رحيل (ليلي الجزائرية) التى تم محاكمة فريد الأطرش بسببها، وأعجب بها عبد الوهاب


كتب: أحمد السماحي
تم منذ ساعات قليلة دفن جثمان الفنانة الاستعراضية (ليلى الجزائرية)، في مقبرة الأسرة بالمغرب، عن عمر يناهز الـ 96 عاما، وقد رحلت (فاطمة الزهراء حكيم) التى عرفناها باسم (ليلى الجزائرية) أمس الأربعاء بعد معاناة مع أمراض الشيخوخة.
وكان آخر ظهور للفنانة (ليلى الجزائرية) منذ حوالي ثلاث سنوات من خلال فيديو أثار جدلا كبيرا على مواقع التواصل الإجتماعي، حيث ظهرت في الفيديو وهى تؤدي إحدى رقصاتها القديمة.
ويومها انقسم رواد مواقع التواصل الإجتماعي ـ كالعادة ـ إلى فريقين، فريق استهجن أن ترقص وهى في عمر الـ (93)، وفريق آخر استحسن الفكرة والرقصة، واعتبر ما فعلته دعوة للحياة، وانتصار على الزمن.
ولدت (فاطمة الزهراء حكيم) في مدينة الشلف الجزائرية عام 1930، ونشأت وسط عائلة محافظة تدعى (بوكطاية)، كان أفرادها يرتبطون فيما بينهم بعلاقات مصاهرة مغلقة كأن يتزوجوا أبناء وبنات عمومتهم.
وكادت تخضع لهذا التقليد فأرادوا تزويجها بابن عمها وهى في الثالثة عشرة من عمرها، فاضطررت للجوء إلى مدينة الجزائر العاصمة حيث يوجد أفراد آخرون من العائلة كانوا أقل تشددا.
وهناك بدأت نشاطها الفني بالتمثيل المسرحي، وفي تلك الفترة تعرفت (ليلي الجزائرية) على المسرحي الجزائري (محيي الدين بشتارزي) الذي رآها تمثل على خشبة الأوبرا بالجزائر، وهى لم تتجاوز بعد الخامسة عشرة.
وطلب من أفراد عائلتها أن يسمحوا له بتنبني موهبتها، واعدا إياهم بأن يجعل منها شيئا هاما في عالم الفن، ورحبت بالفكرة، وعرفها على الممثلين الذين كانوا يشتغلون معه، وأعجبت بأسلوب اشتغالهم.
فقررت الالتحاق بفرقته المسرحية، وشرعت تتلقى التدريبات، وكانت أول مسرحية شاركت فيها بعنوان (المجرم)، وأشادت الصحافة، وقتها بأدائها، مما شجعها كثيرا وأدخل السرور إلى قلبها، خاصة أنها كنت حينها ما زلت في الخامسة عشرة.
واستمرت في اشتغالها مع تلك الفرقة المسرحية إلى أن بلغت الثامنة عشرة، وفي هذه الفترة حملت اسما جديدا عوض عن اسمها الحقيقي (فاطمة الزهراء)، وهو(ليلى حكيم) باقتراح من الراحل محيي الدين بشتارزي.

