نكشف لأول مرة كواليس فيلم لـ (صلاح جاهين)، بطولة فيروز، وعبدالحليم حافظ، وتغني فيه أم كلثوم!

إعداد: أحمد السماحي
نحيي هذه الأيام الذكرى الأربعين لعبقري مصر (صلاح جاهين) الذي شكل وجدان وذائقة أجيال كاملة من خلال روحه ورؤيته في أشعاره التى كانت تعبيرا عن مشروع قومي كان جيلي الخمسينات، والستينات يحلمون به.
نحيي ذكرى (صلاح جاهين) الذي صال وجال في كل مجالات الفن والثقافة، وأبدع ككاتب سيناريو، وشاعر، ومؤلف، ومغني، ومنتج، ورسام كاريكتير، وكممثل، والأهم كصانع للبهجة والحلم والأمل، وأضاف الكثير لكل مجال فني اقتحمه.
نحيي ذكرى (صلاح جاهين) الذي كتب وصية لابنه، في رباعياته الخالدة قال فيها :
أوصيك يا ابني بالقمر والزهور
أوصيك بليل القاهرة المسحور
وإن جيت في بالك، أشتري عقد فل
لأي سمرا، وقبري إوعك تزور
عجبي
(صلاح جاهين) الذي سبق عصره، وتنبأ في حوار له مع أستاذي الكاتب المبدع الدكتور (عمرو عبد السميع): (بأن الأنسان في السنوات القادمة ـ التى نعيشها حاليا ـ سيعاني من الأكتئاب والوحدة، نظرا لأن الناس ستعيش وأمام وجه كل منهم شاشة زجاجية يتفرجون عليها.
وهو أمر يثير أقصى درجات الأكتئاب والشعور بالوحدة، عكس جيلنا والأجيال التالية لنا، كان العالم يعتمد على العلاقات الإجتماعية الشخصية، ومقابلة الناس، والجلوس على المقاهي، وارتياد المسرح، ودور العرض السينمائية).


فيلم مجهول لصلاح جاهين
هذا الأسبوع في باب (صحافة زمان) ننفرد بنشر تفاصيل فيلم سينمائي كتب (صلاح جاهين) أشعاره في بداية عام 1967، عن (فلسطين)، تأليف الكاتب (إلهامي سيف النصر).
وكان من المقرر أن يشارك في بطولته (عبدالحليم حافظ، وفيروز) وستغني فيه (أم كلثوم) أغنية رئيسية، ويلحن جميع أغنياته موسيقار الأجيال (محمد عبدالوهاب).
وقد انفردت مجلة (الكواكب) عام 1967، بنشر جزء من سيناريو الفيلم، مع بعض الأغنيات التى كتبها (صلاح جاهين)، وكان من بينها أغنية (الله معك) أو (راجعين بقوة السلاح) التى غنتها (أم كلثوم) فيما بعد في شهر يونيو عام 1967، من تلحين رياض السنباطي.
وكان من المقرر في الفيلم أن يلحن (محمد عبدالوهاب) كلمات هذه الأغنية، التى جاء مطلعها في السيناريو المنشور، مع اختلاف في بعض الكلمات، لكن يبدو أن عدم خروج الفيلم للنور، جعل (كوكب الشرق) تبادر في تعديل كلماتها، وتقديمها في شهر يونيو عام 1967، من ألحان العملاق رياض السنباطي.
كما كتب في سيناريو الفيلم أيضا في حالة عدم موافقة (فيروز) على الفيلم، ستقوم بدور (نواره) المطربة (نجاة الصغيرة).
وعندما راجعت إلى مجلات وجرائد عام 1967 الفنية، فوجدت أن المطربة الكبيرة (فيروز) رحبت بالمشاركة في الفيلم، لكنها وضعت شرط أن يقوم (الأخوين رحباني) بتوزيع أغنياتها في الفيلم.
فوافق الموسيقار (محمد عبدالوهاب) و(عبدالحليم حافظ) أصحاب شركة (صوت الفن) منتجة الفيلم، بل طلب (عبدالوهاب) من (الأخوين رحباني) أن يقوما بتوزيع كل أغنيات الفيلم، وليس فقط أغنيات (فيروز).


