رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

(القصص).. حين يصبح الهروب وسيلة للنجاة!

(القصص).. حين يصبح الهروب وسيلة للنجاة!

(القصص).. حين يصبح الهروب وسيلة للنجاة!
اختيار (القصص) لتمثيل مصر في سباق أوسكار أفضل فيلم دولي لعام 2027
(القصص).. حين يصبح الهروب وسيلة للنجاة!
الدكتورة شيماء سعيد

بقلم الناقدة الدكتورة: شيماء سعيد

يصبح الهروب أحيانًا الطريقة الوحيدة لمواجهة واقع مؤلم أكبر من قدرة الإنسان على التغلب عليه، في فيلم (القصص) للمخرج والمؤلف أبو بكر شوقي، تتعدد أشكال الهروب بتعدد الشخصيات، فبين عامي 1967 و1984، يرسم الفيلم حياة عائلة مصرية تتقاطع تفاصيلها اليومية مع الحرب والفقد والخوف، ويحاول كل فرد أن يجد لنفسه مساحة صغيرة يستطيع فيها أن يلتقط أنفاسه ويكمل حياته.

لكن الفيلم لا يتعامل مع الهروب باعتباره مجرد رغبة في الابتعاد، بل يراه جزءًا من الطريقة التي يحاول بها الإنسان أن يعيش عندما تضيق به الظروف، ويظل السؤال حاضرًا ببساطة: ماذا يفعل الإنسان عندما لا يستطيع تغيير ما يحدث حوله؟

ومع اختيار (القصص) لتمثيل مصر في سباق أوسكار أفضل فيلم دولي لعام 2027، يصبح من اللافت التوقف عند هذه المساحة التي يمنحها العمل لشخصياته، وكيف يحاول كل منها أن يجد طريقته الخاصة للاستمرار.

(القصص).. حين يصبح الهروب وسيلة للنجاة!
الكتابة فرصة لاستعادة قدر من حريتها، فهي تكتب القصص التي تحكيها عن عائلتها

الكتابة.. مساحة أخرى للحياة

تهرب فيروز (نيللي كريم) إلى الكتابة، فتجد فيها مساحة خاصة تبتعد من خلالها عن ثقل حياتها؛ امرأة تتحمل مسؤولية أربعة أبناء يعتمدون عليها نفسيًا، فيما يكدّ والدهم الموظف لتوفير احتياجات الأسرة، وتعيش هي تحت وطأة مسؤوليات البيت وضغوطه اليومية، وإلى جانب أعباء الأسرة، تواجه فقد ابنها في الحرب، والمرض، وسوء منظومة الرعاية الصحية، وتظل مطالبة بالحفاظ على تماسك العائلة ومواصلة الحياة.

وتمنحها الكتابة فرصة لاستعادة قدر من حريتها، فهي تكتب القصص التي تحكيها عن عائلتها، وتجد فيها متنفسًا بعيدًا عن الضغوط التي تحاصرها، وتأتي جملتها لابنها أحمد: (السعادة محتاجة طاقة ومجهود، لازم أبذل جهد عشان أكون سعيدة) لتكشف عن نظرتها إلى الحياة.

فالسعادة بالنسبة إليها ليست شيئًا يأتي من تلقاء نفسه، وإنما ما تحاول أن تصنعه رغم الظروف، ويختصر مشهد الموقد المتهالك هذه الفكرةـ  فهي تضربه بقدمها مرارًا حتى تشتعل النار، في لقطة تتكرر على مدار سنوات طويلة، ليصبح دلالة على محاولتها المستمرة للتكيف مع واقعها وفي الوقت نفسه تغييره، ولو في تفاصيله الصغيرة.

(القصص).. حين يصبح الهروب وسيلة للنجاة!
تمنح الموسيقى في فيلم (القصص) مساحة للهروب من واقع يزداد ضيقًا

موسيقى للهروب.. وسفر للبحث عن الذات

تمنح الموسيقى في فيلم (القصص) مساحة للهروب من واقع يزداد ضيقًا؛ فعندما يجلس أحمد (أمير المصري) إلى البيانو، ينفصل عن ضغوط الأسرة والخوف والحرب، ويجد في العزف عالمًا يمنحه فرصة للشعور بالسعادة، لذلك تصبح الموسيقى أكثر من موهبة؛ إنها ملاذ يتمسك به كلما ضاقت الحياة، وطريق يحافظ من خلاله على حلمه وهويته وسط واقع يحدّ من اختياراته.

ويظهر هذا المعنى أيضًا في شخصية خاله (حمادة)، الذي يؤديه صبري فواز، عازف الكمان في فرقة أم كلثوم، والذي لم يتزوج وكرّس حياته للموسيقى، حتى بدا الكمان رفيقه الأهم ومساحة الحياة التي اختار أن يهرب إليها.

