الأهرام حيث كان يرسم الكاريكاتير بشكل يومي ويتناول فيه أهم الأحداث السياسية أو الاجتماعية بطريقته الساخرة.
يقسم محيى الدين اللباد فن الكاريكاتير قبل (صلاح جاهين) إلى نوعين منفصلين، كاريكاتير سياسي بحت بطريقة مباشرة وصدامية وقد أخذ في التراجع بعد عام 1954، وآخر فكاهي غير سياسي يعتمد على السخرية من مظهر الشخصيات وسذاجتهم أو سخافتهم دون أن يعبر عن مواقف وأفكار صاحبها.
ولم يكن هذا النمط المتأثر بالحياة الأوروبية يعبر عن الواقع المصري.. استطاع جاهين بأسلوبه المميز أن يمزج بين الاثنين، ويبدع لنا (كاريكاتير اجتماعي سياسي) نابع من (مدرسة الكاريكاتير المصري الحديث) التي كان هو مؤسسها.

عقل مثقف شديد الوعي
يصف اللباد كاريكاتير (صلاح جاهين) بأن وراءه (عقل مثقف شديد الوعي بالمجتمع وتركيبته ومشكلاته وطموحه.. كما كان هناك قلب رافض مبتهج طفولي عابث، ووجدان ورث روح الفكاهة وتقاليد التعبير عنها في مصر).
بمرور السنوات صار أرشيف أعمال (صلاح جاهين) سواء الكاريكاتيرية أو الشعرية يؤرخ لفترة هامة من تاريخ مصر، وتحديدًا لثورة يوليو وما أعقبها من تأميم القناة والعدوان الثلاثي ثم النكسة وحرب الاستنزاف ونصر أكتوبر.
ولأن للفن وجه وثيق الصلة بالتاريخ، فقد تجاوزت أعماله مجرد الرسوم وأصبحت جزءًا من ذاكرة الشعب المصري ووجدانه، نتوارثها جيلاً بعد جيل حتى لا ننسى نضال شعبنا. وإن كانت قراءة التاريخ تحتاج إلى متخصص أو قارئ جاد، فإن الفن للجميع، ومن منا لا يطربه لحن، أو تأسره لوحة؟
كانت هذه هي فلسفة (صلاح جاهين) التي من أجلها كتب أشعاره بالعامية واختار فن الكاريكاتير، أن يصل بفنه لجموع الشعب، وأن يجمع بين إبداع وأصالة الأفكار وبساطة عرضها في قالب قريب من الناس.
كان (صلاح جاهين) من طليعة الكتاب والفنانين الثوريين، وكان يظهر انحيازاته ومواقفه في أعماله، وعلى رأس هذه الانحيازات كان انحيازه الدائم لمصر ضد الاستعمار والعدوان والاحتلال، فبدت مواقفه واضحة في رسومه كما في أشعاره.
وقد استلهمت في جمعي لمادة هذا المقال روح الباحثة بداخلي، فقضيت أيامًا جميلة بصحبة أعماله، وجمعت من (أرشيف الأهرام الرقمي) الكثير من الأعداد ثم اقتطعت من كل عدد مربعه اليومي، فصار لدي كنز من أعماله الكاريكاتيرية مرتبة بحسب المواضيع والسنوات.. أعرض من كنزي بعضًا من رسومه في فترة النكسة وحرب الاستنزاف ونصر أكتوبر.

النكسة أصابت جاهين بالاكتئاب
على الرغم من أن النكسة أصابت جاهين بالاكتئاب إلا أن حلمه بالنصر لم ينكسر، فكانت كاريكاتيراته تحتفي باستمرار المقاومة وبقاء جذوتها مشتعلة رغم الدعم الأمريكي الهائل لإسرائيل، وترفض التسليم بالهزيمة وتبشر بالنصر.
في مطلع عام 1973 كانت نتيجة الحائط في رسمته الكاريكاتيرية مازلت ثابتة عند يوم 5 يونيو 1967، وكأن الهزيمة تمثل ليلًا طويلًا حالك السواد، ولن تشرق شمس اليوم التالي إلا بنصر يمحوها.
في صبيحة يوم 12 فبراير 1970، قصفت إسرائيل مصنع أبو زعبل فقتلت 80 مدنيًا.. وفي 8 أبريل 1970، استهدفت إسرائيل، كعادتها الإجرامية، مدرسة بحر البقر الابتدائية بالشرقية بطائرات الفانتوم الأمريكية وقتلت 30 طفلًا تتراوح أعمارهم ما بين السادسة والثانية عشر، ثم أنكرت، كعادتها أيضًا.
وأكدت أنها لم تضرب إلا مواقع عسكرية، وحضر صحفيون أجانب إلى مصر ليشهدوا بأعينهم كذب الرواية الإسرائيلية.. بعدها بيومين فقط رسم (صلاح جاهين) في مربعه بالأهرام مُدرسة تمسك كراريس الرسم وهي ملطخة بدماء تلاميذها الصغار وتحيط بها النيران من كل جانب، ولكنها تقف بشجاعة لتشهد العالم على ما حدث لتلاميذها.
وبلسانها كتب قصيدته (الدرس انتهى لموا الكراريس) التي لحنها سيد مكاوي وغنتها شادية، لتخلد في ذاكرتنا للأبد.. وثق (صلاح جاهين) برسوماته جرائم إسرائيل وأكاذيبها واستهدافها للمدنيين في بحر البقر وأبو زعبل، وكذلك الدعم الأمريكي لها بالسلاح. وبرغم مرور أكثر من 50 عامًا على هذه الرسوم إلا أننا لو غيرنا تاريخها لما وجدنا فرقًا يذكر بين الأمس واليوم.
وعندما أشرقت شمس الانتصار في السادس من أكتوبر 1973، أبدع جاهين في تجسيد مشاعر المصريين المختلفة في رسوماته، فلا نجد شعورًا إلا وقد عبر عنه، بما في ذلك الفخر والفرحة والتضامن والاستهزاء بالعدو.. يعبر عن فرحتنا وفخرنا فيصور التاريخ رجلًا يكتب ما سطرته دماء جندونا من نصر، ويصور مصر أمًا حنونة تدعو لأبنائها الجنود بالنصر.
ويصورنا ونحن على قلب رجل واحد، قلوبنا مع الجنود وعيوننا على الجبهة، فحتى الطفلة الصغيرة لن تفرح بالعيد إلا باكتمال النصر، ويهزأ من جبن الإسرائيلي وأسطورة الجيش الذي لا يقهر.. والآن أتركك عزيزي القارئ مع رسومات جاهين لتعيدك بالزمن إلى عام 1973 وتشارك آباءك وأجدادك فرحة الانتصار.
