رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

عامر فؤاد عامر يكتب: (أنا وهيّ وهيا) دراما العوالم النفسيّة قبل الحدث

عامر فؤاد عامر يكتب: (أنا وهيّ وهيا) دراما العوالم النفسيّة قبل الحدث
قدّمت المخرجة (نور أرناؤوط) رؤية بصريّة واضحة المعالم، تعتمد على التقاط التفاصيل الدقيقة

بقلم الكاتب السوري: عامر فؤاد عامر

جاء مسلسل (أنا وهيّ وهيا) في موسم دراما رمضان 2026، الذي ازدحم بالأعمال ذات الإيقاع العالي والرهانات الإنتاجيّة الضخمة، ليقترح مساراً مختلفاً، أقرب إلى الدراما النفسيّة الاجتماعيّة منه إلى الميلودراما الصاخبة أو الإثارة المفتعلة.

العمل لا يطمح إلى إدهاش المتلقي عبر مفاجآت صادمة بقدر ما يسعى إلى تفكيك العلاقات الإنسانيّة المركّبة، وبخاصّة العلاقة بين الرجل والمرأة حين تتداخل الرغبة مع السلطة، والذاكرة مع الحاضر، والصورة الذاتيّة مع نظرة الآخر.

ومن هنا يمكن قراءة أهمّيّته داخل خريطة الموسم الرمضاني، كعملٍ راهن على البناء الداخلي للشخصيّات، وعلى الأداء، وعلى الحساسيّة الإخراجيّة، أكثر مما راهن على الحبكة المتقلّبة.

عامر فؤاد عامر يكتب: (أنا وهيّ وهيا) دراما العوالم النفسيّة قبل الحدث
ثمّة اشتغال ملحوظ على المسافة داخل الكادر، وعلى توزيع الشخصيّات في الفراغ

بين حساسيّة الصورة ووعي التفاصيل

قدّمت المخرجة (نور أرناؤوط) رؤية بصريّة واضحة المعالم، تعتمد على التقاط التفاصيل الدقيقة في تعبيرات الوجه، وعلى إدارة الصمت بوصفه خطاباً موازياً للحوار.

ثمّة اشتغال ملحوظ على المسافة داخل الكادر، وعلى توزيع الشخصيّات في الفراغ بما يعكس توازنات القوّة بينهم.. يمكن وصف هذه المقاربة بأنها تنطلق من عين أنثى بمعناها الجمالي، أي من حيث منح الشخصيّات النسائيّة عمقاً نفسيّاً واستقلاليّة نسبيّة في تمثيل رغباتهن وهشاشتهن، بعيداً عن كونهن امتداداً للبطل كما يحدث عادةًفي مسلسلاتنا العربيّة.

الإضاءة الناعمة في لحظات الاعتراف، واستخدام الكادرات القريبة لتكثيف الانفعال الداخلي، شكّلا جزءً من هويّة العمل البصريّة. غير أن هذا الاشتغال الجمالي لم يكن دائماً في خدمة الإيقاع، ففي بعض الحلقات بدا الإفراط في اللقطات الطويلة الصامتة سبباً في إبطاء التصاعد الدرامي.

كذلك، انشغلت الرؤية أحياناً بالجو النفسي على حساب الحسم السردي، فبقيت بعض المشاهد معلّقة في منطقة رماديّة لا تضيف تطوّراً حقيقيّاً للصراع.

ومع ذلك، يُحسب لأرناؤوط قدرتها على إدارة ممثلين ذوي حضور قويّ من دون أن يطغى أحدهم على الآخر، مع الحفاظ على نبرة واحدة للعمل، وهذا يدل على مخرجة تخط لنفسها مساراً متوازناً ومهمّاً.

عامر فؤاد عامر يكتب: (أنا وهيّ وهيا) دراما العوالم النفسيّة قبل الحدث
يؤكد (باسل خياط) في (أنا وهيّ وهيا) مكانته كممثلٍ يجيد الاشتغال على التفاصيل النفسيّة الدقيقة

الأداء يرتكز على الطبقات الداخليّة

يؤكد (باسل خياط) في (أنا وهيّ وهيا) مكانته كممثلٍ يجيد الاشتغال على التفاصيل النفسيّة الدقيقة.. شخصيّته ليست بطلاً تقليديّاً، بل رجل ممزّق بين رغبته في السيطرة وحاجته للاعتراف، بين صورة يرغب في تثبيتها عن نفسه وواقع يكشف هشاشته.

نرى (باسل خياط) قد تعامل مع شخصيّة (طارق) لا بوصفها نموذجاً جاهزاً، بل بوصفها كائناً متحوّلاً، تتبدل نبرتها وحضورها وفقاً لمتطلبات الموقف.