ولا يبقى هذا الهروب حبيس تجربة أحمد، بل يمتد ليكشف حال جيل كامل تشكّل وعيه وسط تحولات سياسية واجتماعية متلاحقة؛ جيل عاش صدمة نكسة 1967 وما خلّفته من إحباط، ثم استعاد مع انتصار أكتوبر 1973 شيئًا من الأمل والثقة، قبل أن يجد نفسه أمام مرحلة الانفتاح بما حملته من تغيرات في شكل الحياة والقيم والعلاقات الاجتماعية، وما أفرزته من تناقضات ألقت بظلالها على أحلامه وطموحاته وطريقته في النظر إلى المستقبل.

ومع اتساع الأزمات، يتحول السفر لدى أحمد من حلم شخصي إلى محاولة لإيجاد مساحة لا يجدها في بلده؛ مساحة تسمح له بأن يتعامل مع الموسيقى باعتبارها مشروع حياة، لا مجرد ملاذ مؤقت، وتأتي مراسلاته مع (ليز)، التي تجسدها فاليري باتشنر، لتفتح أمامه هذا الاحتمال، في مقابل واقع مصري جعلت ظروفه السياسية والاجتماعية الفن أكثر تأثرًا بالأزمات.

لكن الفيلم لا يقدم الخارج بوصفه خلاصًا مكتملًا، فارتباط أحمد بأهله يظل أقوى من فكرة الانفصال، ويكشف ذلك عن مفارقة أساسية في شخصيته: حاجته إلى الابتعاد كي يحقق ذاته، وعدم قدرته في الوقت نفسه على التحرر من المكان الذي شكّلها.

(القصص).. حين يصبح الهروب وسيلة للنجاة!

(القصص).. حين يصبح الهروب وسيلة للنجاة!
تأتي كرة القدم لتقدم شكلًا آخر من أشكال الهروب الجماعي داخل (القصص)

كرة القدم.. ملاذ من واقع ضاغط

ثم تأتي كرة القدم لتقدم شكلًا آخر من أشكال الهروب الجماعي داخل (القصص)، يجتمع الرجال أمام مباريات الزمالك، فيجدون في متابعتها مساحة مؤقتة يبتعدون فيها عن واقع أكبر من قدرتهم على تغييره، ورغم خسارات الفريق المتكررة، يظلون متمسكين به، وكأن علاقتهم به تعكس علاقتهم بالحياة نفسها.

خيبات متتالية، لكن دائمًا هناك ما يدفعهم إلى الانتظار والأمل، وهنا يصبح الزمالك أكثر من مجرد نادٍ بالنسبة إليهم، بل جزءًا من عالمهم اليومي ومساحة يتشاركون فيها مشاعر لا يجدون لها مكانًا آخر.

وتتخذ هذه العلاقة شكلًا أكثر خصوصية مع أحد أبناء فيروز، (شرف) الذي يؤديه (خالد مختار)، فهو لا يكتفي بمشاهدة الزمالك، وإنما يحلم بأن يصبح لاعبًا فيه، وكأن الكرة تمنحه فرصة للخروج من واقعه والوصول إلى حياة يتخيلها لنفسه، وحين لا يتحقق حلمه في الملعب، لا يبتعد عن النادي، بل يجد مكانًا له للعمل داخل غرفة الملابس، ليظل قريبًا من العالم الذي تعلق به.

(القصص).. حين يصبح الهروب وسيلة للنجاة!

(القصص).. حين يصبح الهروب وسيلة للنجاة!
مع الوقت، يتعلم شمس أن يتعامل مع البعد عن أهله، حتى لو كان ذلك على حساب مشاعره

هروب من أجل فرصة أفضل

يقدم (كريم قاسم) شخصية (شمس) بوصفه نموذجًا آخر للهروب، هروب لا تحركه الرغبة في الابتعاد بقدر ما تحركه المصلحة والبحث عن حياة أفضل، لذلك يسافر إلى الخارج، تاركًا بلده بحثًا عن فرصة أوسع، ومستعدًا للتكيف مع الغربة وما تفرضه عليه من تغيرات.

ومع الوقت، يتعلم شمس أن يتعامل مع البعد عن أهله، حتى لو كان ذلك على حساب مشاعره التي يضطر إلى كبحها، وهكذا يصبح سفره اختيارًا عمليًا أكثر منه عاطفيًا، فالغربة بالنسبة إليه ثمن يمكن تحمله مقابل حياة أفضل، على عكس أحمد الذي ظل ارتباطه بأهله أقوى من قدرته على التأقلم مع البعد عنهم.

وفي النهاية، لا يقدم (القصص) الهروب بوصفه خلاصًا، بل كطريقة لمواصلة الحياة، إذ يحمل كل شخص معه جزءًا من واقعه، مهما ابتعد عنه، وبينما تتغير وجهات الهروب، يبقى الأهم هو ما تفعله هذه المساحات بالإنسان، وما تكشفه عن قدرته على التكيف والاستمرار.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.