(ذهاب وعودة).. فيلم سوداني قصير يحوّل الحنين إلى الوطن إلى معركة داخل الإنسان

كتبت: سما أحمد
حين يصبح الوطن سؤالًا أكثر منه مكانًا، وحين تتحول العودة إلى قرار محفوف بالخوف والذكريات والقلق، يصبح الإنسان عالقًا بين طريقين: طريق الغربة بما يحمله من أمان نسبي ووحدة، وطريق الوطن بما يحمله من خطر وحنين وانتماء.. من هذه المنطقة الإنسانية الشائكة، يأتي الفيلم السوداني القصير (ذهاب وعودة) الذي طرحه الفنان (عمر الأرموطي).
يأتي (ذهاب وعودة) في تجربة درامية تقترب من واحدة من أكثر القضايا إلحاحًا في حياة السودانيين خلال السنوات الأخيرة؛ سؤال الوطن في زمن الحرب، ومعنى العودة حين لا يكون الوطن كما تركه الإنسان.
(ذهاب وعودة) يقدم معالجة إنسانية لمشاعر الغربة والحنين إلى الوطن، والصراع الداخلي الذي يعيشه الإنسان بين البحث عن الأمان والاستقرار من جهة، والتمسك بالهوية والجذور والأسرة من جهة أخرى، في ظل التداعيات القاسية للحرب والظروف الاستثنائية التي يعيشها السودان.
ويشارك في بطولة الفيلم الفنان السوداني (عمر الأرموطي)، بينما يتولى حمد الشاذلي مهمة الإخراج، والعمل من إنتاج ORT Production، وتأليف وسيناريو وحوار أحمد الشامي.
تدور أحداث (ذهاب وعودة) من خلال حوار إنساني بين شخصيتين، يضع المشاهد مباشرة أمام سؤال العودة إلى السودان في ظل الظروف الصعبة التي خلفتها الحرب، وما يحيط بهذا القرار من مخاوف وتحديات.
ومن خلال هذا الحوار، لا يتعامل الفيلم مع الغربة باعتبارها مجرد ابتعاد جغرافي عن الوطن، وإنما باعتبارها حالة نفسية يعيشها الإنسان حين يجد نفسه بعيدًا عن أهله وذكرياته وجذوره، بينما يظل الوطن حاضرًا في داخله مهما ابتعدت المسافات.
ويجسد حسين هذه الحالة الممزقة بوضوح؛ فهو يعيش بين واقع صعب في الداخل وتجربة اغتراب في الخارج، ولا تبدو العودة بالنسبة إليه قرارًا بسيطًا يمكن حسمه بسهولة.
في المقابل، يحاول أسامة إقناعه بالعودة إلى بلده وأسرته، لتتحول المواجهة بين الشخصيتين إلى حوار أوسع حول الوطن والانتماء والخوف، وما تتركه الحرب من آثار لا تتوقف عند حدود المكان، وإنما تمتد إلى الإنسان نفسه.

أسئلة تتجاوز الحكاية المباشرة
يطرح (ذهاب وعودة) أسئلة تتجاوز الحكاية المباشرة لشخصيتيه؛ فماذا يعني الوطن حين يصبح البقاء فيه محفوفًا بالمخاطر؟ وهل يستطيع الإنسان أن يشعر بالأمان بعيدًا عن أرضه وأسرته؟ وهل تكون العودة دائمًا انتصارًا للانتماء، أم أنها أحيانًا مخاطرة لا يستطيع الإنسان تجاهل تبعاتها؟
ومن خلال هذه الأسئلة، يقترب الفيلم من مشاعر إنسانية مشتركة تتجاوز الحالة السودانية نفسها، لأن الغربة والحنين إلى الوطن والخوف على الأسرة كلها مشاعر يمكن أن يجد فيها المشاهد جزءًا من تجربته أو تجربة من حوله.
ويعتمد العمل على الحوار المكثف والمواقف الإنسانية، بعيدًا عن تشعب الأحداث، ليضع الصراع الداخلي في مركز التجربة، ويمنح الشخصيات مساحة للتعبير عن الخوف والحنين والارتباك، في محاولة لفهم الإنسان الذي يجد نفسه مضطرًا إلى الاختيار بين مكان يمنحه قدرًا من الأمان، ووطن لا يستطيع قلبه التخلي عنه.
يضم فريق العمل الموسيقى التصويرية من (مشاكل برودكشن)، والهندسة الصوتية لـ (حمو)، بينما يتولى سامي مهمة مدير التصوير، ومصطفى المونتاج، كما يتولى مارسيلو، الملقب بـ (ملك الميديا في مصر) مسؤولية السوشيال ميديا الخاصة بالفيلم.
وفي النهاية، يضع (ذهاب وعودة) الإنسان في قلب الحكاية؛ إنسانًا أنهكته الحرب، وأبعدته الغربة عن بيته، لكنه ظل يحمل وطنه معه أينما ذهب، فالفيلم، رغم قصر مدته، يحاول الاقتراب من سؤال كبير: هل الوطن هو المكان الذي نعيش فيه، أم المكان الذي لا نستطيع أن نعيش بدونه؟
وبين (ذهاب) بحثًا عن الأمان و(عودة) بحثًا عن الجذور، يترك الفيلم للمشاهد مساحة للتفكير في معنى الانتماء، وفي الثمن الذي يدفعه الإنسان حين تضعه الظروف أمام اختيار لم يكن يتمنى يومًا أن يواجهه.