قوّته كممثّل تكمن في الاقتصاد في الأداء، من حيث النظرة الطويلة الامتداد، تردد بسيط في نطق الجملة، صمت محسوب، وكلّها أدوات استخدمها بذكاء ووعي، حتّى في اللحظات التي بدا فيها النص أقلّ إحكاماً، استطاع أن يمنح الشخصيّة صدقيّتها، كما حافظ على مركز الجاذبيّة الدراميّة للعمل.

عامر فؤاد عامر يكتب: (أنا وهيّ وهيا) دراما العوالم النفسيّة قبل الحدث
كّلت عودة (تاج حيدر) إحدى نقاط القوّة في (أنا وهيّ وهيا)

تاج حيدر والانسجام الجماعي

شكّلت عودة (تاج حيدر) إحدى نقاط القوّة في (أنا وهيّ وهيا)؛ أداؤها اتسم بالهدوء والثبات، مع قدرة على إبراز الانفعال الداخلي من دون الانزلاق إلى المبالغة، وحضورها أعاد التوازن إلى المعادلة الدراميّة في العمل، وجعل الصراع بين الطرفين أكثر تكافؤاً.

أمّا بقيّة الممثلين، فقد ظهر انسجامهم واضحاً في المشاهد المشتركة، ما يدلّ على إدارة واعية للممثلين.. الشخصيّات الثانويّة أدّت وظائفها بفعاليّة، وإن كان بعضها قد كُتب بنمطيّة نسبيّة، ولم يُتح لها هامش التطوّر الكافي الذي يمنحها الاستقلال الدرامي الكامل.

عامر فؤاد عامر يكتب: (أنا وهيّ وهيا) دراما العوالم النفسيّة قبل الحدث
قدّم نص (أنا وهيّ وهيا) نفسه بوصفه دراما علاقات، واقترب من المتلقي عبر الحوارات الخالية من التنميق الزائد

بين واقعيّة التفاصيل وتعثّر البناء

قدّم نص (أنا وهيّ وهيا) نفسه بوصفه دراما علاقات، واقترب من المتلقي عبر الحوارات اليوميّة الخالية من التنميق الزائد، كما نجح إياد أبو الشامات في رسم شخصيّات حملت تناقضاتٍ معقولة، وفي التقاط لحظات إنسانيّة مألوفة تعكس واقع العلاقات المعاصرة، وهذا القرب من الحياة اليوميّة منح العمل درجة من الصدق والاقتراب من المتلقي.

لكن على مستوى البناء الكلّي، عانى النص من بعض التكرار في دوائر الصراع، فقد ظلّت الشخصيّات تدور أحياناً في المساحة العاطفيّة نفسها من دون تقدّم حاسم، ما أضعف الإحساس بالتصاعد. كذلك، جاءت بعض التحوّلات متوقعة، ولم تُستثمر بعض الخطوط الفرعيّة لتوسيع الأفق الدرامي.

بمعنىً آخر، نجح النص في التفاصيل الصغيرة، لكنّه لم يبلغ دائماً قوّة الحبكة المتماسكة ذات المنعطفات المفصليّة.

أدّت الموسيقى التصويريّة وظيفة داعمة، من دون افتعال عاطفي. لم تسعَ إلى فرض حضورها، بل جاءت منسجمة مع المزاج العامّ، خصوصاً في المشاهد ذات الطابع التأمّلي. الرؤية الفنّيّة اعتمدت على فضاءات داخليّة تعكس حالة الاختناق النفسي، مع تدرّجات لونيّة محسوبة بين الدفء والبرودة بحسب طبيعة المشهد.

المكياج حافظ على واقعيّة الشخصيّات، مبرزاً آثار الإرهاق أو التوتّر عند الحاجة، من دون تجميل مبالغ فيه. أمّا المونتاج، فكان في مجمله متماسكاً، لكنّه احتاج في بعض الحلقات إلى قدر أكبر من الحزم لضبط الإيقاع.

(أنا وهيّ وهيا) عمل يحترم ذكاء المشاهد، ويمنحه مساحة للتأمّل في تعقيدات العلاقة الإنسانيّة، يدخل بيوتنا من دون مشاكل ولا خوف على أبنائنا من متابعته، وهو ليس عملاً صاخباً أو مفاجئاً بالمعنى التقليدي، لكنّه دراما تعتمد على الأداء والرؤية النفسيّة، وعلى محاولة قراءة العلاقات من زاوية حسّاسة وإنسانيّة نحتاجها كعائلة.

قد لا يكون ذروة الموسم، لكنّه بالتأكيد واحد من الأعمال التي سعت إلى تقديم مقاربة مختلفة، توازن بين الجماليّات البصريّة وصدق الأداء، وتطرح سؤالاً مفتوحاً حول الحبّ والغيرة في زمن تتبدّل فيه الأدوار وتتشابك فيه الصور. لم ينجُ من بعض العثرات السرديّة، لكنّه يبقى تجربة تستحق التوقّف عندها، بوصفها محاولة جادّة لإعادة الاعتبار للدراما القائمة على الشخصيّة قبل الحدث.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.