السفر إلى باريس
بعد أن قضت (ليلي الجزائرية) حوالي ثلاث سنوات في التمثيل، انتقلت خلال عطلة صيفية إلى فرنسا، ولم تكن تربطها أي علاقة بفن الرقص في البداية، إذ في إحدى المرات كانت في حفلة في آخر السنة اجتمع فيها كل ممثلي الفرقة وموسيقييها.
وكان من بينهم عازف بيانو يدعى (مصطفى) كان يعزف مقطوعة راقصة أثناء الحفل، فحاولت راقصة اسمها (كلثوم) جذبها لكي ترقص فتمنعت في البداية، كما أن سلوك الراقصة هذا كان بهدف توريطها في فن لم تكن تجيده، خاصة أن (ليلى الجزائرية) بدأت، حينها، تأخذ مكان (كلثوم) تدريجيا في الأدوار المسرحية التي كانت تسند إليها.
فلما فشلت (كلثوم) في جذبها إلى الرقص، في تلك اللحظة، بادر ممثل آخر إلى الفعل نفسه بعد أن غمز لعازف البيانو، وشرع في مراقصتها عنوة، والجميع يضحكون من هذا التصرف.
وراقبت المشهد إحدى الراقصات القبايليات المحترفات وتدعى (بديعة)، فتعاطفت معها، ولما اختلت بها سألتها إن كانت ترغب في تعلم الرقص، فلما أومأت لها بالإيجاب قررت تعليمها هذا الفن.
واقترحت عليها مرافقتها إلى (باريس) حيث كانت تشتغل في ملهى يدعى (الكتبية) وتلقت دروسا على يديها، وخلال الفترة نفسها تعرفت على مدير الأوبرا في باريس وهو من أصول روسية.
واقترح عليها أن تأتي إلى دار الأوبرا كل صباح، خاصة أنه كانت هناك مغنية سوبرانو جزائرية من الطراز الرفيع ومشهورة، آنذاك، تدعى (ليلى بن سديرة)، وشرعت في تلقي دروس في فن الرقص الكلاسيكي الذي يمكن من أداء الحركات على نحو أفضل.
وبقيت (ليلي الجزائرية) تشتغل مع صديقتها الراقصة (بديعة) فترة، وكان (الملهى) يتردد عليه الكثير من مشاهير باريس وعلية القوم، وكان من بينهم شخص يدعى (عزيز الشاذلي) الذي اقترح عليها بدوره أن تشتغل معه في محل يملكه يسمى (الجزاير).

جولة سياحية للموسيقار محمد عبدالوهاب
في ملهى (الجزاير) شاهدها الموسيقار (محمد عبد الوهاب) الذي حضر إلى الملهى في إحدى السهرات برفقة زوجته الأولى (إقبال نصار)، كان ذلك سنة 1950.
وكان يشتغل معها في ذلك (الملهى) كل من المطرب المغربي (محمد فويتح)، والعازف عمر الطنطاوي، وموسيقيون آخرون من الجزائر، وتونس.
وأعجب (محمد عبد الوهاب) برقصها، وفي اليوم التالي جاء بمفرده إلى الملهى، وعندما سألته عن زوجته، قال لها أنها عادت لمصر، وطلب منها ـ كما ذكرت هى في حوار تليفزيوني موجود على اليوتيوب ـ أن يرى أهم معالم باريس الثقافية والفنية.
وبالفعل قامت بعمل هذه الجولة السياحية له على مدى أسبوع كامل، وأثناء ذلك تداولت الصحف العربية من خلال مراسليها في باريس، إعجاب الملحن الكبير (محمد عبد الوهاب) بالراقصة الشرقية (ليلى حكيم) وفي نهاية الجولة السياحية، طلب منها أن تنزل معه إلى القاهرة للعمل فيها، ولكنها اعتذرت لارتباطها بعملها في باريس!