الكواكب تنشر جزء من السيناريو
إليكم ما جاء في مجلة (الكواكب) التى نشرت الخبر على غلاف صفحتها الأولى، ونشرت جزء من سيناريو الفيلم وبعض أغنياته داخل العدد.
وجاء في التفاصيل الآتي : (منذ سنتين و(عبد الوهاب، وعبد الحليم) يعدان فيلما كبيرا عن مأساة فلسطين، يتحدث عنها بصراحة، ووضوح.
ويكون ردا على سيل الأفلام الصهيونية أمثال (بن هور)، و(الخروج)، و(الظل) التى تحاول فيها خديعة الضمير الإنساني العالمي، وفي نهاية هذا العام تدور الكاميرا، داخل الدول العربية لتصوير مأساة الأرض السليبة (فلسطين).


المنظر الأول
حقول برتقال واسعة تمتد بلا نهاية، ونرى شخص بعيد جدا يتحرك نحو الكاميرا، والمشهد صامت لعدة لحظات، تبدأ الموسيقى خافتة جدا، وتعلو بالتدريج مع كلمة (الله) الطويلة الممدودة في مطلع الأغنية.
والشخص يقترب أكثر فأكثر، وتتضح معالمه، أنه فتاة، (نوارة) بطلة القصة تحمل معها سلة فيها المشتروات، والفاكهة، تتوقف لتقطف بعض الأزهار، ومع المنظر نسمع الأغنية التى كتبها (صلاح جاهين) ويغنيها (عبد الحليم) من ألحان (عبدالوهاب) ويقول فيها:
الله خلق جنة في موسم النوار
ومد ايده الكريمة الخيره واختار
نوارة واحد قطفها، حدفها للدنيا
صارت فلسطين، وصار من أمرها ما صار
مقدمة تبدأ بعدها الأحداث، ومع الأحداث يرتفع صوت (عبدالحليم) أو صوت (فيروز)، ليعلق على الأحداث، وليأخذ الصوت مكان الموسيقى.

منظر آخر
لقطات تفصيلية لأسواق القدس القديمة، وشبابيك متقابلة، ومعابد متجاورة، وعتبات بيوت، ومع الصورة، يرتفع صوت (عبدالحليم)، يضع الأحداث في بداية طريقها لتنمو، وتشكل في النهاية صورة المأساة، ويغنى قائلا:
هنا البشر في البشر دابو وصبحوا شعب
عربي فلسطيني حلو الطبع رحب القلب
مسلم، مسيحي، يهودي، أخوة ليهم رب
زملا سوا في العمل، والعائلات جارة
وترد (فيروز) وتكمل الأغنية:
ميات سنين فاتوا، وبلادي على دي الحال
لغاية اتنين نوفمبر عام سبعتاشر.
ويغني عبدالحليم : يوم وعد بلفور
ثم ينتقل التاريخ، وتنقل بنا الأحداث ومعها خلفية صوتية على شكل حوار مغنى
هو: بشاعة أولها ليلة (بيت صفافا) الشؤم
هي: وثانيها يوم فلسطين بين أنين السقيم
هو: وثالثها تركت جيوش الإنجليز باللؤم، وكل البلد للصهاينة يكملوا الشعوب
هي : وأعلنوا إسرائيل
وتبدأ المأساة التى عاشها الشعب العربي ممثلا في سلب فلسطين، ويرتفع صوت (عبدالحليم):
بين المحيط والخليج شعب العرب دوى
القوة لابد ما تترد بالقوة
آه يا فلسطين ياروح القلب من جوه
شبيكي لبيكي نصرك ع الجبين مكتوب
وننتقل بالأحداث والعلم المصري يرفرف على مستعمرة (دير اسنيد)، ومن جديد يرتفع الغناء
هو: ولا نقطة راحت هدر من دمنا الغالي
هى: الدم بالقدرة نبت خضرة في العالي
هو: راية عرب مصر ركبت قصر (دير اسنيد) وارتد كيد الخيانة لنحرها البالي، وتدور المعارك عام 1948.
هى: أرتد كيد الخيانة
هو: في غزة، وفي (أسدود) دخلت جنود مصر ع المجد ما حاشها سدود
هى: زحفت جنود العراق وسورية في المشرق
هو: وفي الشمال، والطريق للقدس عاد ممدود
لكن القضية تتوقف، ويظل العدو في الأرض السليبة فلسطين، ويرتفع صوت (أم كلثوم):
الله معك، الله معك، الله معك
يا صابر الصبر الجميل الله معك
ما أشجعك يا شعبنا، وما أروعك
جرحك فلسطين، يوجعك، تزداد وجود
وتحول الأحزان بارود في مصنعك
الله معك، الله معك، الله معك
…………………………………….
بعد نشر جزء من سيناريو الفيلم، يقول محرر الكواكب (حلمي سالم): ما قمنا بنشره ليس قصة الفيلم، لأنه مملوء بالأحداث، استنادا إلى التاريخ، واستنادا إلى كل التفاصيل الدقيقة الصغيرة التى شهدتها فلطسين منذ نهاية الحرب العالمية الأولى.
ونحن فقط نحاول أن نعطي صورة سريعة للخط العام للأحداث، من خلال الأغنيات التى سضمها الفيلم، ويبدو أننا أخيرا سنتمكن من الرد على الصهيونية عن طريق السينما بعد أن ظلت أفلامنا العربية تدور حول القضية ولا تقترب منها بصراحة.

