رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

كمال زغلول يكتب: الدراما العربية و(الأدب التمثيلي) العربي (1/2)

للعرب فنونهم في (الأدب التمثيلي) الأدائي

بقلم الباحث المسرحي الدكتور: كمال زغلول

ارتبط المسرح العربي بنظرية الدراما الأوروبية، منذ نشأتها اليونانية القديمة، حتى تطورها الحديث في عصرنا الآني، وهذا الارتباط غض النظر عن طبيعة فنوننا العربية، والتي لم  تخضع للبحث والدراسة النقدية، كما حدث مع (الدراما) اليونانية، و(الأدب التمثيلي).

ولكن للعرب فنونهم في (الأدب التمثيلي) الأدائي، التي لم تحظى بالدراسة المتأنية، من قبل حركة النقد العربي الأدبي، ولم تصنف على أنها فنون مسرحية، نظرنا لوضع القواعد التي وضعها (أرسطو) في مؤلفه فن الشعر، ونظريته الفلسفية المحاكاة، قد وضعت كمقياس لنقد الفنون الأدبية الأدائية المسرحية.

وهذ ما جعل ابن رشد عند شروحه لترجمة (أرسطو)، ينفي وجود أشعار للعرب مثل الأشعار اليونانية، مثل التراجيديا أو الكوميديا، وذلك لأنه نظر لـ (الأدب التمثيلي) العربي نظرة فلسفية  غير فنيه، كما أنه لم يقف على المفهوم العام لفنون الشعر والنثر العربي، من خلال المفهوم الجمالي لفن التمثيل في الحياة العربية.

والذي بدوره أنتج (الأدب التمثيلي) الأدائي معتمدًا على النظرية الجمالية لفن التمثيل العربي، وهذا ما استشفه (الجرجاني) في مؤلفه أسرار البلاغة في علم البيان، حيث وضح أهمية وقيمة فن التمثيل في الحياة العربية، وهذا عائد إلي قيمته الجمالية وتأثيره في النفس البشرية.

وينونه في كتابه  بأنه (إذا بحثنا عن ذلك وجدنا له أسبابًا وعللًا كل منها يقتضي أن يفخَّم المعنى بالتمثيل وينبَّل، ويشرَّف ويكمَّل، فأول ذلك وأظهره أن أُنس النفوس موقوف على أن تخرجها من خفي إلى جلي، وتأتيها بصريح بعد مكني.

وأن تردها في الشيء تعلمها إياه إلى شيء آخر هي بشأنه أعلم، وثقتها به في المعرفة أحكم، نحو أن تنقلها مما يدرك بالعقل إلى الإحساس، ومما يعلم بالفكر، إلى ما يعلم بالاضطرار والطبع)، وهذا ما يلفت النظر إلي أهمية فن التمثيل في العربية، ومنها ندخل علي نظرية فن التمثيل العربي.

بداية نوضح أننا نقصد بمصلح (الأدب التمثيلي) العربي

مصلح (الأدب التمثيلي) العربي

وبداية نوضح أننا نقصد بمصلح (الأدب التمثيلي) العربي: هو ذلك النوع من النصوص العربية المسرحية التي أنتجتها العقلية العربية، لأدائها في صورة عرض مسرحي ممثل أمام جمهور،  وفق المفهوم النظري العربي الجمالي لفن التمثيل، وهذه النصوص منها ما هو شعري ومنها ما هو نثري.

ولها مجموعة من الأسس تقوم عليها، ومجموعة من القواعد الخاصة بالبناء الكلي لهذه النصوص، وتتصف بالشعبية لارتباطها بالوجدان العربي الشعبي، القائم على علاقة وثيقة بين المدركات الحسية والذهنية عند الفنان والجمهور العربي الشعبي، وهذا ما يعطيها صفة  الخصوصية المسرحية العربية التمثيلية .

وهذه الأعمال المؤلفة لاترتبط بنظرية المحاكاة اليونانية، ولاترتبط بالقواعد المسرحية للمسرح الأوروبي، بل لها نظرية فنية عربية خاصة بها، هذه النظرية تحتوي على المفهوم الأساسي لفن التمثيل في العربية، والتطبيقات العملية الفنية الخاصة به في صورة عروض ونصوص تمثيلية، وهذا ما سوف نوضحه :

نتعرف على معناه من وجهة نظر العقلية العربية

نظرية فن التمثيل العربي:

ونستطيع استنباط هذا المفهوم من اللسان العربي، لنتعرف على المفهوم النظري لفن التمثيل، ونستعرضه عبر مجموعة من معانيه في المعاجم اللغوية، لنتعرف على معناه من وجهة نظر العقلية العربية: 

فقد جاءت الكلمة في (المعجم الوجيز )بمعنى التشبيه والشبه والصفة إذ مِثْل: كلمة تسوية، يقال هذا (مِثْله) و(مَثَله) شِبْه وشَبَه، و(المَثَل) ما يضرب به (جملة من القول مقتطعة من كلام أو قائمة بذاتها، تنقل ممن وردت عنه إلى ما يشابهه دون تغيير.