فريد الأطرش وعايزة اتجوز
فى عام 1951 زار الموسيقار (فريد الأطرش) باريس، وذهب إلى الملهى الذي ترقص فيه (ليلى حكيم) حتى يرى الفتاة التى تناولت الصحف أن الموسيقار (محمد عبدالوهاب) أعجب بها في بباريس.
وشاهد (فريد) الراقصة الشرقية، وعرض عليها أن تحضر إلى القاهرة، للعمل معه في السينما بعقد مدته ثماني سنوات، وكان يريد بذلك تعويض الفراغ الذي تركته الراقصة (سامية جمال)، بعد خلافها معه وزواجها.
وهذا ما جعل (ليلى حكيم) تتردد كثيرا، خاصة أنه كان من الصعب على أي راقصة أن تحتل مكان راقصة مصر الأولى في هذا الوقت (سامية جمال) ويصيب الشهرة نفسها التي كانت تتمتع بها.
لكن بعد تردد جاءت (ليلى حكيم) إلى مصر، لتقوم ببطوله أول أفلامها في السينما المصرية وهو (عايزة اتجوز) تأليف أبوالسعود الأبياري، وإخراج أحمد بدرخان.
وفي البداية وجدت (ليلى الجزائرية) صعوبة في نطق اللهجة المصرية خاصة أنها كانت تتحدث الفرنسية فقط في باريس، وعلاقتها باللغة العربية ضعيفة جدا، فاقترحت عليهم اللجوء إلى الدبلجة إلا أن (فريد الأطرش) لم يقتنع بالفكرة، فكلف الإذاعي (محمد علوان) بإعطائها دروسا في اللهجة المصرية وإلقائها.
واقترح عليها (فريد الأطرش) تغيير لقب (ليلى حكيم) الذي كانت تحمله بدعوى أن اسم (حكيم) يعني الطبيب لدى الجمهور المصري، واستبدل (ليلى حكيم) بـ (ليلى الجزائرية).
وفي هذه الفترة، تسببت (ليلي الجزائرية) في محاكمة (فريد الأطرش)، بسبب إقامتها معه دون إخطار إدارة الهجرة والجنسية، وبعد أن علمت إدارة الهجرة بأنها نجمته الجديدة، سمحت لها بالإقامة.
ولكن كان لزاما عليها أن تحصل على تأشيرة لمدة ثلاثة أشهر، المدة التي سيستغرقها تصوير الفيلم الأول، لكن الأشهر الثلاثة مرت، والفيلم لم ينته بعد من التصوير.
وعندما بدأت (ليلي الجزائرية) في تصوير فيلمها الأول (عايزة اتجوز) اكتشفت أثناء التصوير أن السلطات المصرية كلفت شرطيا بمراقبتها طيلة النهار بالاستوديو، خوفا أن تكون جاسوسة، إلى أن انتهت من عملها.
ورجعت مرة أخرى إلى (باريس)، وبعد شهور استدعاها (فريد الأطرش) مرة أخرى، لبطولة فيلمها الثاني معه، وهو (لحن حبي) تأليف وإخراج أحمد بدرخان، سيناريو وحوار أبوالسعود الأبياري.


اللقاء بزوجها (عبدالرحمن بلمحجوب)
بعد انتهائها من تصوير فيلم (لحن حبي) تلقت (ليلى) عرضا آخر للاشتغال في أحد ملاهي بيروت، وانتهزت الفرصة، خلال تلك الفترة، لزيارة المغرب، خاصة أن والدتها تزوجت للمرة الثانية واستقرت بالدار البيضاء.
وعندما وصلت (المغرب) اقترحوا عليها مجددا أن تحضر عرض فيلمها الجديد (لحن حبي) بسينما (شهرزاد) بحضور الفنان سليم هلالي الذي كان حينها اسما فنيا مشهورا بالمغرب.
كما اتصلت بها مؤسسة (تيلما) لتسجيل حوار تلفزيوني تجريبي لقناتها، خاصة أن التلفزيون المغربي لم يكن حينها موجودا، ومن غريب الصدف أن الضيف الذي كان معها حينها أمام الشاشة لم يكن سوى لاعب الكرة المغربي الشهير (عبد الرحمن بلمحجوب) وكان هذا هو اللقاء الأول بينهما.
وبعد انتهاء التسجيل اقترحت عليه حضور عرض فيلمها بسينما (شهرزاد)، فقبل على أساس أن يجلب معه أفراد أسرته، وحدث هذا بالفعل، وعلى مدى أيام تجدد اللقاء أكثر من مرة، ووجدت (ليلى الجزائرية) في (بلمحجوب) عطف وحنان لمسته عن قرب في معاملته لكل المحيطين به.
بعدها عادت (ليلي الجزائرية) إلى بيروت حيث كنت ملتزمة بعقد للاشتغال هناك، وفي الوقت نفسه كان (عبد الرحمن بلمحجوب) على موعد مع مبارة مصيرية للمنتخب الفرنسي، الذي كان يلعب معه، ضد ألمانيا بمدينة (هانوفر).
وذهب كلا في طريقه وحددا موعدا للالتقاء بباريس، وفي مدينة النور حضرت (ليلى) مباراة لـ (بلمحجوب) سنة 1954 جمعت بين منتخب أفريقيا الشمالية والمنتخب الفرنسي، كانت فيها الغلبة للمنتخب الأول بثلاثة أهداف لهدفين، وتألق في المبارة (بلمحجوب).
وبعد المبارة حدث الزواج بين (ليلى الجزائرية) و(عبدالرحمن بلمحجوب) وبسببه اعتزلت الفن، خاصة بعد انجابها بنتيها، وظلت بعيدة عن الفن حتى رحيلها أمس الأربعاء، ودفنها اليوم.