مع عبدالحليم حافظ
يقول (عبد الحليم حافظ) بطل الفيلم: الصراع موجود بين العرب والصهيونية، وفي الفيلم سنستعين بنجوم أجانب، لأن الممثل العربي لا يمكن أن يقنعك كصهيوني.
والممثل الأجنبي، لا يقنعك أيضا كعربي، لهذا قررنا أن نضرب عصفورين بحجر واحد، الأشخاص الصهيونية، يمثلها نجوم أجانب، والأشخاص العربية يمثلها فنانيين عرب.
كما أن وجود أسماء فناننين عالميين معنا تجعل فيلمنا يخرج ببساطة إلى العالم الخارجي ويشد المتفرج الغربي، ونكون بذلك قدمنا القضية لجماهير العالم.
*ماذا يريد الفيلم أيضا؟
** ميزانية كبيرة، ولقد رصدنا له ربع مليون جنية، وفي الفيلم معارك حربية، سنحضر لها مخرجا متخصصا من يوغوسلافيا متخصص في المعارك الحربية.
وقضية فلسطين لم تقع على أرض فلسطين فقط، وانما هي امتدت إلى كل أرض عربية، وستخرج الكاميرا لتصور الأحداث في أماكنها، وطبيعة منطقتنا العربية، طبيعة جميلة، يمكن للألوان أن تبرز جمالها.
ولذلك سنجعل الفيلم بالألوان، وسيشترك في الفيلم ممثلين من البلاد العربية، يعني سنعطي للفيلم كل الامكانيات المطلوبة، ولكن تبقى بعض المساعدات مثلا إذا طرنا إلى الأردن للتصوير هناك فيجب أن يستضيفنا الأردن، ويسهل لنا كل السبل.
وكذلك لو صورنا في بيروت أو سوريا أو العراق، أو غيرها، يجب أن تساعدنا جامعة الدول العربية، ومنظمة التحرير في فلسطين، حتى نقدم العمل الجدير بالقضية.
ونحن لا نحتاج لمساعدات مادية، ولكن التسهيلات فقط، حتى لا ترتفع نفقات الفيلم ونعجز أمامه، فهذه المساعدات تخفض تكاليف الفيلم، خاصة وأنا كما قلت لك سنستعين بمخرج أجنبي بجوار المخرجين العرب طبعا، وسيشارك فيه ممثلون أجانب مع الممثلين العرب.
*هل أخترتم نجوم الفيلم؟
** فيروز، وفي حالة عدم إمكانيتها، ستقوم (نجاة) بالبطولة، وستغني (أم كلثوم) أغنية الفيلم الأخيرة، هذا بجوار مجموعة الممثلين العرب والأجانب.
*من سيقوم بوضع الألحان؟
** محمد عبدالوهاب، وسيتولى التوزيع الأخوين رحباني.
*هل ستقوم شركة (صوت الفن) وحدها بالأنتاج؟
** لأ معنا أيضا حلمي ومنيررفلة.
*متى سيبدأ تصوير فيلم (فلسطين)؟
** مع نهاية العام، بعد حصولنا على الموافقات الأمنية في بعض الدول العربية، وإختيار باقي نجوم الفيلم.
…………………………………….
إلى هنا وانتهى الحديث عن الفيلم ـ كما جاء في مجلة (الكواكب)ـ الذي كتب كل أغنياته، وأشعاره (صلاح جاهين) وتوقف تصويره بعد نكسة يونيو عام 1967.