مِثْل: (الرائدُ لا يكذِبُ أهلَه)، وجاءت بمعني التصوير بالكتابة في مختار الصِّحاح (مَثَل) الشيء أيضا بفتحتين بين صفته، و(مثَّل) له كذا (تمثيلا): إذا صور له مثاله بالكتابة أو غيرها، وتأتي بمعنى الوصف التمثيلي في (المصباح المنير) والمفتوح (مثَل) بمعنى الوصف.

وضرب الله مثلا أي وصفا، والمِثال بالكسر اسم مَنْ ماثَلهُ مماثلةً، إذا شابَهَهُ، وقد استعمل الناس المِثال بمعنى الوصف والصورة، فقالوا مِثالُه كذا، أي وصفُه وصورتُه، والجمع أمثِلة.

وتأتي بمعنى الصورة الجسدية والتشخيص وإعادة الأحداث تمثيلا، فبمعجم اللغة العربية المعاصرة (مثل الشخص بين فلان: مثل؛ قام بين يديه منتصبا.. (تمثل الشيء له تصَوَّر له، تشخَّص له، (فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا).

مثل المسرحية: عرضها على المسرح  مثل دور البطل: لبس شخصيته – مثل دور السلطان: قام بهذا الدور .. مثل الجريمة: (أعاد تمثيل وقائعها أمام المحققين.. وماثل الشيء لفلان: صوره له بكتابة أو غيرها كأنه ينظر إليه )، هذا بالإضافة إلي الكثير من المعاني لفن التمثيل.

ولكن هذا يكفي لنتعرف ومن تلك المعاني للكلمة نتعرف على أسس فن التمثيل العربي في الحياة الشعبية ونحددها في الآتي:

أولًا: الدلالة الوصفية:

وهى القدرة على وصف الأشخاص والأماكن وكل ما يخص الناس بطريقة تمثيلية.

ثانيًا: الدلالة التصورية:

وهى القدرة على التصوير، وتكوين الصورة التمثيلية للمماثلة وضرب الأمثلة.

ثالثًا: الدلالة المثالية:

وهى اتخاذ أحد الأشخاص قدوة ومثلا في طريقة حياته.

رابعًا: الدلالة النقلية:

وهى نقل الأقوال عن الأشخاص بنفس الطريقة التي قالوا بها أقوالهم.

خامسًا: الدلالة الأدبية:

وهى تعني التصوير التمثيلي بالكتابة، وهى تخص  فنون الأدب التمثيلي، ومن ألوان الأدب التمثيلي الشعر التمثيلي، إذ أن الأنواع الشعرية تنحصر في ثلاثة أنواع، كما يذكرها الزيات في كتابة (تاريخ الأدب العربي) وهى (شعر غنائي أو وِجداني)Lyrique) ).

و هو أن يستمد الشاعر من طبعه وينقُـلَ عن قلبه ويعبرَ عن شعوره، شعر قصصي ((Epique ، وهو نظم الوقائع الحربية والمفاخر القومية في شكل قصة، كالإلياذة والشاهنامة، شعر تمثيلي (Dramatique).

وهو أن يعمدَ الشاعر إلى واقعه فيتصور الأشخاص الذين جرت على أيديهم وينطق كلا منهم بما يناسبه من أقوال وينسُب إليه ما يلائمه من أفعال، وهذا النوع الثالث خاص بعلم النص التمثيلي الشعبي، ونلاحظ في تعريفه أن الشاعر أو الناثر  هنا يمثل واقعه، من خلال مجموعة من الإجراءات التي يقوم بها وهي:

أولًا: الخيال:

وهنا يتخيل الشاعر كل أحداث الواقع، ثم ينتقل إلى الطريقة التي سوف يقدم بها هذا الخيال.

ثانيًا: التصور:

وهنا يعمد الشاعر إلى تصور تنفيذ العمل وكفية إخراج هذا العمل الأدبي التمثيلي، فيصنع الحبكة التي تجسد هذا العمل ومن خلال تلك الحبكة يظهر لنا العمل في الصورة التمثيلية ونحددها في الآتي:

أ – الشخصية:

وهى تصوير الشاعر لتلك الشخصيات والفروق بينها من حيث أبعادها الثلاثة (المادية – النفسية – الاجتماعية ).

ب – الحوار:

أن تتكلم كل شخصية بما يناسبها من حديث من واقع الأبعاد المكونة للشخصية.

ج – الأحداث:

وهي الأحداث التي تمر بالشخصية وتبرز الأفعال التي تقوم بها تلك الشخصية.

د – الصراع:  

وهو الحالة التي تصور أفعال الشخصيات وهي في حالة من الصراع مع بعضها البعض.

هـ – الزمان و المكان:  

وهنا يصف الشاعر الزمان والمكان بشكل تمثيلي، فإذا تعرض لزمان معين حدده  بوقته وإذا ما تعرض إلى وصف مكاني مثله كأن المتلقي يراه، ويستمر في تمثيل الأشخاص داخل الزمان والمكان، وهكذا يكون البناء النصي للأدب التمثيلي سواءً أكان شعراً أم نثراً.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.