رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

أحمد صبحي يكتب: الفن والأدب: (إحسان عبد القدوس).. التجميل كونه مرآة للواقع!

أحمد صبحي يكتب: الفن والأدب: (إحسان عبد القدوس).. التجميل كونه مرآة للواقع!

أحمد صبحي يكتب: الفن والأدب: (إحسان عبد القدوس).. التجميل كونه مرآة للواقع!
الفرق بين أبطال (إحسان عبد القدوس) وأبطال عصرنا واضح
أحمد صبحي يكتب: الفن والأدب: (إحسان عبد القدوس).. التجميل كونه مرآة للواقع!
أحمد صبحي

بقلم الكاتب والسيناريست: أحمد صبحي

في عالم اليوم، أصبح التجميل وسيلة للظهور أكثر من كونه مرآة للواقع.. الكاتب الكبير (إحسان عبد القدوس) كان مدركًا لهذه الحقيقة قبل زمن طويل، فقد تناول في أعماله فكرة الإنسان الذي يحاول أن يصنع لنفسه صورة أفضل أمام الآخرين، حتى لو كانت هذه الصورة لا تعكس حقيقته بالكامل.

ولو عاش (إحسان عبد القدوس) في عصرنا الحالي، لربما رأى في السوشيال ميديا امتدادًا طبيعيًا لما كان يلمح إليه في رواياته: عالم يُعاد فيه تشكيل الإنسان على أساس الصورة لا الجوهر.

على هذه الصفحات، يتحدث الناس بما ليس فيهم، بما لا يعلمون، وبما لا يدركون. الجميع يسعى إلى مكاسب شخصية، مستغلين كل ما توفره التكنولوجيا من أدوات للظهور والتأثير، دون مراعاة كافية للمعايير الأخلاقية أو الاجتماعية.. ومع الوقت، لم يعد التجميل مجرد تحسين للصورة، بل أصبح أحيانًا صناعة كاملة للزيف، تُبنى فيها حياة افتراضية موازية للحياة الحقيقية.

لكن الفرق بين أبطال (إحسان عبد القدوس) وأبطال عصرنا واضح.. بطل روايته كان يحاول إيجاد مكان له بين الناس، الحصول على احترامهم وثقتهم وتقديرهم، وكان مدفوعًا بحاجة إنسانية طبيعية للقبول.

ورغم أن أفعاله لم تكن دائمًا شجاعة أو مستقيمة، وأن تصرفاته كانت أحيانًا محل نقد، إلا أنه كان يحمل داخله دافعًا مفهومًا: البحث عن فرصة، عن أمل، عن حياة أفضل، حتى لو لجأ أحيانًا إلى تزيين الحقيقة بدلًا من قولها كما هي.

اليوم، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا.. لم يعد الأمر مجرد (تجميل للحقيقة)، بل أحيانًا (إعادة خلق لها بالكامل).. فالمجتمع الرقمي أصبح مساحة تُصنع فيها الهويات، وتُبنى فيها المكانة الاجتماعية على عدد الإعجابات والمتابعين لا على القيمة الحقيقية.. وهذا ما يجعل الزيف أكثر خطورة، لأنه لم يعد مجرد استثناء، بل أصبح نمطًا متكررًا من السلوك.

أحمد صبحي يكتب: الفن والأدب: (إحسان عبد القدوس).. التجميل كونه مرآة للواقع!
فيلم (أنا لا أكذب ولكني أتجمل) الذي قدمه أحمد زكي وآثار الحكيم لم يكن مجرد عمل ترفيهي

لم يكن مجرد عمل ترفيهي

في هذا السياق، يظهر الفن السينمائي كمرآة ثانية تعكس هذا الصراع.. فيلم (أنا لا أكذب ولكني أتجمل) الذي قدمه أحمد زكي وآثار الحكيم لم يكن مجرد عمل ترفيهي، بل محاولة لاقتراب أعمق من الإنسان في لحظة ضعفه، حين يحاول أن يبدو أفضل مما هو عليه.

الأداء التمثيلي لم يكتفِ بنقل الحدث، بل كشف التوتر الداخلي بين الحقيقة والصورة، بين ما نعيشه وما نريد أن نبدو عليه أمام الآخرين.

ومن المفارقات المهمة أن (إحسان عبد القدوس) أكد أن القصة حقيقية وليست من وحي الخيال، وهو ما يمنحها بعدًا إضافيًا من المصداقية، ويجعلها أكثر التصاقًا بالواقع الإنساني.. فالقضية هنا ليست فردًا بعينه، بل نمطًا متكررًا في المجتمع: الإنسان الذي يختار أحيانًا أن يختبئ خلف صورة أجمل من حقيقته، بحثًا عن القبول أو النجاة أو حتى البقاء.

اليوم، لم يعد (التجمل) مجرد محاولة بريئة لتحسين الانطباع، بل أصبح في كثير من الأحيان وسيلة للنفوذ أو تحقيق مكاسب غير مستحقة. وهنا يتحول السؤال من مجرد (هل نكذب؟) إلى سؤال أعمق: (إلى أي مدى أصبحنا نصدق الكذبة التي نصنعها عن أنفسنا؟).

في النهاية، تبقى مقولة: (أنا لا أكذب، ولكني أتجمل) ليست مجرد جملة عابرة في عمل أدبي، بل مدخلًا لفهم الإنسان نفسه. فالأدب، كما قدمه (إحسان عبد القدوس)، ليس فقط حكاية تُروى، بل مرآة تُجبرنا على مواجهة ذواتنا، والتفكير في الحدود الفاصلة بين الحقيقة والصورة، بين ما نحن عليه وما نرغب أن نبدو عليه.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.